الجزائر
"بلوتوث" وكمامات وأكل للأوراق.. أغرب حالات الغش في الامتحانات

“من نقّل انتقل”.. شعار لاحتراف الغش على حساب التحصيل العلمي

صالح سعودي
  • 1005
  • 0
أرشيف

كشفت الأجواء التي سادت الدفعة الأولى الخاصة بامتحانات السداسي الجامعي الأول عن وجه سلبي يتمثل في ظاهرة الغش التي لا تزال تفرض منطقها بتقنيات وأساليب مختلفة، ما جعلها تتوسع وتنتشر بشكل أثار مخاوف الأساتذة والقائمين على المعاهد والكليات في مختلف الجامعات الجزائرية، وقد وقفت “الشروق”، من خلال اعترافات أساتذة ودكاترة على متاعب بالجملة أثناء عمليات الحراسة في الحجرات والمدرّجات، ووقفوا على ظواهر تجمع بين الغرابة والمأساوية.

تساهل إداري وأسئلة اجترارية تسبّبت في استفحال الظاهرة

دقّ أساتذة وفاعلون في الوسط الجامعي ناقوس الخطر، بسبب استفحال ظاهرة الغش في الامتحانات الذي تحوّل من استثناء إلى قاعدة، حيث يرى الدكتور بدر الدين زواقة من جامعة باتنة بأن ظاهرة الغش هي إحدى مخرجات مؤسسات التنشئة الاجتماعية غير المتكاملة والمتفاعلة.. وانحسار القيم في هذه المؤسسات، حيث أصبحت السلع، حسب قوله، في مقابل القيمة، والتعليم تحوّل في نظره من قيمة إلى سلعة ومن مقام إلى وظيف، مؤكدا أن الامتحانات كشفت هذا الاختلال في القيم، معبرا عن تأسفه لغياب رؤية في علاج الأسباب، في ظل الاكتفاء بالظواهر والأعراض من خلال علاجات مسكنة للأزمة، فيما يرى الدكتور علاوة كوسة بأن ظاهرة الغشّ في الامتحانات قديمة، متجدّدة في مظاهرها وكيفياتها وأساليبها، خاصة في ظل ضعف التحصيل العلمي وتقهقر المستوى العلمي للطلبة، والروح الاتكالية المقيتة لدى ضعفاء النفوس والمستوى، وتعوّد بعضهم على الجاهز في كل شيء، وهذا يتنافى، حسب محدثنا، مع مبادئ ديننا الحنيف ومع الأخلاق والقانون وكافة الأعراف العلمية، متأسفا على تواصل انتشار هذه الظاهرة بسبب التساهل الإداري مع حالات الغشّ وغياب الردع في المجالس التأديبية.

الغشّ.. من استثناء إلى قاعدة وحقّ مكتسب
يرى الدكتور عزّ الدين معزة أن الغشّ في الامتحانات الجامعية أصبح هو القاعدة وليس الاستثناء، وهو سلوك غير سوي وغير أخلاقي للأسف معظم مؤسساتنا التعليمية من الابتدائي إلى الجامعي، لم يعد الهدف الأساسي للتلاميذ والطلبة الجامعيين الحصول على معلومات لتطوير قدراتهم التعليمية والمعرفية، وإنما أصبح همّهم النجاح في الامتحانات والحصول على شهادة لضمان مستقبلهم، وأن ظاهرة الغش في الامتحانات ليست جديدة بل هي قديمة وعالمية، لكن في زماننا هذا انتشرت بشكل خطير، ففي الولايات المتحدة في استبيان حول الغشّ في الامتحانات الجامعية، اعترف 64% من الطلبة بالغشّ في الامتحانات، وهي ظاهرة منتشرة في كل جامعات العالم ولكن بنسب متفاوتة مثلها مثل السرقات العلمية.
أما الدكتور باديس لونيس من قسم علوم الإعلام والاتصال بجامعة باتنة1 فيرى أن فهم ظاهرة الغشّ في الامتحانات الجامعية، يجب ألا ننظر إليها بمعزل عن الحالة العامة التي تعاني منها المنظومة التعليمية والمجتمع عموما؛ فهي، حسب، قوله نتاج تراكمات لا قيمية انتشرت كالفيروس وأصابت كل مناحي الحياة والتعاملات بين الناس وأدخلتنا في مفارقة اجتماعية، حيث صار الغشّ قاعدة مُبررة مستساغة ولا تحيل إلى الاستنكار. وقال الدكتور باديس لونيس في سياقه حديثه للشروق “لقد تراكمت ظاهرة الغش حتى صارت بالنسبة للطلبة وكأنها حق مكتسب وصار البعض للأسف يجد لذلك تبريرات من قبيل (تقصير الأساتذة في تقديم المحاضرات، أو تقصيرهم في الحراسة…إلخ)”. من جانب آخر، يعتقد محدثنا أن أصل المشكلة تكمن في تعطيل القيم كما يسميها مالك بن نبي، فالمتخلق لن يغش مهما كان الوضع من حوله، ومهما توفرت الدوافع. والعكس من ذلك سيجد من لديه القابلية والاستعداد للغشّ لجمع عشرات المبررات لذلك.

