من لم يسرق فهو آثم!
حديث قسنطيني، وتساؤله المبطّن بخطاب مسرطن: “ولمَ لا نعفو عن المفسدين ما دام أننا عفونا عن الإرهابيين”؟!، ليس بريئا، فلا “دخان بلا نار”؛ ذلك أنه هو نفسه، عاد وغيّر موقفه من الفساد وصار يفتي لنفسه، تمهيدا لتبرير سنّ قانون أو إصدار مرسوم يكون في شكل عفو عام يكون الهدف منه تبرئة ذمة الفاسدين أكثر مما يراد له ظاهريا العفو عن الإرهابيين! فقد سبق له وأن حذر من خطورة الفساد وانتشاره ومساسه بحقوق الإنسان وأن عام 2006، كان مصدرا تاريخيا لتفعيل الفساد على نطاق واسع عندما صار النهب يساوي جنحة بسيطة وليس جُرما، ثم عاد اليوم ليغيِّر أقواله. يشير هذا إلى احتمال أن يكون قسنطيني يحضِّر لطبخة “قسنطينة عاصمة ثقافة قسنطيني” للعفو عن المفسدين عامة والمختلسين خاصة، وقد بدأنا نشاهد بدايات هذا العفو “والتسامح”.
يذكرني هذا برسم للفنان الكبير هارون في مجلة “ألوان” في السبعينيات بعد طرح بومدين لشعار “من أين لك هذا؟”، فرسم الفنان فلاحا فاتحا فمه في رجل بدين يخرج من مرسيدس، فيقول “الترل” للفلاح الفقير: “من أين ليس لك هذا”؟
نمتُ على هذا الهوس، لأجد نفسي أدعو إلى استفتاء “شعبي” حول العفو عن المفسدين، والذي يدعو ضمنيا إلى تحليل الفساد واعتباره عملا اقتصاديا بحتا، مثله مثل قضيَّة الخبر، لا رائحة للسياسة فيها!
قمنا باستفتاء يشارك فيه كل المفسدين: من مثُل أمام العدالة ومن مثُلت العدالة أمامه! ومن لم “يسمع بأحد” ومن فسد وسرق ولم “يفق” به أحد..أحد! وكان عدد المشاركين في الاستفتاء يفوق التوقع: 100 في المائة انتخبوا بنعم على قانون العفو عن المفسدين (نحن سمّيناهم بـ”الصالحين” ولم نسمِّهم مفسدين!). شارك في الاستفتاء 15 مليون و275 ألف وليّ صالح… و”مادام دليلة” صالحة! وسمِّيناهم فيما بعد بـ”أولياء الله الصالحين” وصرنا نسميهم بـ “CD” و”لالة”! أما بقيّة الشعب فجعلناه يشارك في استفتاء بشأن إمكانية العفو عنه، أي عن الشعب الذي لم يسرق! فأجاب 90 في المائة بنعم! أي أن نحو 65 في المائة ممن شاركوا في الاستفتاء الشعبي العام والذي هو 75 في المائة (لأن المفسدين الذين شكلوا ثلث الشعب، لم يشاركوا في هذا الأخير، بعد أن شاركوا في الأول، فنحن مثل الماريكان نتبع طريقة الانتخابات على مستويين: كبار المنتخِبين ثم الانتخابات العامة!). وهذا يعني أن غالبية الشعب تعتبر نفسها مغلوبة على أمرها وأنه بإمكانها أن تنتخب غدا مفسدا من الدرجة الأولى رئيسا وميرا وممثلا برلمانيا وممثلا فكاهيا.. ضاحكا كالبقرة الضاحكة..على الشعب! فالشعب العام سيتقبّل فكرة: “من لم يفسد ويسرق فهو آثمٌ ومتّهم”، وكون العفو عنه من طرف الفاسدين يُعتبر بالنسبة لعامة الشعب من باب و”طاقة” “طاق على من طاق.. ومن باب “اذهبوا فأنتم الطلقاء”.. أي “العفو عند المقدرة.. الشرائية”. وهذا ما حدث! إلا أن البقية وهم القلة القليلة، لم يقبلوا بهذه المعادلة المعكوسة وراحوا يحتجُّون.. ومنهم أنا وأنت على هذا المنكر وهذا الفساد الثاني بين العباد! وكانت النتيجة أن حوكم نحو 5 ملايين شخص بتهم إثارة الفوضى، ودفع البلاد إلى عدم الاستقرار وحافة الانفجار، وعدم التسامح، والتطرّف، ورُفض العفو عنهم من طرف “العافين عن الناس” .. من عيفة الناس، الذين أتوا على الأخضر (بلومي) واليابس (الجيلالي).
وأفيق وأنا أقول لزوجتي وأبنائي: حذارِ أن تقولوا إننا لم نسرق! والله تدخلوا الحبس نوووورمال!