-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

من الذي كتب “الكتاب الأخضر” والرواية للعقيد الڤذافي؟

عمر أزراج
  • 7328
  • 11
من الذي كتب “الكتاب الأخضر” والرواية للعقيد الڤذافي؟

قبل أن يستقر العقيد الڤذافي على الكرسي المنصوب وسط الخيمة، دوّت زغاريد الصحفيات وزوجات بعض الكتاب الذين شاركوا في ندوة “سرت” حول كتاب “القرية، القرية، الأرض، الأرض ورجل الفضاء وقصص أخرى”، ثمَ رأيناه يشير إلى أحد حراسه أن يقرّب قطيع الجمال التي ساقها بنفسه وهو يجوب بها الجزء الصحراوي من منطقة “سرت”، وأوحى له أن يُدخِل بعضها إليها.

لقد فهمنا أنه أراد بذلك التكتيك، أن يموّه أنه مجرد راع من رعاة الإبل، خوفا من تعرّف الأقمار الصناعية الأمريكية عليه، ومن احتمال توجيه ضربة صاروخية له قصد اغتياله كما حصل له من قبل ونجا بأعجوبة من الغارة التي حاولت اصطياده، وأسفرت عن مقتل بعض أفراد عائلته.

وهكذا، وجدنا أنفسنا نتقاسم أوكسجين فضاء تلك الخيمة مع قطيع جمال العقيد الڤذافي، واختلط فيها رغاؤها بأصواتنا البشرية. قبل أن يشرع الڤذافي في الكلام رأينا سيارة رباعية الدفع مقبلة تجاهنا، ونزل منها رجل مفتول العضلات وأخرج منهاقصعةكبيرة كانت معبّأة بالكسكس ودعانا بنفسه إلى أن نأكل جماعيا باستعمال أيدينا بدلا من الملاعق التي لم نر لها أثرا.

تحلّق الكتاب والإعلاميون الضيوف والأدباء الليبيون حول القصعة ومسحوها مسحا في لحظات قليلة، وكان الڤذافي يكتفي بملامسة أحد جماله، وبالتحديق في الوجوه مرّة وفي السماء مرات كثيرة. في تلك اللحظات لاحظنا موجات من التوتر والقلق تغزو ملامح وجهه وكانت حركات يديه ترسم غضبه بوضوح.

من الأمور التي اكتشفتها في تلك الخيمة هي تباين صورة الڤذافي التي كنا نراها على شاشات الفضائيات التلفزيونية وصورته الواقعية وهو أمامنا، فهو في الواقع رجل نحيف البنية وأنه بمجرد الجلوس معه تسقط الهالة الكاريزمية التي بناها الإعلام له وكلفت الخزينة الليبية مئات من ملايين الدولارات.

لما فرغ الجميع من الأكل، انطلق العقيد في الكلام بتوجيه سيل من النقد الساخر والقاسي إلى الجامعة العربية التي وصفها بـالناطور، وإلى الأنظمة العربية التي اتهمها بالتواطؤ مع الغرب، والمشاركة في ضرب الحصار على الشعب الليبي. في تلك الجلسة سمعت الڤذافي يصرح لنا مرارا وتكرارا بأنه إفريقي، وأن استراتيجيته المستقبلية سوف تركز على بناء الوحدة الإفريقية، وكثيرا ما ردّد على مسامعنا بأنه قد مسح يديه من الأنظمة العربية نهائياً.