طلبة يعتقدون أن نتائج الامتحانات أهم من التحصيل العلمي
وذهب بعض الطلبة في اعترافاتهم الخفية والمكشوفة بأن فلسفتهم مبنية على قاعدة “الغاية تبرر الوسيلة”، ما جعلهم يذهبون إلى حد القول بأن الأهم عندهم هو نتائج الامتحانات قبل التحصيل العلمي، حيث أكد الدكتور عزالدين معزة بأن باحثين أمريكيين درسوا ظاهرة الغشّ في 36 دولة، وحدّدوا بعض العوامل الاجتماعية لتلك الظاهرة منها: مؤشر الفساد في تلك الدول وتأثيره على الغشّ في الامتحانات ــ الظروف الاجتماعية والاقتصادية للبلد ـ يعتقد الطلبة أن نتائج الامتحانات أهم من عملية التعلم، وهذا بغض النظر عن القيم الأخلاقية والدينية.
ويذهب الدكتور محمد جديدي من قسم الفلسفة بجامعة قسنطينة إلى القول بأن الغشّ ظاهرة لا أخلاقية إن على المستوى الفردي أو الجماعي، وهي –حسبه- ظاهرة تعبث بقيم العمل والاستحقاق وتكافؤ الفرص، ونتائجها خطيرة لأنها تفرز حسب محدثنا الرداءة والوصولية والانتهازية واختلال توازن المجتمع. وأضاف الدكتور محمد جديدي بالقول “قبل أن نبحث عن تفسير لظاهرة الغش وأسبابها معروفة، يجب علينا الإقرار بأنها ظاهرة قديمة في كل أطوار التعليم، وكل ما هنالك أنها اليوم استشرت وتفشت بشكل واسع وعلني ساهمت فيه وسائل وأدوات إلكترونية حديثة لم تكن مستخدمة في السابق.

“من نقّل انتقل” شعار يحفز الكثيرين على “احتراف” الغشّ
أوضح الدكتور مختار هواري من قسم التاريخ بجامعة باتنة بأن ظاهرة الغش تعد أحد الأمراض الاجتماعية التي تستشري في المجتمعات التي لا تستند لوازع ديني أو لثقافة وضعية متينة يعتنقها، لذلك نجد ظاهرة الغشّ تنمو مع الفرد في البيئة الاجتماعية التي تحوّل هذا السلوك المشين إلى مظهر للحذاقة، مضيفا بالقول “فلا غرو أن ترى التاجر الغشّاش الذي يقدّم السلعة الجيدة في الأمام ويبيع الرديئة دون الحديث عن الموازين، كما أن الموظف الذي لا يغش في وظيفته يعد عند العامة بالمغفل”.
ومن هنا انتقلت هذه الظاهرة حسب الدكتور مختار هواري إلى المدارس وأصبح الشعار داخل الأقسام “من نقّل انتقل ومن اعتمد على نفسه بقي في قسمه” (أي أعاد السنة)، مضيفا أن هذه الظاهرة أصبحت حذاقة وأحيانا أصبحت مرضا نفسيا يقوم به التلميذ تحديا للحراس وجلب للأنظار، ويصل إلى حد الجهر به خاصة من بعض أعضاء التنظيمات الطلابية التي تدعي –حسبه- الحصانة وتبتز الإدارة بالإضرابات، مشيرا أنه خلال مساره كأستاذ في التعليم الثانوي ثم الجامعي فقد أطر امتحانات كثيرة، وأصبحت هذه الظاهرة مستفحلة لدى الطلبة وبعض النخب في مسابقات الترقية كالنظار والمديرين وغيرهم.

