من التربصات إلى مواقع الريادة… شباب يغيرون قواعد اللعبة
في زمن لم يعد فيه العمر معيارا وحيدا للكفاءة، أصبح بعض الشباب الجزائريين يتولّون مناصب مسؤولية كانت حكرا على ذوي الخبرة الطويلة.. موظفون في العشرينيات من العمر، ظاهرة تعكس تحولا عميقًا في نظرة المجتمع الجزائري إلى دور الشباب وقدرتهم على القيادة وصناعة القرار.
لم يعد الشاب الجزائري مجرد ساع للتعليم أو باحث عن فرصة عمل، بل أصبح فاعلا أساسيا في الإدارة، وريادة الأعمال، والعمل السياسي، وحتى في المؤسسات الحكومية، فبفضل التعليم الحديث، والانفتاح الرقمي، وتراكم التجارب المبكرة، امتلك هؤلاء الشباب أدوات لم تكن متاحة للأجيال السابقة.
تحويل مكتسبات الطالب النظرية إلى مهارات عملية فرصة نحو الريادة
وفي المدرسة العليا الجزائرية للأعمال بقصر المعارض بالعاصمة، أين نظمت مؤخرا منتدى التربصات الذي يمثل موعدا يوجه لإقامة علاقات مباشرة بين طلابها وعالم الشغل بهدف تسهيل التبادلات والتوظيف وتطوير الشراكات، التقت “الشروق”، ببعض الشباب من الذين أصبحوا يتولون مناصب ومسؤوليات في بعض المؤسسات الناشئة والكبرى، بل أن بعضهم يملكون مؤسساتهم الخاصة.
من متربصين إلى مسؤولين
قالت ليلى بلعسل، مسؤولة التسويق بوكالة “ميراكل” بالجزائر، “إن الطريق ليس سهلا لتتولى شابة مثلي في العشرينيات، مهمة مثل هذه، ولكن الثقة التي منحت لي كانت دافعا لإثبات أن الشباب قادرون على تحمل المسؤولية وصنع الفرق.”
وأكدت لـ”الشروق”، أنها تخرجت سنة 2024، ولحسن حظها التحقت بنفس الشركة كانت تتربص فيها.
وأوضحت أنها تعلمت وبصفة ميدانية تطبيقية التصميم والرقمي في المدرسة العليا الجزائرية للأعمال، مشيرة إلى أن جودة التعليم والاهتمام بالتطبيقات والتجسيد الميداني الملموس له دور في تحفيز الشباب، خاصة إذا كان التخصص محل اهتمامهم وخياراتهم.
وقالت إنه بفضل التربص تستطيع الجزم بأن 90 بالمائة من طلبة المدرسة العليا للأعمال وجدوا مناصب وهم لا يتعدون ثلاثين سنة، فالشغف والحب للعمل الميداني والجرأة بحماسة لخوض المسؤوليات يجعل من الحلم عند الشاب يتحقق.
ومن جانبه، أكد أنيس قايدي، 24سنة، وهو طالب سابق بالمدرسة العليا للأعمال، جاء ليقدم إرشادات ونصائح للطلبة الذين لم يتخرجوا بعد، أن الطموح والإرادة والصبر أهم صفات الشاب الذي يحقق أحلامهم وهو في مرحلة العشرينيات، مشيرا إلى أنه تحصل على شهادة البكالوريا، سنة 2019، وقرر بعدها الالتحاق بالمدرسة العليا للسياحة بفندق الأوراسي أين تحصل على شهادة الليسانس، ثم تحول إلى المدرسة العليا الجزائرية للأعمال، أين تحصل على على ليسانس في “المانجمانت” والمالية، وبعدها حصل على ماستر التسويق في نفس المدرسة.
