من طبع النقود إلى تحديد النسل!
يبدو أن الحكومة لم تجد سوى حلول سهلة لمواجهة الأزمة المالية الحالية وحتى التكفل بالأعباء الاجتماعية للمواطنين مستقبلا؛ فبعد الرفع المتتالي لمجمل الأسعار والرسوم في السنوات الثلاث الأخيرة، وقراريْ استغلال الغاز الصخري وطبع النقود، ها هي الآن تلجأ إلى حلٍّ سهل آخر لتخفيف الأعباء الاجتماعية عن عاتقها من خلال وضع “برنامج وطني استعجالي لتحديد النسل”، بذريعة “تسجيل نموّ كبير في عدد الجزائريين”، كما قال وزير الصحة مختار حسبلاوي!
هذا التصريح المثير يعني أن الحكومة قد أصبحت تنظر إلى الجزائريين على أنهم “عبء ثقيل” يُرهق كاهلها مع أن عددهم لا يتجاوز 40 مليون نسمة، في حين أن هناك دولا عديدة سكانها يُعدّون بمئات الملايين لكنها لم تقرر تحديد نسلهم ومنها أندونيسيا (ربع مليار نسمة)، بل حتى المغرب الذي لا يملك بترولا ومساحته أقل من مساحتنا الشاسعة ويناهزنا من حيث عدد السكان، لم يرَهُم عبءا عليه ولم يتحدَّث عن تحديد نسلهم!
عدد سكان الصين 1.5 مليار نسمة والهند 1.2 مليار، لكن البلدين لم ينظُرا إلى المسألة من الزاوية نفسها التي تنظر بها السلطة إلى سكانها، بل حوّلتا كثرة سكانها إلى أحد عوامل نهضتهما وتقدّمهما الاقتصادي؛ فاليد العاملة الصينية التي تُعدّ بمئات الملايين، تساهم في رفع الناتج المحلي الإجمالي للبلد إلى 5 آلاف مليار دولار سنويا وفي احتلاله المرتبة الثانية عالميا، وفي الهند هناك 516 مليون عامل يساهمون في تنمية اقتصادها وبلوغه المرتبة الـ12 عالميا وجعله من أسرع الاقتصادات نموا!
المسألة إذن لا تكمن في كثرة عدد السكان، بل في كيفية الاستغلال الأمثل للموارد البشرية المتاحة، وللأسف فقد ظلت الجزائر عقودا تتغنى بأنّها تملك “ثروة” شبابية كبيرة تصل إلى 75 بالمائة من سكانها، لكنها لم تُحسن استغلال هذه الثروة وتركتها عرضة للبطالة والفقر وانسداد الآفاق رغم كل الثروات التي تزخر بها البلاد، والنتيجة هروب آلاف الشباب في قوارب الموت إلى أوروبا، وطوابير بعشرات الآلاف أمام المركز الثقافي الفرنسي بحثا عن الهجرة.
إن الحديث عن “تسجيل نموّ كبير في عدد الجزائريين” لتبرير اللجوء إلى تحديد نسلهم، هو من قبيل تحميلهم مسؤولية التخلّف الذي تعيشه البلاد، والتملّص من أيّ مسؤولية، وهو حكمٌ مجحِف؛ فالمسؤولية تتحمّلها السلطة التي تحكم منذ 55 سنة كاملة بلدا غنيا بثرواته المتنوّعة، ولكنها أبدت عجزا مُزمِنا عن استغلالها بما يُخرِج البلد من التخلف ويحقق الرفاه للمواطنين كما فعلت دولٌ أخرى كانت تعاني التخلف مثلنا.
إنّ لبّ المشكلة يكمن في غياب الحكم الرشيد الذي تتوفر عليه الصين والهند وتركيا وكوريا الجنوبية والبرازيل ودول أوروبا وغيرها من البلدان التي لم يكن قطّ عددُ سكانها عائقا في وجه تنميتها، وغني عن القول إن حلّ معضلتنا يكمن في ترشيد الحكم عن طريق وضع حدّ لاحتكار السلطة وإقرار الديمقراطية الحقيقية وإعادة الكلمة للشعب، وليس في تحديد النسل الذي يحرّمه الدين ولا يتقبَّله المجتمع المهدّد بالشيخوخة بعد عقودٍ قليلة من الآن.