الجزائر

من الدولة القبيلة إلى الدولة الوطن

الشروق أونلاين
  • 265
  • 0

اذا كان مفهوم الدولة ككيان قانوني وسياسي ذاتي الحكم يمتلك مساحة معينة وسكانا تابعين له وشكلا تنفيذيا ومؤسساتيا للوطن يحرص على تنظيم المجتمع بإشراك المواطن وتلبية احتياجاته الاقتصادية والأمنية قد بات من أبجديات الأنثروبولوجيا الاجتماعية والسياسية، فإن ما كابده الشعب الجزائري من ويلات نمط دولة حيك بدقة على مدى عشريتين من الزمن، مكرسا كل مساوئ الأنظمة الشمولية والردعية من خلال التمكين المفرط لقبضة الحاكم ومقربيه على كل المؤسسات، منتهجا مبدأ اللاتشاركية والجهوية والمحاباة والموالاة في أقصى معانيها، ضاربا عرض الحائط بكل مقومات الدولة القانونية والدستورية والديمقراطية قد جعلنا نبحث في قاموس علم الاجتماع لتوصيف هذا النظام الذي عطل الانطلاقة التنموية الوطنية الشاملة والمنتظرة من قبل كل الجزائريين بعد البحبوحة المالية التي عرفتها البلاد نظرا للارتفاع التاريخي الذي عرفته أسعار النفط في السنوات القليلة الماضية، فلم نجد سوى اسم – الدولة القبيلة – التي تجلت بكل معاييرها وطبعت جزءا من تاريخنا القريب في المعاش والاجتماع والسياسة والثقافة والإعلام حتى أضحت معايير انتقاء وتعيين الإطارات السامية في المناصب العليا في هرم السلطة خاضعة للانتماءات الجهوية والعشائرية. ومن ثمة، فسياسة البلاد في تدبير الشأن العام قد أضحت تكتب بشفرة القبلية والتعصب، وكيف لا، وجلّ رجالات هذا النظام من نفس الجهة من الوطن؟ ومع بروز عديد الأحزاب الموالية للسلطة لم يبق من الديمقراطية إلا اسمها ومن التعددية إلا شكلها ما جعل كيانها هشا وفاعليتها منعدمة، الشيء الذي جعل هذا النظام لا يقرّ بمبدأ قبول صدور السلطة عن الشعب، وبالمقابل جعلها محتجزة وأسيرة تماما من قِبل النخبة الحاكمة التي انتهجت سياسات عرجاء قيدت حريات الأفراد والجماعات بشكل رهيب وعطلت كل الطاقات البشرية الكامنة في أوساط شبابنا ورجالنا ما أعاق كلية إمكانية توحيد جهود المواطنين والحكومة لتحسين الأحوال الاقتصادية والاجتماعية والثقافية في المجتمع ومساعدته على الاندماج في حياة الأمة والمساهمة في تطورها وازدهارها وفق نهج سياسي تنموي شامل ذي بُعد وطني ترتكز على بنود ثلاثة لا مفر منها لولوج عالم الدول العصرية التي تتسم في بنيانها ونظمها بسِماتٍ هذا العصر في تحقيق طموحات شعوبها بخلاف الدول المعاصرة التي تستفيد من معطيات هذا العصر، لكنها لا تزال تركد في نمط بنيوي ماضوي وتحكم بنظام حكم غير ديمقراطي.

هذه العناصر الثلاثة تتمثل أولا في استحداث ثورة علمية ومعرفية عملاقة في جميع المجالات وتكريس الكفاءة والامتياز في كل الميادين بإعطاء الأهمية اللائقة للعلم وأهله، ثانيا خلق ميكانيزمات تشجيع وحث على التفاني في العمل وتقديسه، وأخيرا سن أدوات قانونية وتنظيمية وأمنية لحماية منتوج العلم والعمل، فالنظام العاجز عن حماية المال العام لا يصلح لأن يسوس أمة ويشق بها طريق النمو والازدهار.

كل هذه الموبقات بقيت لصيقة بالفئة الحاكمة لطول بقائها في الحكم وعدم قبولها مبدأ التداول الحقيقي على السلطة مع حيازتها على ثقافة سياسية تقليدية نظرا لارتباطها التاريخي والعاطفي بمرحلة المجد السياسي القديم للرئيس والذي بقي يحاكي من خلال افرازاته كل ارهاصات المرحلة الذهبية الخاصة به بكل محطاتها الجيوسياسية القديمة فأصبحت الديمقراطية ضحية للأولويات التي أعطيت لمسألة التنمية الاجتماعية والاقتصادية والتي لم تحقق طموحات الشعب الجزائري، فلا الديمقراطية التي لا يؤمن بها هؤلاء حققت أهدافها ولا التنمية الشاملة انطلقت، مع العلم أن علم الاجتماع السياسي لا يؤمن بوجود ديمقراطيةٍ حقيقية من دون توفر مستوى مقبول جدا من النمو الاقتصادي ومن تماسك جيد للطبقة الوسطى داخل المجتمع. اما الدولة الوطن فهي التي كرست مبدأ المواطنة المتساوية في أسمى معانيها وأحكمت سيادة القانون وفق نظام ديمقراطي راسخ في مبادئ العدل واعتماد المرجعية الشعبية مع إرساء نظام اقتصادي مُنتج ومنصف قائم على المعرفة وردع الفساد بكل أشكاله، ما يؤسس لاستقرار سياسي ومواكبة حضارية تؤتى ثمارها لا محالة مع مرور الوقت، هذه الدولة لا تكرس الجهوية ولا المحاباة، بل تبنى بسواعد كل أبنائها بدون تمييز ولا تهميش، مانحة الفرص كاملة وبالتساوي للجميع، ضامنة حرية القضاء والإعلام والصحافة. هذه الدولة تكون مجبرة على إحداث تغيير جذري في المجتمع تقضي به على مسببات التخلف والفقر بالانزلاق من مفهوم التنمية الاقتصادية إلى مفهوم التنمية البشرية المستدامة بكل قيمها الإنسانية قصد توجيه حجم ونوعية الموارد المتاحة للمجتمع من اجل رفع مستوى رفاهية المواطن عن طريق زيادة فاعلية الأفراد في استثمار طاقات المجتمع إلى الحد الأقصى، فنسلك طريق الدول العصرية التي أخذت وأقرت في سياساتها ما خلصت اليه الأمم المتحدة في تقريرها حول التنمية البشرية في سنة 1990 والذي يؤكد على الأهمية القصوى للعنصر البشري باعتباره المحور الأساسي في عملية التنمية.

وللأسف الشديد لم تستطع الأنظمة المتوالية منذ 57 سنة كاملة من الاستقلال تحقيقَ نقلة نوعية في مجال التنمية والديمقراطية وبناء دولة بالمفهوم الحديث، وعلى هذا الأساس سوف نعمل بلا هوادة قصد الخروج من ضيق “الدولة القبيلة” إلى سِعة “الدولة الوطن” ومن قصور الدولة “المعاصرة” إلى وفور الدولة “العصرية”، ويكون مسعانا تطوريا وليس ثوريا بغية إدارة أمثل وأرشد للشأن الوطني بإنشاء نظام جديد من رحم هذا الحراك الشعبي المبارك وفق مقولة “ثوريين كنا وتطوريين نكون”.

مقالات ذات صلة