من التصنيع إلى البيع والشحن… لهذه الأسباب سلع الصين بأقل الأسعار!
في شرق الصين، وتحديدا بمقاطعة شاندونغ، حيث تشرق الشمس أولا على مدينة ريتشاو الساحلية، وحيث لا تتوقف الحركة التجارية في مدينة ليني، تتشكل واحدة من أهم الوجهات التي يقصدها التجار الجزائريون بحثا عن السلع والأسعار التنافسية، لكنها اليوم لم تعد تستقطب التجار وحدهم، بل بدأت تلفت أنظار الصناعيين والمستثمرين الجزائريين أيضا، الذين وجدوا شركاء لإنجاز مصانع بالجزائر.
هنا، في شاندونغ، لا يتعلق الأمر بمجرد شراء سلعة من مصنع وشحنها، بل بمنظومة اقتصادية متكاملة تجتمع فيها المصانع الكبرى والأسواق التجارية ومراكز عرض العينات وشركات التصدير والموانئ التي تنقل البضائع إلى مختلف أنحاء العالم بما فيها الجزائر، سلسلة تبدأ من خطوط الإنتاج ولا تنتهي عند البيع والشحن، وهو ما يختصر حلقات الوساطة ويقلص التكاليف ويسمح بوصول المنتجات الصينية بأسعار تنافسية.
وما اكتشفناه يتجاوز التجارة بالجملة، فالمقاطعة التي اعتاد الجزائريون التوجه إليها لاقتناء السلع، أصبحت وجهة محتملة لشراكات صناعية، من الحديد وقطع غيار السيارات إلى المركبات التجارية والطاقة الجديدة، هناك شركات لا تكتفي بالتصدير بل تدرس نقل جزء من نشاطها إلى الجزائر، ومن بينها عملاق الشاحنات “ووتشنغ” الذي يخطط لإنجاز وحدة إنتاج بالجزائر.
أربعة أيام قضيناها بين ريتشاو، المدينة الساحلية التي تحتضن مصانع عملاقة وميناء يربط شاندونغ بأكثر من 300 ميناء حول العالم، وليني، المدينة التجارية التي تختصر آلاف المصانع في فضاءات للعرض والتفاوض والتصدير.
هنا يُصنع حديد سيارات جيلي وشيري وبايك وجاك
في مدينة ريتشاو، كانت محطتنا الأولى مجموعة “ريتشاو” القابضة للصلب، الرائدة في سلسلة صناعة الصلب بمقاطعة شاندونغ، التي تحولت منذ تأسيسها سنة 2003 إلى عملاق صناعي يمتد على مساحة 15 ألف م2، أي نحو 10 كيلومترات مربعة، ويضم 10 آلاف موظف بطاقة إنتاجية سنوية 18.95 مليون طن من الصلب الخام. تعود بداية قصته إلى 2003 عندما انطلقت أشغال بنائه ولم يستغرق إلا 181 يوما للانتقال من البناء إلى بدء الإنتاج، وبحلول 2008 أصبح مؤسسة بطاقة 10 ملايين طن، وشكلت سنة 2013 محطة مفصلية بعد إدخال تكنولوجيا ومعدات الدرفلة المستمرة من طراز “إي إس بي” الرائدة عالميا، وبحلول 2016 وصلت خطوط الإنتاج بهذه التكنولوجيا إلى طاقتها الكاملة، كما اختيرت الشركة مرتين ضمن أهم عشرة أحداث في صناعة الصلب الصينية. وفي 2018 حققت إنجازا عالميا بعد ما نجحت في درفلة منتجات بسماكة 0.6 مليمتر محطمة الرقم القياسي لأرق شريط من الصلب المدرفل على الساخن، قبل أن تتجاوز قيمة إنتاجها سنة 2019 حاجز 100 مليار يوان، وتواصل توسعها سنة 2021 بإنشاء قاعدة إنتاج ومعالجة لمنتجات الدرفلة المستمرة ذات نطاق عالمي مع امتلاك حقوق الملكية الفكرية. وتتنوع منتجات المجموعة لتشمل لفائف وصفائح الصلب المدرفلة على الساخن والمدرفلة على البارد والمعالجة بالتخليل الحمضي والمجلفنة وصفائح القوالب المعمارية، إلى جانب أنواع متطورة من الصلب عالي القوة المستخدم في صناعة السيارات، وهي منتجات تدخل في قطاعات متعددة، وتمون اليوم علامات جيلي وشيري وبايك وجاك وفوتون. وتعكس الأرقام حتى نهاية 2025 حجم التطور، إذ بلغ إنتاجها الإجمالي 277.85 مليون طن، وإيراداتها التراكمية 1134.3 مليار يوان، وضرائبها 109.8 مليار يوان، وصادراتها 26 مليار دولار، وحجم أعمال شركاتها التابعة 449 مليار يوان، وقد توج مسارها بألقاب كمؤسسة وطنية للتكنولوجيا الفائقة ونموذج وطني للجودة ومصنع متميز ومؤسسة بتصنيف “A+” في الأداء البيئي.
