-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع
يحتفلون بقدوم الخريف بعادات غريبة

من ديكورات الهالوين إلى مطابخنا التقليدية… هل يهدد «ترند القرَعْ» هويتنا الثقافية؟

من ديكورات الهالوين إلى مطابخنا التقليدية… هل يهدد «ترند القرَعْ» هويتنا الثقافية؟

ثريا بن بريك: نستشعر خطر تقليد المظاهر الوافدة وإهمال الموروث المحلي وشبكات التواصل تعيد تشكيل عاداتنا

تحولت شبكات التواصل الاجتماعي إلى قوة مؤثرة في تشكيل الأذواق وتوجيه السلوكيات، حتى باتت بعض الصيحات الوافدة تجد طريقها إلى البيوت الجزائرية في وقت قياسي، دون أن يرافقها في كثير من الأحيان وعي كافٍ بخلفياتها الثقافية ودلالاتها. ولعل انتشار ديكورات القرع والخضروات الخريفية داخل المنازل، خلال الفترة الأخيرة، من الظواهر التي أعادت طرح سؤال العلاقة بين الانفتاح على الثقافات الأخرى والمحافظة على الخصوصية الجزائرية، خاصة أن القرع المزخرف ارتبط في الثقافة الغربية بأجواء عيد “الهالوين”، الذي يحتفل به في نهاية شهر أكتوبر من كل عام.

سلوك غريب انتشر عبر منصات التواصل الاجتماعي مع دخول فصل الخريف، وتحول إلى “ترند” انغمست فيه ربات البيوت وأصحاب المحلات وحتى طباخون مشهورون، متعلق بتزيين المنازل بخضار القرع، عن طريق تحويله إلى أشكال مختلفة، أو إدخال إضاءات فيه، إضافة إلى تحضير عصائر ووجبات من هذا الخضار. والغريب، أن المقبلين على هذا “الترند الرقمي” يبررون سلوكهم بالاحتفال بدخول فصل الخريف في الجزائر؟ في ظاهرة دخيلة على مجتمعنا.

والتحق كثير من أصحاب محلات بيع الديكور والإكسسوارات بهذا “الترند” وباتوا يعرضون أشكالا مختلفة وملونة من القرع للبيع.

وبينما يرى البعض في تزيين المنازل بالقرع وأوراق الخريف مجرد لمسة جمالية موسمية لا تستحق كل هذا الجدل، يثير آخرون مخاوف بشأن تحوّل تقليد المظاهر الوافدة إلى سلوك متكرر يزاحم العادات المحلية، خصوصًا عندما يصبح ما تروّجه المنصات الرقمية معيارًا للجمال والعصرية، في مقابل تراجع الاهتمام بالتقاليد التي شكّلت جزءًا من الذاكرة الجماعية للأسر الجزائرية.

القرع بين رمزية الهالوين والموروث الجزائري

ووجب التذكير، أن خضار القرع مرتبط لدى المجتمعات الغربية بعيد الرعب أو” الهالوين”، الذي يميزه حضور القرع المنحوت والمضاء من الداخل، حيث يُستخدم في صناعة فوانيس وأشكال مخيفة تزيّن المنازل والمحلات، في مشهد بات مألوفا عبر الأفلام والمسلسلات ومحتويات المؤثرين. ومع الانتشار الواسع لهذه الصور على منصات التواصل الاجتماعي، انتقلت بعض مظاهر الاحتفال إلى مجتمعات أخرى.

غير أن الإشكال لا يتعلق بالقرع في حد ذاته، فهو خضار معروف في المطبخ الجزائري، ويمكن أن يكون جزءًا من أطباقنا التقليدية، وإنما في استيراد المظاهر الثقافية دون الالتفات إلى ما تحمله من سياقات ورموز، مقابل إهمال ما تزخر به الثقافة المحلية من عادات مرتبطة بفصل الخريف ومواسم جني المحاصيل وتحضير المؤونة.

فقد ارتبط الخريف في الذاكرة الجزائرية بأجواء خاصة داخل البيوت، حيث كانت العائلات تستحضر خيرات الأرض في إعداد أطباق تقليدية، وتخزين بعض المنتجات الموسمية، واستعمال زيت الزيتون والتين المجفف والعسل ومختلف الخضروات في الحياة اليومية. كما اختلفت هذه العادات من منطقة إلى أخرى، بما يعكس ثراء الموروث الغذائي والاجتماعي الجزائري وتنوعه.