أما حديثه عن الأدب، فقد دار حول العموميات، حيث لم يكشف لنا عن أي عمق نظري أو تقني في هذا المجال، وأكثر من ذلك، فهو لم يذكر أي عمل قصصي أو روائي قرأه، أو تأثر بمضمونه أو بأسلوبه، كما أنه لم يشر من قريب أو من بعيد إلى أي كاتب روائي أجنبي أو عربي أو ليبي. لقد اكتفى  بالإسهاب في الكلام وبشكل غير منهجي حول دور الأديب الملتزم في بث الوعي بمخاطر الاستعمار الغربي، ودعا إلى محاربة الامبريالية وفي المقدمة الطغيان الأمريكي. كنا ننتظر منه أن يسرد علينا تفاصيل التقنيات المستخدمة في كتابالقرية، القرية، الأرض، الأرض ورجل الفضاء وقصص أخرى، ولكنه لم يفعل، كما أنه لم يقل شيئا جديدا عنالكتاب الأخضرالذي دوّخ به العالم لوقت طويل وصرف على الندوات التي كرسها للتعريف به والترويج له في كل مكان مئات الملايين من الدولارات. وبخصوص هذاالكتاب الأخضر، أذكر أن اتحاد الكتّاب الليبيين قد دعا في الماضي اتحاد الكتّاب الجزائريين، الذي كنت في ذلك الوقت عضوا في  أمانته التنفيذية الوطنية، إلى المشاركة في ندوة حوله بكاراكاس عاصمة فنزويلا، وعدلنا عنها، وحينما أخبرت الأخ عبد الحميد مهري بالأمر في مكتبه، يوم كان عضوا في الأمانة الدائمة للجنة المركزية لحزب جبهة التحرير الوطني ومسؤولا عن لجنة الثقافة والإعلام والتربية فيها، قال لي بالحرف الواحد: “نحن في الجزائر لا نشجع الخزعبلات“.

وفي الحقيقة، فإن الغموض ما يزال يكتنف وقائع تأليف هذا الكتاب الذي قيل في الكواليس السرية بأن المفكر الليبي المعروف الصادق النهيوم هو الذي  صمم  هيكله، وبلور بنيته، ومجمل الأطروحات الفكرية الطوباوية التي تضمنها، وكتب فصوله بعد أن اقترح  عليه العقيد الڤذافي فكرته العامة، علما أن المقارنات لم تجر إلى يومنا بين الطريقة التي كتب بها الكتاب الأخضر والطريقة التي كتب بها النهيوم كتبه الكثيرة  منهاالرمز في القرآن، والإسلام ضد الإسلام، والإسلام في الأسرومحنة ثقافة مزوّرةالصادرة عن  دار الريسبلندن وبيروت.

ونحن نصغي إلى العقيد الڤذافي، الذي تحدث أكثر من ساعتين، لم نلاحظ وجود معالم ثقافة روائية وقصصية بارزة لديه، فمن كتب له كتابهالقرية، القرية، الأرض، الأرض، ورجل الفضاء، وقصص أخرىإذن؟ بطبيعة الحال فإنه لا أحد من الكتاب والنقاد الذين  شاركوا في ندوة سرت حول هذا الكتاب أثار أي قضية تتعلق بأصالة أو زيف هذا العمل السردي ولو بطريقة غير مباشرة.

إن كل الذي أذكره الآن بهذا الخصوص هو أن الروائي الليبي المعروف الدكتور ابراهيم الفقيه، قد قال لي على انفراد وبتلقائية بأن أهمية كتابالقرية، القرية، والأرض، الأرض… ” تنبع أساسا من كونه يحمل اسم الزعيم الليبي

أما أثناء جلسة الخيمة، فقد اكتفى الجميع بالاستماع فقط إلى كلام العقيد الڤذافي، وبطرح الأسئلة الجانبية هي كلها تمحورت حول مأساة الحصار وحول ما ينبغي عمله لمقاومته، فالناقد السوري الدكتور محي الدين صبحي، العارف ربما بتقاليد السرد الروائي العربي أكثر من غيره من الكتاب والنقاد المشاركين في الندوة، قد بقي صامتا طوال الجلسة، وفعل الشيء نفسه معظم الكتاب الليبيين الحاضرين.

إن ملف كتابالقرية، القرية، الأرض، الأرض ورجل الفضاء وقصص أخرىما يزال إلى يومنا هذا مغلقا علما أن الاشاعات قد انتشرت في بعض الأوساط وتروّج أن الڤذافي قد كتب مسودة هذا الكتاب فعلا، ولكن الأديب الذي صاغه صياغة فنية هو روائي ليبي بارز صديق لي سأذكر اسمه يوما.