من قطع غيار الشاحنات إلى اليخوت الفاخرة وتوربينات الرياح
وفي المنطقة الصناعية بريتشاو، كانت محطتنا الثانية مجموعة جينما، التي قد يبدو نشاطها بعيدا عن السيارات، لكنها واحدة من أبرز الممونين العالميين لعمالقة الشاحنات، وتضم 11 شركة تابعة وأربع شركات مشتركة، وتمتلك فروعا في موسكو والهند عبر شركة إيراش للصناعات، وتتوزع أنشطتها على أربعة محاور تشمل تصنيع المعدات ومواد الرمال والطاقة الجديدة وصناعة اليخوت، ويظل تصنيع قطع الغيار نشاطها الأساسي، حيث تحتل منتجاتها المصنوعة من السبائك والفولاذ مراتب متقدمة، بل الأولى وطنيا في بعض الفئات، ففي مجال أنظمة التعليق والفرامل تتصدر السوق الصينية وتزود علامات عالمية مثل مرسيدس وسكانيا وفورد للشاحنات الثقيلة، أما بعض منتجات أنظمة التوجيه والمكابس المصنوعة من سبائك الألمنيوم خفيفة الوزن فتستحوذ على 90 بالمائة من السوق المحلية ونحو 30 بالمائة عالميا، وتعتمد جينما تقنية صب الهيكل مرة واحدة التي تقلل الحاجة إلى اللحام وتعزز المتانة، وهو ما وقفنا عليه خلال جولتنا من الصب إلى التشطيب النهائي. ولا يقتصر نشاطها على القطع، بل يمتد إلى مواد البناء والهياكل الفولاذية، حيث تنفذ مشاريع في إيطاليا وتؤكد أن قوة هياكلها تتجاوز المواصفات الأوروبية، أما الجانب الأكثر إثارة فيتعلق بصناعة اليخوت، إذ تنتج يخوتا باستخدام صفائح فولاذية راقية، كما أطلقت شركتها التابعة جينما لليخوت أول يخت فاخر مزدوج الهيكل من طراز “إم 18” اجتاز تجارب ناجحة في ميناء هوانغهاي، وفي الطاقة الجديدة تتعاون مع شركة بناء السفن الصينية وتمتلك القدرة على تصنيع مولدات توربينات الرياح.
عملاق الشاحنات “ووتشنغ” يخطط لإنجاز مصنع في الجزائر
وفي ريتشاو وقفنا أمام شاحنتين من المنتظر أن تصنعا قريبا في الجزائر، خلال زيارتنا لمجمع صناعي يعود تاريخه إلى أكثر من 60 سنة عندما بدأ كمحطة صغيرة لإنتاج الجرارات قبل أن يتحول إلى أحد أكبر مصنعي المركبات التجارية في الصين، وتعود نشأة مجموعة ووتشنغ إلى سنة 1961 عندما تأسست كمحطة لإنتاج الجرارات وكانت بدايتها بصناعة رشاشات المبيدات قبل أن تنتج أول دراجة ثلاثية العجلات سنة 1966 عرضت على رئيس الدولة أنذاك، ويحتفظ المصنع إلى اليوم بأول جرار أنتجه سنة 1979 بعد ما أعاد شراءه من أحد عملائه، إلى جانب أول دراجة تجارية تعود إلى 1984، وبعد إعادة هيكلتها سنة 2000 تحولت إلى شركة خاصة تضم اليوم أكثر من 10 آلاف عامل وخمس وحدات تصنيع وخمس شركات فرعية وتنشط في ستة قطاعات تشمل المركبات الزراعية ثلاثية العجلات والسيارات ومعدات الصرف الصحي والمركبات الخفيفة والزراعة الحديثة. وتبلغ قدرتها 200 ألف مركبة تجارية سنويا من بينها 100 ألف شاحنة خفيفة إلى جانب 400 ألف دراجة ثلاثية العجلات لتصبح أكبر مصنع لهذا النوع في الصين بحصة سوقية 80 بالمائة، كما تصدر نحو 60 ألف وحدة سنويا إلى أكثر من 50 دولة وتعد أسواق الشرق الأوسط وشمال إفريقيا من أبرز وجهاتها، وكانت الجودة عنوانا بارزا خلال جولتنا، حيث تعمل ورشة اللحام