من دخل بيت “الأفمي” فهو آمن
لأول مرة منذ سنوات جاء التقرير السنوي لمجلس إدارة صندوق النقد الدولي حول الوضع الاقتصادي في الجزائر بما يرضي السلطة وخصومها معا، لأنه شهد للاقتصاد الجزائري بقدر من المقاومة لأثار صدمة انهيار أسعار النفط” وأثنى على بعض الإجراءات، سواء من جهة التخلي التدريجي عن أنظمة الدعم، أو من جهة تقليص النفقات العمومية والاجتماعية، ومراجعة سعر صرف الدينار، غير أن التقرير الذي نُشر هذا الخميس، منح منتقدي الحكومة بعض مَواطن الطعن في ما سلف من إدارتها للبحبوحة المالية.
الصندوق يكون قد قرأ في التدابير المعتمدة في ميزانية 2016 توجّهات تتوافق مع وصفاته التقليدية، ومنها انفتاح الميزانية على الاستدانة الداخلية والخارجية، وتقليص النفقات العمومية، وبداية رفع الدعم عن بعض المواد، حتى وإن كان الصندوق يراها جدّ محتشمة، وليست بالمستوى الذي يسمح بـ”مواجهة تراجع الموارد المالية النفطية”.
ومع هذه التحفظات التقليدية في ثقافة “الآفمي”، فإن الحكومة تكون قد استقبلت بكثير من الرضى عن النفس أول تقييم إيجابي يسمح لها بالرد على المنتقدين، خاصة وأنه لم يلتفت إلى فرضية استمرار تدهور أسعار النفط مع افتقار الدولة إلى أيِّ مصدر تمويلٍ بديل، سوى باللجوء إلى الاستدانة الخارجية ـ كما ينصحها الصندوق ـ أو التصعيد في السِّياسات التقشفية، أو بخصخصة بعض كبريات مؤسَّسات القطاع العام، وعينُ “الآفمي” بلا شك على سونواطراك وسونالغاز. وقد ختم الصندوق قائمة النَّصائح بتحذير الحكومة من مغبَّة التضييق على الاستيراد، في انتقاد مبطَّن لبعض الإجراءات الترشيدية لفوضى الاستيراد.
وفي الجملة، فإن سياسة صندوق النقد الدولي تجاه الجزائر لم تتغيّر حتى يقرأ في التقرير ما لا ينبغي أن يقرأ، لا من جهة الحكومة ولا من جهة المعارضة، ويفترض أن نقرأ في الجانب الإيجابي من التقييم حصول تغيير في السياسة والمنهج والخيارات التي اعتمدت في ميزانية 2016 على أنها بداية لتنفيذ وصفات “الآفمي” التقليدية، سوف تعزز في الأعوام الثلاثة القادمة حتى لو عادت أسعار النفط إلى الارتفاع.
من الواضح أن البلد الذي لم ينجح زمن التخمة المالية في إعادة هيكلة الاقتصاد بتنمية مناجم تمويل بديلة، لا يمتلك اليوم الوقت والموارد، وربما الرؤية، لبعث اقتصادٍ جديد حتى لو توفرت الإرادة السياسية، مع قطاع عام لم يتحرّر من التسيير البيروقراطي، وقطاع خاص كامبرادوري، قد ينهار في بحر شهور قليلة لو اقدمت الدولة على حرمانه من مصدر ريعه الأول: بقرة الاستيراد والاستيراد، كما لا رهان يُذكر على قطاع مصرفي معطل، غير مؤهّل بالمرة لتنشيط اقتصاد بديل يعتمد على الإنتاج والمغامرة بالاستثمار فيه.
اقصى ما هو متاح للحكومة هو شدّ العصا من الوسط في توزيع ما بقي من احتياطي الصرف، حتى لا تضطر إلى ما اضطرّت إليه دولٌ نفطية مماثلة، إما بالذهاب إلى الاستدانة الخارجية والشروع في خصخصة القطاع العام كما فعلت السعودية، أو المراوحة والتخبُّط التي نراها تقود بلدا نفطيا مثل فنزويلا إلى الفوضى الاجتماعية التي تنتظر معظم الدول المعتمِدة على النفط ما لم تحصل معجزة في السنوات الثلاث القادمة.