بعد أن طالت الجلسة، أحسست بالتعب وبخدر يسري في مفاصلي من كثرة الجلوس القرفصاء على الرمل الساخن فاستأذنت أن أستلقي على ظهري وسمعت العقيد الڤذافي يعلّق على طلبي قائلا: “يجوز للشاعر ما لا يجوز لغيرهثم تابع حديثه. فجأة ترك الكرسي بسرعة واتجه إلى خارج الخيمة، ودفع بجماله أمامه بعد أن فتح مظلته وغطى بها رأسه ثم رأيناه يخطو ببطء بعيدا، بعيدا يجرّ معه ظله، وظلال قطيع الجمال حتى اختفى نهائيا.

 في تلك اللحظات، تقدمت إليّ زوجة صديق لي، وهو شاعرٌ وأديب تونسي كبير، وخاطبتني بصوت خافت حتى لا يسمعها أحدٌ من الحاضرين: “بعد كل التقريظ لكتابه، لم يعط لنا فلسا واحدا.. فلعنة الله على الأدب والأدباء“. 

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
11
  • مواطن

    مهما كان العقيد مستهترا إلا أنه فضح أولئك الزعماء المتزمتين الذين يغدقون الدولارات على أدباء عصر الانحطاط المتصهين حتى يصطنعوا لهم فضائل لم تلق بهم عوض أن يفضحوا جهلهم وسفاهة أفكارهم.عندما أرى اليوم إجماع العرب على الطعن في شخص محتقر أتساءل بسذاجة هل كنت في حلم مدة أكثر من عقد لما اكتسحت الجماهير الساحات وزغردت النساء وانساق على بابه المداحون وتوافد على خيمته العاصي والمطيع وحين نصب عرشه الوبري في عاصمة الحضارة الغربية وطمع في ماله العلماء والملوك؟لكنني أتذكر القول"لما تعلق الماشية يكثر خدامها"

  • الهلالي

    ما أجمل كلمة مهري " الجزائر لا تشجع الخزعبلات "

  • قاذف الرحمة

    عَنْ أَبِي الشَّعْثَاءِ ، قَالَ : قُلْنَا لابْنِ عُمَرَ : " إِنَّا نَدْخُلُ عَلَى أُمَرَائِنَا ، فَنَقُولُ الْقَوْلَ ، فَإِذَا خَرَجْنَا قُلْنَا غَيْرَهُ ، قَالَ : كُنَّا نَعُدُّ ذَلِكَ نِفَاقًا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "
    ما كان للأدباء والشعراء أن يجلسوا وينصتوا الى رجل مريض العقل ويأخذون بعد ذلك أجرتهم دون أن يقدموا له أي نقد أو نصيحة. أشاطرك الرأي أيها الأخ برهان على أن المقالة ليس لها أي مناسبة رغم أننا اسفدنا من بعض المعلومات التي احتوتها

  • شريف

    لا أريد أن أضيف الكثير على ما قاله الأخ صاحب التعليق الرابع الذي كفى و وفى، سوى أن كاتب هذا المقال و أمثاله من النعام، لم نسمع لهم حسا تلك الأيام ، فأين كانوا؟!
    اذا سقط الجمل كثرت سكاكينه

  • Lazhar

    ....وتروّج أن الڤذافي قد كتب مسودة هذا الكتاب فعلا، ولكن الأديب الذي صاغه صياغة فنية هو روائي ليبي بارز صديق لي سأذكر اسمه يوما............ما هذا الغراء وما هذا الكذب و التناقض ..’؟
    - بالله عليك ما الفائده من كتابة و التطرق إلى هذا الموضوع ؟ المرحوم راه شبع موت و أنت تقطع فيه ...سيدي من فضلك أذكر محاسن موتاكم أو أصمت أو أكتب مواضيع تفيدك و تفيدنا جميعا لأن ما تطرقت إليه فهو عار و خزي يبقى في جبيننانحن الجزائريين أصدقاء بل إخوة للمرحوم معمر القذافي رحمه الله

  • بدون اسم

    دعك من الكتابة عن العرب والاعراب المعربجة فقد يصاب عقلك بِالتلوث والصدأ.

