من هنا تبدأ السلطة
المحليات على الأبواب، وعامة الناس لا تعرف لها زمنا ولا محتوى، فقط هي حكايات في بعض مقرات الأحزاب، التي تصاب بالسبات العميق، ولا تعود للحركة، إلا عندما يتم استدعاء الهيئة الناخبة، فيُخرِج هذا من أرشيفه الذي سكن بيت العنكبوت، “سيرته الذاتية” التي تروي ما يسمى بنضاله وتضحياته، ويُخرج ذاك، لسانه ومواهبه في المراوغات السياسية التي بقيت في وضعيات متسللة، لا هدف بعدها، ولا تمريرة حاسمة.
في بلاد كثيرة يبدأ حلم بلوغ منصب رئيس دولة، من منصب رئيس بلدية، ويوجد في العالم حاليا وسابقا، العديد من رؤساء الدول الذين بدؤوا حياتهم السياسية كرؤساء بلديات، ومنهم التركي رجب أردوغان والفرنسي جاك شيراك والإيراني أحمدي نجاد، بل تكاد تكون القاعدة في فرنسا، أن تضم السيرة الذاتية لكل رئيس دولة، مهمة رئيس بلدية سابق، من ساركوزي إلى هالاند.
في حرائق الغابات التي ضربت شمال الجزائر في نهاية شهر أوت الماضي، عرف الأهالي قوة وأهمية منصب رئيس بلدية، خاصة إذا كان نتاج انتخابات نزيهة، قدّم فيها برنامجه وقبِله الناخبون ومنحوه صوتهم، فصار منهم، تحرقه النار إذا أحرقتهم، وتصبح بردا وسلاما عليه، إذا كانت بردا وسلاما عليهم.
الأداء السياسي لمختلف الأحزاب في بلادنا، مازال متعثرا، وأحيانا معدوما، فهم غائبون في القضايا الكبرى، وقد عاشت الجزائر العديد من الأحداث التي أوجعت، فعاشها الناس بجوارحهم، فشارك الأفراد والجمعيات بما استطاعوا من قوة، وغابت الأحزاب، عن عمليات التطوع الكبرى في المناسبات الدينية والاجتماعية والكوارث، وعن حملات مكافحة عصابات الأحياء والتشجير وتعاطي السموم، ولو حتى بندوات وحملات تحسيسية، وذلك أضعف الإيمان.
يوميات المواطن، هي إنارة ونظافة وطرق معبدة ودراسة وعمل وحياة في جو مريح ومنعش، وإذا وجد بلديته ومجلسه الولائي يجتهدان ويقدمان أفكارا جديدة ويسهران على راحته، سيقف إلى جانبهما، ويدعمهما، خاصة في المحن.
تقدم الصحافة الجزائرية ومواقع التواصل الاجتماعي بشكل يومي وساعي، مظاهر التعاون من نقل لمريض إلى بلاد بعيدة، لإجراء عملية جراحية مستعصية تتطلب الملايير، وبناء سكنات متضررة ونقل فقراء وأيتام إلى البقاع المقدسة، وفي كل مرة نجد الهبّة الشعبية بلمسة مدنية أو جمعوية، من دون أحزاب ولا منتخبين ولا هم… يتسيّسون.
لو تتمكن الجزائر من سلطة وشعب، من وضع الجماعات المحلية على السكة الصحيحة، فتقدم الأحزاب ومناضليها برامج تنموية في كل قرية ومدينة، ويتبناها المواطنون بمنح أصواتهم، لمنتخبين، يحوّلون وعودهم إلى واقع ملموس، فإننا سنكون قد بنينا الأساس، ويصبح التعمير أسهل وعلى أسس قوية، حينها، سيصبح على قدر أهل العزم تأتي العزائم، ويدخل المواطن ساحة ممارسة الاقتراع ويتحوّل إلى قاض وحاكم بصوته، على جهد هذا وخمول ذاك، وحينها فقط، كلما استدعى الرئيس الهيئة الناخبة، تحرك الشعب قبل الأحزاب.