وهو ما يجعل السؤال مطروحا حول مدى اهتمام الأجيال الجديدة بهذه التفاصيل، في وقت أصبحت فيه صورة منزل مزين على الطريقة الغربية تحصد آلاف الإعجابات، بينما لا تحظى صور المطابخ التقليدية والأواني الفخارية والعادات الموسمية المحلية بالاهتمام نفسه.

صيحات رقمية تتحول إلى بديل عن العادات

لا يمكن فصل انتشار هذه الظاهرة عن الدور الذي تؤديه خوارزميات المنصات الرقمية في تكرار المحتوى الرائج وتوسيع انتشاره. فبمجرد ظهور صيحة معينة، تتكاثر الصور ومقاطع الفيديو التي تعرض طرق تطبيقها، ويتحول التقليد تدريجيا إلى وسيلة لمواكبة الموضة الرقمية والحصول على التفاعل والإعجابات.

وفي هذا السياق، ترى المختصة في علم الاجتماع، ثريا بن بريك في تصرح لـ الشروق”، أنه قد لا يكون تقليد ديكورات الخريف أو استخدام القرع دليلا في حد ذاته على التخلي عن الهوية الوطنية، لكن القلق، بحسبها، يبدأ عندما تصبح الثقافات المستوردة مرجعا دائما لتحديد ما هو جميل وعصري، بينما يُنظر إلى العادات المحلية على أنها قديمة أو غير مناسبة للنشر والاستعراض.

وتقول محدثتنا إن “الهوية الثقافية لا تُمحى بالضرورة من خلال ممارسة واحدة، وإنما يمكن أن تتراجع تدريجيا عندما تفقد العادات المتوارثة مكانتها في الحياة اليومية، وعندما ينقطع الأبناء عن معرفة القصص والأطباق والمناسبات التي كانت تجمع أفراد الأسرة وتربطهم بذاكرتهم الجماعية.”

ومن هنا، تشدد بن بريك على مسؤولية الأسرة في تنشئة أبنائها وتعريفهم بموروثهم، وإشراكهم في تحضير الأطباق التقليدية، وإحياء العادات المرتبطة بالمواسم، وتحويل هذا التراث إلى محتوى جذاب قادر على المنافسة داخل الفضاء الرقمي.

ومن منظور اجتماعي، تشرح المختصة، بأنه يمكن تناول هذه الظاهرة من زاوية تأثير التقليد الجماعي والبحث عن القبول الاجتماعي في سلوك الأفراد، خصوصا لدى فئة الشباب التي تتعرض يوميا لكمّ هائل من الصور والنماذج القادمة من ثقافات مختلفة.

وتساءلت إن كان الأمر مجرد تقليد جمالي عابر، أم إن تكرار هذه المظاهر قد يعكس تحولا أعمق في منظومة القيم والمرجعيات الثقافية؟ وكيف يمكن للأسرة والمؤسسات التربوية والإعلامية التعامل مع هذه الظواهر دون الانزلاق إلى رفض كل ما هو وافد أو فرض تصورات جامدة عن الهوية؟

هويتنا تحتاج إلى التجديد لا إلى النسيان

لتؤكد أن الحفاظ على الهوية الجزائرية لا يعني الانغلاق أمام الثقافات الأخرى، ولا تحويل كل صيحة أجنبية إلى موضع اتهام، بل يقتضي “امتلاك الوعي الكافي للتمييز بين الانفتاح الواعي والتقليد غير المدروس. فالثقافة الحية هي التي تتجدد وتستوعب عناصر جديدة، دون أن تفقد صلتها بجذورها وذاكرتها”.

ولعل الأجدر بالعائلات وصناع المحتوى استثمار هذا الاهتمام بالديكور والمواسم لتقديم بدائل مستوحاة من تراثنا، من خلال إبراز الأواني الفخارية، والمنتجات المحلية، وأطباق الخريف التقليدية، والحرف اليدوية التي تختزن قصص الأجداد وخصوصية المناطق الجزائرية، على حد قولها.

وأضافت أنه بدلا من أن تظل شبكات التواصل مجرد نافذة لاستنساخ ما ينتشر في الخارج، يمكن أن تتحول إلى مساحة للتعريف بالموروث الوطني وتقديمه بأساليب عصرية تجذب الشباب، مؤكدة “أن الخطر الحقيقي لا يكمن في ثمرة قرع توضع فوق رف أو في زينة موسمية عابرة، بل في أن تصبح ثقافة التقليد أقوى من الرغبة في اكتشاف الذات، وأن نبحث عن هويتنا في صور الآخرين، بينما نغفل عما تملكه بيوتنا من ذاكرة وعادات وتقاليد تستحق أن تُروى للأجيال القادمة”.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!