بنظام آلي بالكامل، فيما تعتمد عمليات تصنيع الأجزاء المحورية على التحديد البصري بدقة 0.1 مليمتر، كما خضعت مركباتها لاختبارات التصادم الأوروبية. ويضم المصنع آلة لمعالجة بقايا الإنتاج وتحويلها إلى أعلاف في إطار الاقتصاد الدائري. وكانت الجزائر حاضرة بقوة، إذ تخطط المجموعة لإطلاق وحدة تصنيع لإنتاج طرازين اطلعنا عليهما، الأول شاحنة متوسطة بصندوق كبير مخصصة للنقل بين المدن والتوزيع الإقليمي ويمكن تجهيزها بصيغ الصندوق المغلق والمبرد والمسطح ومركبة جمع النفايات ما يجعلها مناسبة للأنشطة التجارية والخدمات البلدية، أما الثاني فشاحنة صغيرة مدمجة موجهة للتوزيع داخل المدن وخدمات التوصيل للمسافات القصيرة تتميز بأبعادها الصغيرة وسعرها الأقل كخيار مناسب للتجار والحرفيين، ويأتي اختيار الجزائر في سياق توجه البلاد نحو تطوير صناعة الشاحنات والمركبات التجارية إلى جانب تقليص التركيز على السيارات السياحية وهو توجه يتماشى مع خبرة ووتشنغ الممتدة لأكثر من 40 سنة وطموحها لرفع نسبة الإدماج وخلق مناصب شغل وفتح آفاق التصدير نحو إفريقيا.
ومن الصناعة إلى النقل البحري، قادتنا جولتنا إلى قاعة المعارض الخاصة بميناء ريتشاو الذي تأسس سنة 1982 ودخل الخدمة 1986 وخضع لإعادة الهيكلة 2003 وفي 2019 اندمج مع موانئ شيجيو وونشان ويانشاي وخليج بوهاي لتشكيل منظومة موحدة، ويضم الميناء 79 رصيفا منها 50 رصيفا تتجاوز طاقة كل منها 10 آلاف طن، كما يمكنه استقبال سفن 300 ألف طن، ويعد الوحيد في الصين المرتبط مباشرة بخطي سكة حديد يمتدان ألف كيلومتر، كما يمتلك أطول خط أنابيب لنقل النفط الخام. ولأن الجزائر كانت في صلب اهتمامنا، سألنا مسؤولي القاعة عما إذا كان الميناء يشحن نحو السوق الجزائرية، فكانت الإجابة بالإيجاب، إذ يتولى شحن الحاويات المحملة بالسيارات وقطع الغيار والسلع الموجهة إلى الجزائر مستفيدا من شبكة ربط تضم أكثر من 300 ميناء حول العالم.
مصانع الطاقة الجديدة و1000 مصنع و10 آلاف متجر في ليني
وشملت جولتنا مصنعين في مجال الطاقة الجديدة، الأول مصنع “بلو كاربون” المتخصص في حلول متكاملة للاستخدامات المنزلية والتجارية وتركز منتجاته على أنظمة التخزين المنزلي للطاقة وإنارة الطرق والمحولات مع ضمان يصل إلى 10 سنوات، ويعتمد على خط إنتاج بتقنية الليزر لتصنيع بطاريات الليثيوم بمعدل 200 بطارية يوميا مع فحص دقيق، وحسب مسؤولي المصنع تكفي بطارية 5 كيلوواط/ساعة لتغطية احتياجات يوم كامل، بينما حمولة 1 كيلوواط تعمل 30 ساعة، ويعتمد على تجهيزات آلية متطورة بعدد عمال يقل عن 100 ويصدر منتجاته إلى الجزائر وتونس والكويت والسعودية. أما المحطة الثانية فكانت مصنع يونغلي لمركبات الطاقة الجديدة المتخصص منذ 2024 في تصنيع عربات الغولف الكهربائية الموجهة للفنادق والمنتجعات والمطارات بسعة مقعدين إلى ثمانية مقاعد ويمكن تسويقها كاملة أو مفككة لإعادة تركيبها، ومن النقاط التي تستحق التوقف امتلاك الشركة فريقا ترويجيا ناطقا بالعربية لتسهيل التواصل مع الأسواق العربية وعلى رأسها الجزائرية.
