من الطرق والموانئ إلى المنصات.. الجزائر أمام النسخة الرقمية لـ “طريق الحرير”!
مبعوثة الشروق إلى هانغتشو الصينية: إيمان كيموش
من الطرق والمنشآت والموانئ والاستثمارات إلى المنصات الرقمية والتجارة الإلكترونية والذكاء الاصطناعي، ترسم الصين من هانغتشو ملامح مرحلة جديدة من “طريق الحرير” عنوانها هذه المرة الرقمنة وربط الأسواق عبر الفضاء الإلكتروني، بعدما كان التعاون المرتبط بمبادرة الحزام والطريق يقوم بدرجة أكبر على مشاريع البنية التحتية والاستثمارات والتجارة التقليدية، لتتحول التجارة الرقمية إلى قناة جديدة لربط المنتج بالمستهلك والسوق بالشركة، مهما كانت المسافة بينهما، وهو المسار الذي ستكون الجزائر أمام تطوراته خلال المرحلة المقبلة، في ظل شراكة اقتصادية وتجارية متنامية مع الصين، سجلت خلالها المبادلات بين البلدين 15.25 مليار دولار خلال 2025.
ويفتح ذلك مجالا لتوسيع قطاعات التعاون لتشمل أيضا المنصات الرقمية والتجارة الإلكترونية ونقل التكنولوجيا، إلى جانب حركة السلع والمشاريع التقليدية، وجاءت الرسالة واضحة خلال افتتاح الدورة الخامسة من معرض التجارة الرقمية العالمي في مدينة هانغتشو، عاصمة مقاطعة تشجيانغ، بحضور رئيس مجلس الدولة الصيني لي تشيانغ، وأمين لجنة الحزب الشيوعي الصيني في تشجيانغ وانغ هاو، إلى جانب عدد من المسؤولين الدوليين، حيث تصدرت التجارة الرقمية والذكاء الاصطناعي وتدفق البيانات والتجارة الإلكترونية العابرة للحدود أجندة الحدث الذي يستمر إلى غاية 27 سبتمبر الجاري.
وأكد لي تشيانغ أن المعرض تحول إلى منصة مهمة لتعزيز التعاون في الاقتصاد الرقمي عالميا، مشيرا إلى أن الرقمنة باتت تتغلغل في مختلف مجالات الاقتصاد والمجتمع، وتغير طرق الإنتاج والحياة والإدارة، وهو ما يفرض، حسبه، البحث عن كيفية الاستفادة من الموجة الرقمية لدفع التجارة العالمية إلى مزيد من الانفتاح والتعاون، وقال إن التجارة الرقمية تفتح آفاقا جديدة أمام الاقتصاد العالمي، من خلال تسهيل ربط الأسواق وإتاحة فرص جديدة للتنمية، مع الإشارة إلى تحديات مرتبطة بالفجوة الرقمية والحواجز التجارية وغياب بعض القواعد المنظمة للتجارة الرقمية وتدفقات البيانات.
وفي هذا السياق، شدد لي تشيانغ على ضرورة تعزيز الاتصال الرقمي بين الدول، ودعم البلدان النامية في مجالات التكنولوجيا والبنية التحتية وتكوين الكفاءات، بما يسمح بجعل التجارة الرقمية أكثر شمولية، مؤكدا أن الرقمنة قادرة على تجاوز حواجز الزمان والمكان، وفتح أبواب الأسواق العالمية أمام المؤسسات الصغيرة والمناطق البعيدة، وهو ما يعطي التجارة الإلكترونية العابرة للحدود دورا متزايدا في الاقتصاد العالمي.
ولم يفصل المسؤول الصيني بين توسع التجارة الرقمية وتطور الذكاء الاصطناعي، إذ اعتبر أن التقنيات الرقمية والذكاء الاصطناعي تفتح مسارات جديدة للتجارة العالمية، في وقت أصبحت فيه التكنولوجيا أكثر اندماجا في الإنتاج والخدمات والاستهلاك، معلنا مواصلة الصين توسيع الطلب على الاستهلاك الرقمي، ودعم “الذكاء الاصطناعي والاستهلاك”، وتوسيع الانفتاح وتحسين سياسات التجارة الإلكترونية العابرة للحدود، إلى جانب تطوير الصناعة الرقمية وتعزيز التعاون الدولي وتوحيد المعايير المتعلقة بالتجارة الرقمية وتطوير أنظمة البيانات والرقابة.
تشجيانغ بوابة جديدة للتجارة الرقمية
ومن جهته، أكد وانغ هاو، أمين لجنة الحزب الشيوعي الصيني في مقاطعة تشجيانغ، أهمية الاقتصاد الرقمي في مسار التنمية الصينية، مستحضرا الاهتمام الذي أولاه الرئيس الصيني شي جين بينغ للتحول الرقمي خلال فترة عمله في تشجيانغ، قبل أن يعود إلى المقاطعة لاحقا للاطلاع على تطورات الاقتصاد الرقمي والتجارة الرقمية.
