-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

من الانفجار إلى الانحسار

عمار يزلي
  • 829
  • 0
من الانفجار إلى الانحسار

دولتان عربيتان فقط إلى حد الآن، حسب بعض الدراسات الاستشرافية، يمكنهما الحفاظ على وتيرة متزايدة للنمو السكاني لديها: الجزائر ومصر، فيما يبدو أن بعضها مهددٌ إما بالانقراض السكاني أو حصول خلل اقتصادي سكاني لا يتلاءم مع النمو والتطور الذي طرحته نظرية “مالتوس”، والتي تشير إلى أن عدد السكان يتزايد بمتتالية هندسية فيما المقدرات تنمو بوتيرة متتالية عددية، مما سيجعل العالم مع مرور الزمن معرَّضا لشح الموارد بسبب “الانفجار الديمغرافي”. هذه النظرية، يبدو أنها تتجه اليوم إلى إثبات خطئها وعكسها تماما. هذا ما توصلت إليه الدراسات الحديثة.

السبب في ذلك يكمن في تغير الثقافة السكانية وطبيعة تفكيرهم مع ازدياد نمو الترف المالي والاقتصادي وثراء المعيشة في المجتمعات الرأسمالية الاستهلاكية التي ستتّجه سكانيا حتميا إلى تقليص دور الأسرة والإنجاب الذي يمثل عائقا أمام الرغبة في حرية العيش بحرية واستقلالية بدون تحمل تبعات مسؤولية تكوين أسرة وإنجاب أطفال وتربيتهم والتضحية من أجلهم بدون مقابل من جهتهم فيما بعد، على عكس المجتمعات الزراعية سابقا التي كانت تستثمر في الذرية والتكاثر على اعتبار أنها قوة عمل مستقبلية.

الثقافة الرأسمالية المهيمنة على العالم اليوم، وخاصة في المجتمعات المتطورة أو الغنية، ومنها دولة الإمارات حسب بعض الدراسات، تتجه نحو الفردنة والبحث عن الحرية الفردية وعدم الارتباط بأسرة ترغم على الإنجاب والتكفل بتربية الأطفال، مما يمثل عائقا أمام ممارسة حرياتهم الفردية، يضاف إلى ذلك التوجه غير السوي في انتشار أشكال العيش المشترك والزواج بين الشواذّ من الجنسين في المجتمعات الغربية، والذي يهدد بانقراض البشرية إذا ما استفحلت الظاهرة في الانتشار.

صحيفة “لوموند” الفرنسية، قبل يومين، أعادت إلى التذكير بما يعيشه المجتمع الياباني حاليا، والذي يبلغ تعداد سكانه 127 مليون نسمة، وهو يفقد كل سنة مليون نسمة، وهذا منذ نحو 12 سنة، مما يعني أن المجتمع الياباني قد ينقرض افتراضيا سنة 3200م حسب المصدر.

العالم، يقول الباحثون في هذا الصدد، يتجه إلى شيخوخة ما فوق الـ60، ستمسُّ نحو مليار ساكن قبل نهاية هذا القرن، وهذا من شأنه أن يقلص من حجم النمو الاقتصادي، مما سيؤدي إلى انكماش ينذر بأزمة إنسانية، تضاف إلى باقي الأزمات المفترضة، صحية وحروب وفيضانات وزلازل وظواهر طبيعية أخرى.

الصين، التي كانت اتبعت سياسة الطفل الواحد لعقود، عادت قبل سنوات قليلة وسمحت بإنجاب الطفل الثاني، تماشيا في البداية ورغبتها في تقليص الانفجار الديمغرافي، لكن هذه السياسة سرعان ما أوصلت إلى خطر شيخوخة المجتمع المهدَّدة بالانكماش الاقتصادي وتقلصه.

النمو السكاني، سواء في مصر أو الجزائر والذي لا يمثل ذلك الارتفاع الضخم، إلا أنه يبقى من بين أهم الأرقام العربية، خاصة إذا ما قارنا ذلك بمستوى النمو الاقتصادي، فقد نجد انفجارا سكانيا في منطقة عربية يقابله تضعضعٌ اقتصادي، وهو ما يمثل الخلل الكلاسيكي والذي لم يعد يخيف اليوم كثيرا، لأن أساس الأزمة هو قلة اليد العاملة لا قلة الثروات، فالثروة تنتجها القوة البشرية، وبدونها لا يمكن أن ينمو البلد أو يتطوَّر، أما في ظل وجود نمو ديمغرافي متزن، فالموارد الاقتصادية والتنمية مقدورٌ عليها، يكفي أن تحضر الإدارة والإرادة.

وعليه، فالتنمية اليوم هي تنمية الموارد البشرية وما ينمو معها من صحة وتعليم وتثقيف وتربية وأسرة ورعاية سكانية وخدمات إنسانية واجتماعية، تسمح للساكنة بتطوير قدراتها العملية والمهنية والإنتاجية ضمن القوانين التقليدية للأسرة والمجتمع والدين والأخلاق والسلوك السوي.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!