وفي مدينة ليني التي احتضنت المؤتمر الرابع للمشترين الدوليين في إطار مبادرة الحزام والطريق، كانت البداية من المركز الدولي لاختيار المنتجات الذي يعد القلب التجاري للمدينة وقد أنجزه مجمع ليني للتطوير التجاري بحي لانشان على مساحة 62 ألف متر مربع ويضم 600 جناح تجاري نموذجي باستثمار 100 مليون يوان، ويستند إلى القدرات الإنتاجية الضخمة لمصانع ليني وإلى التكامل الذي يميز سلاسل منتجاتها، حيث اعتمد نموذجا يقوم على معادلة “1000 مصنع و10 آلاف متجر” عبر تحويل مؤسسات التصنيع المحلية إلى قاعدة واسعة من الموردين تغطي مختلف المنتجات من مواد البناء والآلات والخردوات إلى المنتجات المنزلية والسلع اليومية. وخلال جولتنا، شرح القائمون أنه صمم ليكون فضاء متكاملا يجمع بين عرض المنتجات والتفاوض وإبرام الصفقات وتسليم الطلبات ويعتمد على خمس آليات تتمثل في استقطاب المصانع وتصنيف المنتجات واستقبال المشترين الأجانب بصورة دائمة وتقديم خدمات متكاملة لوكالة الاستيراد والتصدير تشمل التخليص الجمركي وحجز الشحن والتمويل إلى جانب إنشاء منصة تجمع بين التجارة الإلكترونية والتعاملات المباشرة.
ومن التجارة انتقلنا إلى الصناعة، حيث زرنا شركة شاندونغ لينغونغ لآلات البناء التي تأسست 1972 ويزيد موظفوها على 3400 عامل وتعد من المؤسسات الكبرى، إذ تصنف ضمن أفضل 100 شركة في قطاع الآلات وأفضل 50 عالميا في آلات البناء وتختص في تصنيع اللوادر والحفارات وتوفر أكثر من 50 فئة و100 طراز وتمتلك 96 براءة اختراع وشاركت في مشروع الدولة 863 وقد وصلت منتجاتها إلى 132 دولة وتعتمد على أحدث تقنيات الذكاء الاصطناعي بما في ذلك التحكم في الحفارات عن بعد وهي تقنية وقفنا عليها خلال زيارتنا. وكانت محطتنا التالية بمدينة مستلزمات الفنادق الصغيرة التي تعد أكبر سوق جملة في العالم من حيث المساحة، إذ تمتد على 206 آلاف متر مربع بمساحة بناء 500 ألف متر مربع ويتكون من خمسة طوابق ويضم أكثر من 2000 تاجر يعرضون نحو 200 ألف نوع من السلع، فيما يصل حجم التداول السنوي إلى 50 مليار يوان منها 10 مليارات من الصادرات، كما يضم مبنى ملحقا بمساحة 60 ألف متر مربع مخصصا للمطاعم والإقامة والترفيه. واختتمنا جولتنا بزيارة قاعة معارض التخطيط العمراني الواقعة قبالة قاعة معارض التخطيط العصري والتي تشكل بطاقة تعريف شاملة للمدينة وتقدم صورة عن مسار تطورها ومشاريعها المستقبلية وتبلغ مساحتها 10 آلاف متر مربع وقد صممت لتكون فضاء أخضر وذكيا يعرض ماضي المدينة وحاضرها ومستقبلها من خلال الجمع بين عرض المخططات والتعليم الثقافي والترويج الصناعي، وتضم منصة للعلوم وأخرى لدراسة موارد الدولة الطبيعية كما تعتمد نموذج “7+1” للتنمية المندمجة القائم على الربط بين الثقافة والسياحة والصناعة انسجاما مع الخطة الخمسية الخامسة عشر، وتندرج هذه المشاريع ضمن رؤية أوسع تهدف إلى تحويل ليني إلى مدينة قوية صناعيا وثقافيا قادرة على الجمع بين الإنتاج والتجارة والخدمات وتعزيز مكانتها ضمن المدن الاقتصادية الكبرى في الصين.