أساليب غريبة للغشّ
وحسب الدكتور بدر الدين زواقة من جامعة باتنة1، فقد وقف على حالات كثيرة وغريبة تصب في خانة الغش في الامتحانات، حيث قال في هذا الجانب “وصل الأمر إلى حد أكل أوراق الغشّ عند اقترابنا من الطالب، كما صادرنا أزيد من 23 هاتفا مرتبطا ببلوتوت متصل بخارج الجامعة”. أما الدكتور علاوة كوسة من المركز الجامعي بريكة فيقول “الغشّاشون في الامتحانات على قدر من الذكاء والحيلة والتحايل، وهم يعاصرون كل الظروف والتكنولوجيات ويستغلون كل المعطيات لتنفيذ خططهم؛ ومن أغرب الحالات التي صادفتنا: الغش من خلال الكتابة على الكمامات الواقية!! وفي المناديل المخصصة للزكام!!، فيما وقف الدكتور إبراهيم بن عرفة هو الآخر على حالات غريبة من بينها الكتابة باللغة الفرنسية لفقرة بالعربية مرقونة بالكومبيوتر وإلصاقها بقلم التصحيح الأبيض “الكوريكتور” وتناقله بين الطلبة والإصرار على استعماله وكأنها كتابة أصلية.
أما الدكتور محمد جديدي فيسرد ظاهرة غريبة قائلا “في إحدى المرات كتبت طالبة فقرات على كفيها وحينما تفطنت للأمر أوقفتها وكتبت تقريرا للإدارة لاتخاذ القرار المناسب من الإجراءات ووددت تعزيز هذا التقرير بالصور لأن آلة تصوير كانت بحوزتي وخشيت أن تمحى الكتابة بفعل حرارة الجو يومها، فطلبت من الطالبة فتح كفيها لأخذ صور وكانت مفاجأتي كبيرة حينما وجدت أن الطالبة استغلت مساحة ذراعيها أحسن استغلال”.

طالبة تغشّ من مصحف صغير وزوجة في خدمة زوجها
وحسب الدكتور باديس لونيس فهناك الكثير من الحالات الغريبة التي وقف عليها أو كشفها الزملاء، ففضلا عن استخدام أحدث التكنولوجيات للغش، هناك مواقف تدخل حسب قوله في إطار الحكمة التي تقول “شر البلية ما يضحك”، وأعطى مثالا لطالب يغش عن طريق “البلوتوث”، وعند اكتشافه اتضح أن من كانت تساعده في ذلك زوجته. مشيرا أيضا إلى حالة أخرى لطالبة تغشّ من مصحف صغير جدا في حجرها، بالإضافة إلى انتشار ظاهرة الكتابة المسبقة على الطاولات والكراسي والجدران، آخرها طالبة اكتشفها وقد كتبت الإجابة على كرسيها، والغريب حسب الدكتور باديس لونيس أن الكتابة تمحورت حول أخلاقيات البحث العلمي، والأغرب من ذلك حسب محدثنا أن “الطالبة تواصلت معي تلومني حين نشرت صورة لتلك الكتابة على صفحتي على الفيسبوك من دون إذنها”.
أما الدكتور هواري مختار فقد قال في هذا الجانب “أمسكت طالبا وضع الأسلاك وبطاريات موصولة بالهاتف كأنه يحمل حزاما ناسفا. وقد استغربت في كيفية تركيبه والوقت الذي استغرقه والذي قد يكفيه في مراجعة تلك الأسئلة البسيطة للامتحان”. مضيفا أن هذه الظاهرة تمس المتحجبات والمتبرجات، وحسب قوله “حين تجد الآيات القرآنية والأحاديث التي تنهى عن الغشّ تسجل على الجدران والطاولات فالأمر جلل”، ما يعني حسب الدكتور هواري أن هذا الفرد فقد معناه.

تساهل إداري وأسئلة اجترارية تسبّبت في استفحال الظاهرة
أما الدكتور مختار هواري فيدعو إلى تفعيل مجالس التأديب، وقال في هذا الجانب “رغم وجود ترسانة من القوانين، لكن في غالب الأحيان لا تطبق بسبب الإملاءات الإدارية وضغوطات اجتماعية وتدخلات مختلفة، ناهيك عن المشاكل التي تنجر عن تطبيق القانون خارج الحرم الجامعي، خاصة بالنسبة للاستاذات اللائي لا يمتلكن الحماية الكافية”، مضيفا أن الأساتذة يتحمّلون أيضا جزءا من المسؤولية لطبيعة أسئلتهم الاسترجاعية التي تساعد على الغشّ دون التركيز على أسئلة الفهم والتركيب والتصنيف، أي الأهداف العليا في صنافة بلوم، داعيا إلى تشديد العقوبات على الغشّاشين خاصة إذا وجد أنه من التنظيمات الطلابية التي يفترض أن تسعى لترقية الجامعة، فلذلك المسؤولية حسب قوله تكون عليها مضاعفة.
أما الدكتور عزالدين معزة فقد دعا إلى تطوير نظام التقويم التربوي من الابتدائي إلى الجامعي، والحرص على تربية الأبناء على القيم الأخلاقية داخل الأسرة وعلى الأسس الدينية الصحيحة، مؤكدا على أهمية تطبيق مناهج أكثر فعالية ونجاعة وجاذبية، كطريقة الحوار والنقاش مع الطلبة، والابتعاد عن الطريقة الإلقائية والإملائية التي أصبحت حسب محدثنا هي السائدة في جامعاتنا ومؤسساتنا التعليمية.