وأكد وانغ هاو أن التجارة الرقمية أصبحت محركا مهما للتنمية المشتركة، مشيرا إلى أن معرض التجارة الرقمية العالمي تحول إلى منصة تجمع الحكومات والشركات والمؤسسات الدولية والمشترين والخبراء، وتوفر فرصا جديدة لتوسيع التعاون في الاقتصاد الرقمي، فيما تحولت هانغتشو، التي تحتضن منظومة واسعة من شركات ومنصات التكنولوجيا والتجارة الإلكترونية، إلى مركز بارز للتكنولوجيا والابتكار والتجارة الرقمية.
وهنا تحديدا يبرز معرض التجارة الرقمية العالمي، الذي خصص ضمن دورته الخامسة جناحا كاملا لـ”طريق الحرير للتجارة الإلكترونية”، إلى جانب أجنحة للذكاء الاصطناعي والتنقل الذكي والثقافة والترفيه الرقمي والرعاية الصحية الرقمية والفضاءات الذكية، بما يعكس انتقال التجارة الرقمية من مجرد البيع عبر الإنترنت إلى منظومة متكاملة تشمل التكنولوجيا والبيانات والخدمات والتصنيع والاستهلاك.
ويحمل المعرض في دورته الحالية شعار “في معرض التجارة الرقمية نلتقي مستقبل الذكاء الاصطناعي”، بمشاركة أكثر من ألفي مؤسسة عارضة، بينها 996 مؤسسة في مجال الذكاء الاصطناعي، و402 مؤسسة دولية، و55 شركة مدرجة ضمن قائمة “فورتشن غلوبال 500″، فيما يسجل أكثر من 50 ألف مشتر مهني من 163 دولة ومنطقة، بينهم أكثر من 12 ألف مشتر دولي، كما تشارك 40 منظمة دولية في فعاليات المعرض، وتبلغ مساحة المعرض نحو 170 ألف متر مربع، ويتوزع على جناح رئيسي للتجارة الرقمية وستة أجنحة متخصصة، إضافة إلى منطقة للابتكار والاندماج.
ولم يعد الذكاء الاصطناعي في المعرض مجرد تقنية مستقبلية، بل ظهر باعتباره أداة مباشرة لتطوير التجارة، من اختيار المنتجات والاستفسار عنها إلى التخليص الجمركي والخدمات اللوجستية والدفع، فيما تعرض شركات أخرى روبوتات بشرية وأنظمة للقيادة الذاتية ونظارات ذكية وأجهزة مساعدة للحركة وحلولا طبية قائمة على الذكاء الاصطناعي.
حوار صيني عربي حول الذكاء الاصطناعي والتعاون الرقمي
وعلى هامش المعرض، احتضنت هانغتشو حوارا صينيا عربيا حول الذكاء الاصطناعي والتعاون الرقمي، بمشاركة مسؤولين وخبراء وممثلي مؤسسات عربية وصينية، حيث انصبت النقاشات على كيفية تحويل التطور السريع في الذكاء الاصطناعي والتقنيات الرقمية إلى محرك للتعاون الاقتصادي بين الجانبين، مع التركيز على التجارة الرقمية وتوسيع وصول الشركات العربية إلى الأسواق والمنصات الرقمية وتعزيز تبادل الخبرات والتكنولوجيا وبناء القدرات الرقمية.
وخلال الورشة، برز طرح إنشاء مسار رقمي مواز للممرات التجارية التقليدية بين العالم العربي والصين، يقوم على ربط الأسواق والمنصات والبيانات والخدمات اللوجستية والتمويل الرقمي، إلى جانب أهمية تضييق الفجوة الرقمية وتطوير البنية التحتية الرقمية وتحسين البيئة التنظيمية لتدفق البيانات والاستفادة من الذكاء الاصطناعي في التجارة والصناعة والخدمات.
الجزائر أمام التحول الرقمي لمبادرة “الحزام والطريق”
وبعد نحو ثماني سنوات على توقيع مذكرة التفاهم الجزائرية الصينية للانضمام إلى مبادرة “الحزام والطريق” في سبتمبر 2018، تطورت الشراكة بين البلدين من مشاريع البنية التحتية والأشغال الكبرى إلى تعاون اقتصادي أوسع، حيث بلغ حجم التجارة بين الجزائر والصين 15.25 مليار دولار خلال 2025، منها 13.91 مليار دولار صادرات صينية نحو الجزائر مقابل 1.34 مليار دولار صادرات جزائرية إلى الصين، فيما بلغت الاستثمارات الصينية التراكمية في الجزائر نحو 7 مليارات دولار، وتشمل الشراكة قطاعات البنية التحتية والطاقة والفلاحة والصحة والتجارة.
ومع دخول التعاون مرحلة جديدة تضع التجارة الرقمية والذكاء الاصطناعي في الواجهة، تطرح أمام الجزائر مساحة جديدة لتوسيع شراكتها مع الصين من حركة السلع والمشاريع إلى المنصات الرقمية والأسواق الإلكترونية ونقل التكنولوجيا، خاصة أن المبادلات سجلت خلال النصف الأول من 2026 نحو 9 مليارات دولار، مع ارتفاع الصادرات الجزائرية نحو الصين إلى 980 مليون دولار بزيادة 111 بالمائة.