الجزائر
"الشروق" تبحث عن المقصين من عمليات الترحيل:

من القصدير إلى الشارع!

الشروق أونلاين
  • 5494
  • 19
بشير زمري

خيام من البلاستيك منصوبة، شاحنات تحولت إلى بيوت في عز الشتاء، والكارطون لحماية الأطفال، مرضى مرميون منذ سنوات، تلاميذ هجروا مدارسهم، وعائلات استغلت أسوار المزابل كسند يحميها وأخرى لجأت إلى الكراء بسبب قسوة الشارع، هكذا ارتأت أن تحمي عائلات مقصاة أصبحت مشردة من عمليات الترحيل، نفسها من البرد ومن عواصف الرياح، وأطفال يسألون عن مصيرهم الحتمي أو إلى متى سنبقى في الشارع؟

”محمد” طفل يبلغ من العمر تسع سنوات يقول ”كنت أدرس بالسمار بجسر قسنطينة”، أتذكر جيدا أني كنت نجيبا وكانت المعلمة تضرب بي المثل وتقول ”كونوا مثل محمد رغم ظروفه الاجتماعية والسكن الذي يقطن به ولكنه نجيب”، وأضاف “بنيت في الكوخ الذي أقطنه بحي الرملي بالعاصمة مستقبلي وحققت أحلامي بأن أصبح مهندسا وأشترى لوالدتي منزلا، ولكن في غفلة تم تهديمه بعد ترحيل كافة السكان وتم إقصاؤنا وتشرّدنا وتوفي والدي… وتركت مقاعد الدراسة”.

بعيدا عن تصريحات المسؤولين “الرنانة” وبعيدا عن الرسميات وعن الندوات الصحفية التي يعقدها المسؤولون في أفخم الفنادق لتحليل ظاهرة ”التشرد” و”هجرة مقاعد المدارس” نزلنا إلى الشارع لنقل معاناة فئة المقصين من عمليات إعادة الإسكان التي باشرتها مصالح عاصمة البلاد في جوان 2014، حيث سمحت هذه العملية بترحيل أكثر من 42 ألف عائلة بالعاصمة وإقصاء 18 ألف عائلة خلال 23 عملية ترحيل والقضاء على الكثير من النقاط السوداء والبيوت القصديرية التي كانت تشكل “صداعا” للحكومة وتم  استرجاع 400 هكتار تم استغلالها في بناء مساكن لسكنات “عدل” و”الترقوي العمومي” ومساكن ”السوسيال” واستغلت عقارات أخرى في العديد من المشاريع على غرار مساحات خضراء والمسجد الكبير…

كانت الوجهة ”حي السمار” بجسر قسنطينة بالعاصمة، حيث التقينا “مصطفي. هـ” الذي راح يروي لنا معاناة بدأت ذات أربعاء 7 أكتوبر من سنة 2015 وراح يقول ”مللنا من الشارع، توفي والدي في عز البرد السنة الماضية ولم نجد أين نتلقى العزاء فيه، تشردنا رفقة إخوتي.. تركت المدرسة وقررت حمل مسؤولية المنزل”، وأضاف: ”والدتي تحمي أخواتي البنات وتوصلهن إلى المدرسة وتحرص على دراستهن وأنا يحميني الله”، سألته عن مكان إقامته فقال ”أكيد في الشارع، يوم هنا في السمار ويوم في عين النعجة ويوم في براقي ويوم آخر في البليدة وخرايسية… نمنا في كافة الأماكن وواجهنا البرد القارس والحمد لله”، تركنا محمد الذي يعمل ”حمالا” لدى بائعي الجملة بالمسار وتوجهنا إلى خالتي سعدية.

