من خزائن العائلات إلى الذاكرة الوطنية… الأزياء التقليدية كنوز تنتظر التوثيق
تحتفظ الكثير من العائلات الجزائرية بقطع نادرة من الألبسة التقليدية، تناقلتها الأجيال وحملت معها شواهد من التاريخ الاجتماعي والثقافي للمجتمع الجزائري لسنوات عديدة، غير أن جزءا معتبرا من هذا الموروث لا يزال بعيدا عن التوثيق العلمي، رغم ما يحمله من قيمة تاريخية ورمزية تعكس ثراء الهوية الوطنية وتنوعها، وهو ما يستدعي تسخير الجهود إلى حماية المجموعات الخاصة للزي الجزائري وتثمينه، بإشراك العائلات والحرفيين في مختلف مراحل الحماية والتثمين، حتى لا تبقى الأزياء التي تم الاحتفاظ بها عبر الأجيال عبارة عن مقتنيات عائلية خاصة، وتصبح شواهد موثقة على تاريخ المجتمع الجزائري وثراء هويته الثقافية.
يحذر مختصون في التراث من مخاطر عرض الألبسة التقليدية النادرة للبيع عبر مواقع التواصل الاجتماعي، خاصة في ظل تزايد الاهتمام باقتناء القطع التراثية القديمة، وهو ما قد يجعلها عرضة للاستغلال أو السرقة أو انتقالها إلى جهات مجهولة، مع ضرورة تحلي العائلات بالوعي والمسؤولية في التعامل مع هذه المقتنيات، وعدم التسرع في بيعها، والحرص على التواصل مع المؤسسات المتحفية والجهات المختصة بالتراث الثقافي، قصد إتاحة الفرصة لتقييمها وتوثيقها والعمل على حفظها في ظروف ملائمة.
أسماء بتْحي: ضرورة الانتقال من الحفظ الفردي إلى التوثيق العلمي
وفي هذا السياق، أكدت الباحثة الأنثروبولوجية ومحافظة التراث الثقافي بقسم الإثنوغرافيا بالمتحف العمومي الوطني باردو، أسماء بتْحي، لـ”الشروق”، أن حماية التراث الملبسي لا تقتصر على جمع القطع النادرة والحفاظ عليها، بل تستدعي توثيق تاريخها واستعمالاتها ودلالاتها الاجتماعية، من خلال عمل ميداني وعلمي يستنطق الذاكرة المرتبطة بها ويكشف ما تختزنه من معارف وعادات وأنماط عيش.
مبادرة لفتح خزائن العائلات أمام البحث الإثنوغرافي
وترى بتحي أن المجموعات الخاصة للزي الجزائري تمثل مصدرا مهما للمعرفة الإثنوغرافية، بالنظر إلى ما تضمه من قطع توارثتها العائلات عبر الأجيال، وظلت مرتبطة بمناسبات اجتماعية وطقوس عائلية ومحطات من التاريخ المحلي.
مشيرة إلى أن اللباس التقليدي، لا يختزل في مظهره الجمالي أو في المواد التي صنع منها، وإنما يمثل وثيقة ثقافية تعكس تحولات المجتمع وخصوصياته الجغرافية والاجتماعية، وتحمل آثار الممارسات الحرفية وأنماط الحياة التي ميزت فترات تاريخية مختلفة، مثمنة الجهود التي تبذلها الوزارة الوصية من حماية الزي الجزائري، معتبرة ذلك بأنها خطوة نحو الانتقال من الحفظ الفردي داخل البيوت إلى التوثيق المنهجي الذي يسمح بتثمين هذه المقتنيات وإدراجها ضمن مسار حماية التراث الثقافي الوطني.
كما تتيح هذه المبادرات، بحسب المتحدثة، توسيع مجالات التعاون بين المؤسسات المتحفية والباحثين والمجتمع المدني والعائلات الحائزة على المجموعات التراثية، مع ضرورة احترام خصوصية الملكية العائلية وحقوق أصحابها، بما يجعل عملية الحماية قائمة على الثقة والشراكة والوعي بقيمة الذاكرة الملبسية.
عائلات تتجاوب مع جهود تثمين الموروث الملبسي
ونوهت بتحي إلى أن حماية الألبسة التقليدية تتطلب حضورا ميدانيا وتواصلا مباشرا مع العائلات التي لا تزال تحتفظ بقطع ذات قيمة تاريخية وفنية، قائلة إن التحسيس الجواري، يشكل إحدى الآليات التي يمكن الاعتماد عليها لتعريف المواطنين بأهمية الموروث الملبسي الموجود بحوزتهم، وتشجيعهم على المساهمة في حمايته وتوثيقه، باعتباره جزءا من الذاكرة الثقافية المشتركة، وليس مجرد مقتنيات قديمة متوارثة داخل الأسرة.