عدم تطبيق القوانين وتورط المنظمات الطلابية أزّم الوضع
من جانب آخر، يذهب الدكتور باديس لونيس إلى القول بأن الحل يمكن في تضافر جميع الجهود لإعادة تفعيل القيم في المجتمع عموما والجامعة خصوصا خاصة وأنها الفضاء الذي يفترض أن يجمع نخبة المجتمع. ثم تأتي صرامة تفعيل القوانين والمجالس التأديبية وتشديد العقوبات وعدم التساهل مع الظاهرة، ويرى الدكتور باديس لونيس أن هذه فرصة لدعوة الطلبة والمنظمات الطلابية على الخصوص للتحلي بالواجبات الأخلاقية والابتعاد عن الضغط على الإدارة للتراجع عن القرارات التأديبية في حق هؤلاء الغشاشين؛ لأن ذلك حسب قوله لا يدخل في إطار الدفاع عن الطلبة بقدر ما يدخل في خانة الدفاع عن السلوكات اللاأخلاقية التي تشجع الغش أكثر فأكثر. في المقابل يرى الدكتور بدر الدين زواقة بأن العلاج الجذري لظاهرة الغش يتطلب إعادة النظر في التعليم الريعي، مع خلق مدن جامعية كبيرة ترتقي بمكانة المعرفة في بلادنا، معتبرا أن جامعة في كل مدينة يعد استنزافا للجهد والمال، ناهيك عن غياب النجاعة.

الغشّ “سرطان” ينهش المنظومة التربوية والجامعية في صمت
يؤكد الدكتور علاوة كوسة بأن ظاهرة الغش خطيرة تنهش المنظومة التعليمية كثيرا، وتفسد الطبائع والأخلاق وتؤثر على التحصيل العلمي وعلى النجباء من الطلبة بشكل أو بآخر؛ مطالبا بتحليل الظاهرة من طرف المتخصصين نفسيا واجتماعيًا وعلميا، للتصدي لهذا الخطر من الجذور، ووجب حسب قوله على الإدارة الضرب بيد من حديد من خلال تفعيل قوانين رادعة لدى المجالس التأديبية بالجامعات، كما يجب على الحراس في الامتحانات التشديد في الحراسة والقيام بالواجب على أساس أداء أمانة وواجب علمي وأخلاقي، مع زرع الوعي لدى الطلبة بضرورة الاعتماد على النفس. أما الدكتور إبراهيم بن عرفة فيرى أن ظاهرة الغش سرطان استفحل في الجامعة بسبب الإهمال والتسيب وعدم الانضباط من قبل الطلبة لكونهم سلموا من العقوبة، ومن امّن العقوبة حسب قوله فقد أساء التصرف، ناهيك عن خوف بعض الأساتذة من الطلبة وعدم تطبيق القانون، لذا وجب حسب الدكتور إبراهيم بن عرفة الرجوع إلى القانون في مثل هذه الحالات لتطبيق أقصى حالات الردع، داعيا في الوقت نفسه إلى تزويد قاعات الحراسة بأجهزة توقيف الشبكة الهاتفية وتكثيف الحراسة وتشديد العقوبة على الغشاش إلى حد الفصل لمدة معينة، مع الاستثمار في التوعية عن طريق محاضرات ومطويات ومنشورات لمكافحة الغش، وتوزيع دفتر ميثاق الطالب على جميع الطلبة والإمضاء على تعهدات بعدم الغشّ والسرقة العلمية للجميع.
وفي السياق ذاته، طالب الدكتور محمد جديدي بتنصيب كاميرات في المدرجات والقاعات وإلزام الأساتذة بأداء واجبهم في المراقبة على أكمل وجه، ومضاعفة العقوبات لمن تثبت في حقهم حالات الغش وكذا وضع أجهزة تشويش على الإنترنت بمحاذاة المدرجات والفضاءات التي يمتحن فيها الطالب.

مقالات ذات صلة