 

من القصدير إلى الشارع

توجَّهنا إلى عين النعجة، حيث تتواجد خالتي سعدية ولد غويل البالغة من العمر 59 سنة التي تقطن في الشارع بعد طردها من البيت القصديري الذي كانت تقطن فيه بمنطقة وادي الكرمة وتهديم سكنها العائد إلى الفترة الاستعمارية بحوش ”القاوري” الذي كانت تقطن فيه منذ سنة 1962، وقالت خالتي سعدية: ”حزمت أمتعتي أملا في الترحيل لأجد نفسي في الشارع أواجه البرد رفقة 3 بنات دون معيل، ظلموني، ربي وكيلهم وكسروا ظهري ورموا بي في الشارع، منذ الثمانينيات وأنا أضع ملفات للاستفادة من سكن لائق يحميني رفقة أبنائي ولكن يرحل الكل وأرمى أنا في الشارع دون سبب مقنع، إلى حد الآن لم أعرف سبب إقصائي طلبت من السلطات المحلية إعادة النظر في قضيتي وتفهم وضعيتي بسبب زوجي الذي يعاني من اضطرابات، ويعمل بصفة غير مستقرة وكذا بصفتي مسؤولة عن 3 بنات شابات في عمر الزهور ولكن تكلمت ولم أجد آذانا صاغية”.

وأضافت خالتي سعدية “مللت وعودهم الكاذبة بإعادة النظر في قضيتي، المسؤولون منشغلون بمصالحهم الشخصية وأنا مرمية في مستودع ناس الخير أواجه الظروف الصعبة لوحدي”.

 

“لي ربٌّ يحميني من قساوة الشارع”

وبحيّ كوريفة الجديد الذي يأوي أكثر من 700 ألف عائلة رُحلت إلى شققها الجديدة، تتواجد عايس سعاد رفقة 3 أطفال واحدة منهم معاقة كانت تقطن بحي بومعطي بمحاذاة ملعب الانتصار التابع إداريا لدائرة الإدارية الحراش في منزل شبه قصديري، اتخذت من شاحنة ”هاربين” بيتا لتأويها من قسوة الشارع واتخذت من كلبها ”أعزكم الله” حارسا لهم، وقالت ”سعاد عايس” التي تعيش ظروفا أقل ما يقال عنها إنها صعبة ومزرية في ظل غياب المسؤولين الذين رفضوا حتى استقبالها ”ألست جزائرية؟ أريد حلا سريعا، مللت من الشارع، ظروفي صعبة، ابنتي معاقة والآخر صغير، خرجنا بعد طردنا من منزلنا بصحة جيدة ولكن في الشارع مرضنا وجُعنا وبكينا في بلدنا”.

وأضافت “أعيش على صدقات المحسنين، كنت أحلم بمطبخ وغرفة معيشة، ولكني وجدت نفسي في شاحنة أعيل أولادي بعدما تخلى عني زوجي وطلقني، أنا لاجئة في بلدي، أين حقي؟ انظروا إلى ظروفي يا مسوؤلين وانزلوا للميدان وتحققوا، يا مسؤولين أنتم غائبون تماما لم تتكفلوا بنا سيحاسبكم الله…”.

 

زوخ لـ”الشروق”: من يملك حقا سيصله

أكد والي العاصمة عبد القادر زوخ أن ولاية الجزائر لم تظلم أحدا ولم تقص أي مواطن، ولكن من له الحق في الاستفادة من سكن سيستفيد بعد تقديم طعون.

وأضاف الوالي في تصريح لـ”الشروق” الأسبوع الماضي ”لم أغلق  ملف الطعون وأتابعه شخصيا”، وأضاف ”دراسة الطعون مستمرة ولن نستثني أحدا، ومن يملك دليلا واحدا يثبت أحقيته بالسكن يجلبه وسنتكفل به”.

وطمأن الوالي عبر ”الشروق” أصحاب الملفات المعنية بالطعون، وقال ”اطمئنُّوا كل من لديه حق في سكن لائق سيحصل عليه” داعيا إياهم إلى التحلي بالصبر، ومن له حق سيحصل عليه في العمليات المقبلة”، وأضاف “لكني لن أرحم بعض السماسرة وسأتصدى لهم وأعاقب المحتالين والانتهازيين الذي استغلوا الترحيل للاستفادة من شقق وبيعها”.

مقالات ذات صلة