وقد أثمرت هذه الجهود، وفق المتحدثة، استجابة من عائلات جزائرية قدمت هبات من الألبسة التقليدية النادرة، جرى ضمها إلى قطع أخرى تم اقتناؤها على نفقتها الخاصة، في خطوة تعكس أهمية إشراك المجتمع في حماية التراث وتثمينه، مشيدة بالدور الذي يمكن أن تؤديه العائلات في إنقاذ قطع تراثية من النسيان أو الضياع، من خلال إتاحة المعلومات المرتبطة بتاريخها ومصدرها وطرق استعمالها، مع الحفاظ على حقوق أصحابها وخصوصية مقتنياتهم.
من التطريز إلى الألوان… تفاصيل تكشف هوية المجتمع
وتتجاوز القيمة العلمية للأزياء التقليدية، بحسب أسماء بتحي، ندرة القطع أو جمال زخارفها، لتشمل ما توفره من إمكانات لفهم البنى الثقافية والرمزية التي تشكلت داخل المجتمع الجزائري عبر الزمن.
فالغرز وتقنيات التطريز والألوان وتوزيع الزخارف يمكن أن تشكل مفاتيح لقراءة أنماط الإنتاج الحرفي والخصوصيات المحلية والعلاقات الاجتماعية التي أحاطت بصناعة اللباس واستعماله،
كما تسمح بفهم دور اللباس في تشكيل المعاني الاجتماعية والتعبير عن الانتماء والمكانة والمناسبة، إذ قد يرتبط اختيار قطعة معينة أو لون محدد أو حلي أو غطاء للرأس بدلالات تتصل بالعمر أو الحالة الاجتماعية أو الطقوس الاحتفالية، وفق خصوصيات كل منطقة وسياقها التاريخي والاجتماعي.
وبذلك، تتحول القطعة التقليدية بحسب ذات المتحدثة إلى شاهد على خبرة الحرفي وذائقة المجتمع والذاكرة التي ارتبطت بصناعتها واستعمالها وانتقالها بين أفراد الأسرة.
قاعدة بيانات موحدة لحماية الذاكرة الملبسية
أصبح من الضروري إنشاء سجلات وطنية وقواعد بيانات رقمية موحدة للمجموعات الخاصة للزي الجزائري، تتضمن صور القطع وأوصافها التقنية ومكوناتها وطرق صناعتها وتاريخ حيازتها، إلى جانب المعلومات المتعلقة بسياقات استعمالها وشهادات أصحابها، متى توفرت الموافقة اللازمة.
وتؤكد بتحي أن إشراك المختصين في إعداد هذه السجلات من شأنه تعزيز الدقة العلمية لعمليات التوثيق، وتحويل المقتنيات العائلية إلى مصادر موثوقة للبحث والدراسة، مع مراعاة حقوق الحائزين والخصوصية المرتبطة ببعض المجموعات.
وفي هذا الإطار، تقترح الباحثة إثراء المشروع بقاعدة البيانات والبطاقات الإثنوغرافية الموحدة التي طورتها انطلاقا من عملها الميداني، بما يسمح بتوفير مادة توثيقية قابلة للتطوير والاستثمار العلمي والمؤسساتي.
ولا تقتصر أهمية الرقمنة بحسبها- على تسهيل الوصول إلى المعلومات، إذ تمتد إلى تعزيز إمكانية التعرف على القطع ومصادرها، وتوفير معطيات دقيقة تساعد على تقديمها ضمن سياقاتها التاريخية والثقافية الصحيحة.
غير أن نجاح هذه العملية بحسب ذات المتحدثة، يبقى مرتبطا بوضع معايير واضحة للتوثيق والتحقق من المعلومات، وتحديد شروط إتاحة الصور والبيانات، تفاديا لتداول معلومات غير دقيقة أو فصل القطع عن سياقاتها الأصلية.
توثيق علمي لتعزيز حضور الزيّ الجزائري دوليا
من جهة أخرى ترى محدثتنا أهمية توثيق أصالة الزي الجزائري وخصوصياته على الصعيد الدولي استنادا إلى الأدلة التاريخية والمعطيات الميدانية المتعلقة بتقنيات صناعته وأشكاله واستعمالاته وكيفية انتقاله بين الأجيال.
وفي هذا السياق، أوضحت بتحي أن مشاركاتها العلمية في الفعاليات الدولية المعنية بالتراث الثقافي غير المادي شكلت فضاء لعرض نتائج البحث الإثنوغرافي والتعريف بمهارات الصانع الجزائري وثراء الموروث الملبسي الوطني.
وتكتسب هذه الجهود أهمية إضافية في ظل الحاجة إلى تقديم التراث استنادا إلى معلومات علمية قابلة للتحقق، بما يعزز حضور الجزائر في النقاشات الدولية المتعلقة بصون التراث الثقافي، ويدعم حماية المعارف والمهارات التقليدية المرتبطة به.