ويمتلك اليوم أنيس، وكالة سياحة وأسفار” أكات فلاي” بالبليدة وهو لا يتعدى ال24سنة، ويتولى منصب مدير، بحيث اعتبر التربصات والتكوينات التي استفاد منها جعلته يضع الخوف من المسؤولية جانبا، ويخوض رحلة الترويج للسياحة والتعامل مع الزبائن بكل ثقة وأريحية.
وقال إن شباب اليوم يحتاج إلى مؤسسات تهتم بإرشاد الشباب وتوجيههم لاختيار ما يناسبهم وما يرغبون في تحقيقه، موضحا أن أهم شيء أن الشاب يدرس ويتعلم أو يعمل ما يتناسب مع ميولاتهم وقدراتهم الفكرية والجسدية.
ويرى أن التسويق مهمة رائعة خاصة عندما يتعلم الشاب فلسفتها وكيفية تطبيقها على أرض الواقع، وطريقة جذب الزبائن.
شباب يبتكرون أساليب حديثة في الإدارة والتواصل
وفي سياق الموضوع، عبرت ماية زيتونية شابة عشرينية، عن سعادتها بمنصبها كمكلفة بالأعمال وإدارة منصة رقمية خاصة بالتوظيف، وهي منصة تعمل مع عدة مؤسسات جزائرية منها الناشئة، وتستقبل طلبات التوظيف، والباحثين عن هذه الوظائف.
وأكدت أن المنصة تحتوي على مليون مسجل و47 ألف زائر للبحث عن العمل والتعرف على المؤسسات الجزائرية، موضحة أن الثروة اليوم تتمثل في الشباب وإن المنصة بمثابة أداة وصل بينهم وبين عشرات المؤسسات الكبرى والناشئة.
وترى أن القيادات الشابة، حسب تجربتها الميدانية، تتميز بقدرتها على الابتكار، وسرعة التكيف مع المتغيرات، واعتماد أساليب حديثة في الإدارة والتواصل، وكما أن المتخرجين من المدرسة العليا للأعمال الذين حضروا لتقديم تجربتهم للطلبة هم أكثر قربا من قضايا جيلهم، ما يجعل قراراتهم أكثر واقعية وملامسة لاحتياجات المجتمع.
ورغم ذلك، بحسبها، لا تخلو التجربة من تحديات، أبرزها التشكيك في الخبرة، وضغط التوقعات العالية، والحاجة المستمرة لإثبات الذات، ولكن رغم هذا فإن أغلب خريجي المدرسة حولوا هذه التحديات إلى حوافز للتعلم والتطوير المستمر.
وفي ذات السياق، أكد عمر محمد أيمن، المكلف بالاتصال الرقمي بالمدرسة العليا الجزائرية للأعمال، وهو شاب عشريني أيضا، أن تمكين الشباب من مواقع المسؤولية ليس مجرد خيار، بل استثمار في المستقبل. فحين يمنح الشباب الثقة والدعم، تتحول طاقاتهم إلى قوة دافعة للتنمية والتغيير الإيجابي في المجتمع.
وقال إن الهدف من منتدى التربصات وهو حدث سنوي يشكل فضاء التقاء بين الأكاديميين والمهنيين، هو تسهيل الاتصال مع طلبة المدرسة ومسيري بعض المؤسسات، بحيث شاركت فيه 150 مؤسسة عمومية وخاصة، بالإضافة إلى مؤسسات ناشئة شاركت لتقديم عروض التكوين المتاحة لبعض طلبة المدرسة في نهاية تكوينهم الدراسي.
وأكدت المديرة المساعدة بالنيابة للمدرسة العليا للأعمال، مفيدة تاجروت، على أهمية إتاحة للطالب فرصة تحويل مكتسباته النظرية إلى مهارات عملية واستكمال مشروعه من خلال اندماج فعلي داخل المؤسسات الشريكة، التي تقدم تكوينا تطبيقيا لا تقل مدته عن شهر واحد مع إمكانية التوظيف لنفس المتربصين بعد إنهاء الدراسة.