  • ala

    حضورهم قبل الإدلاء برائهم سريا ..وأين المواجهة وقول الحق ورسالة المثقف ..إما عن المرحوم الكبير الصادق النيهوم فهو ليبي في كل تجلياته وعالمي في تمظهره لم يذكر بمناسبة أو بدونها مايردده البعض . يردد الكاتب بان القذافي انفق وبدد مئات الملايين من اجل نشر الكتاب والسؤال ياترى كم كان نصيب المريدين من مختلف الأصقاع ..وعن الإبل لا يستغرب من القذافي ذلك ولكن الغريب هو قبول النخبة الجلوس مع الإبل في خيمة واحدة والاستسلام لحديث الراعي ..

  • ala

    شغلهم حيا وميتا ..يطالعنا الأستاذ والشاعر الكبير بشهادة حول موضوع قديم لاادري ماهي المناسبة وماهي الأسباب فالرجل غادرنا منذ زمن والأمر الذي يطرحه الشاعر ليس ضمن القضايا المنسوبة للقذافي ضمن سلسلة الجرائم التي بموجبها قامت محكمة الجنائيات الدولية باصدر أمر الاعتقال والغرب بمعية بعض العرب نفذ إحكامه مبكرا ودون ترك الفرصة للمظلومين من الشكوى ..يردد الكاتب روايات مستساغة تعودت عليها النخب العربية الخوض فيها وللأسف مع ترك القضايا الأهم ..اسر له البعض ممن حضورا اللقاء والذين يستغرب حضورهم

  • بدون اسم

    مايسمى(الحكام العرب)..تكتب لهم الخطب.ويقوم هؤلاء(الحكام)قبل القاء الخطاب بحفظ ما كتب له لتجنب الاخطاء والقراءة غير الصحيحة للخطاب الذي كتب له...امثال هؤلاء الكوارث هل بمقدورهم كتابة كلمات صحيحة حتى يستطيعون التأليف وماالى ذلك.....فكلما سمعت(حاكما عربيا) ...

  • برهان

    شخصية القذافي يعرفها الجميع وخاصة الادباء والكتاب ، فهو مصاب بداء السكيزوفرينيا ، اما الهدف من الذهاب الي القذافي فهو المدح لنيل اكبر كمية من المال والتنعم بما لذ وطاب .هل القذافي الذي لا يستطيع كتابة فقرة باللغة العربية الفصحي يستطيع صياغة افكار وكتابة كتب . فالقذافي مجرد عسكري رقي بطريقة مشبوهة اثناء تكوينه وجد فيه جمال عبد الناصر وقادة المعسكر الشرقي طموحات كبيرة وحب السلطة فاستعملوه لغايات يعرفها الجميع.

  • ابو رابح

    لقد قرات الكتاب وقمت بتدريس بعض محتوياته لطلاب الجامعات الليبية .اني وجدت في الكتاب اهتزاز كبير في الافكار وغياب كلي للمنهج والمنهجية. فا لمسافة بين الافكار عميقة بل واحيانا تلمس وجود تناقضات واحيانا سطحية ونادرا ما تلحض العمق في الطرح. بكلمة واحدة،لا اعتقد ان الفكار لمؤلف واحد وان كانت كذالك فالمؤلف غير مستقيم.فهل القول بان الدجاجة تبيض البيض هو ابداع وهل القول بان المراة هي ذالك الجنس البشري ابداع؟هل الفكر الماركسي او الطوباوية تنحدلر الى هذا المستوى من الطرح؟هل الكتاب الاخضر عمل ادبي