الرأي

من هو رئيس 48.30 بالمائة من الجزائريين؟

الذين اعتبروا نسبة المقاطعة، التي بلغت نصف الوعاء الانتخابي، عادية، وراحوا يقدّمون أرقاما من الانتخابات في فرنسا والولايات المتحدة الأمريكية مشابهة لما حدث عندنا، في مقارنة غير عادلة ولا منطقية مع ما حدث في الجزائر، هم بالتأكيد مخطئون أو مغالطون للشعب، أو جاهلون أصلا، لأن في العالم الغربي لا توجد عهدات انتخابية لا نهاية لها، ولأن الجزائر وفّرت إمكانات كبرى لأجل أن يتوجه الجزائريون إلى مكاتب الاقتراع التي فاق عددها ما توفره فرنسا والولايات المتحدة حسب السيد رحابي. ومنحت الشعب كله راحة مدفوعة الأجر، ولم يبق أمامها سوى نقل الصندوق إلى بيته أو إلى المقهى وتدفع له مقابلا ماديا، لأجل أن يختار مرشحها أو بقية أرانب السباق.

 ومع ذلك امتنع عن التصويت، ليس استجابة لدعاة المقاطعة من مختلف الأطياف، وأغلبهم شاركوا في انتخابات سابقة، ونأى عنهم الشعب بجانبه، وإنما لأن حبل الثقة انقطع بين الجزائريين ومؤسساتهم، منذ زمن طويل، وكثيرون صاروا مقتنعين بأنهم سيكونون أرانب وممثلين في مسرحية معروفة النهاية، مثل المتسابقين في سباق، الفائز فيه والخاسر سواء.

لم يتمكن التلفزيون الجزائري الرسمي برغم اجتهاداته ورصده لطاقم عرمرم من الإعلاميين والمصورين يوم الخميس، من التقاط إلا النادر من صور الشباب في المدن وهم يتوجهون إلى مراكز الانتخابات، وكانت الصور المُقدمة هي عروض أزياء لعجائز ارتدى غالبيتهم “الشاش والقندورة” وما شابه ذلك.. ولولا النساء والشيوخ لما تمكن النظام من أن يزاحم بنسبة المنتخبين نسبة المقاطعين، وعلى النظام الذي فاز بالانتخابات برئيس مُقعد، أن يفكر في الشعب “المقعد” الذي يحكمه، وأن يبدأ يرمّم الجسور المحطمة، وأن يظهر وجوها جديدة غير المحنطة التي أساءت إلى النظام خلال الحملة الانتخابية، التي كانت سببا في عزوف المواطنين عن الانتخاب وبلغت نسبة المقاطعة نفس نسبة المشاركة.. إن كانت الأرقام صحيحة أصلا.

الذين شاركوا في التصويت هم جزائريون آمنوا بالطبق الذي قدمه لهم النظام، والذين قلبوا الطاولة ولم ينظروا إلى الطبق، هم من الذين قرّروا صوم الدهر كله، وهم أيضا جزائريون وجب على النظام أن يمدّ لهم يده، أو ينسحب حتى لا يتركهم خارج مجال الحياة الاجتماعية والسياسية، حتى لا يكون لهم رئيس آخر هو اليأس، الذي إذا دخل قرية أفسدها وجعل أعزة أهلها أذلة.

كثيرون من الذين ناصروا الرئيس وابتهجوا بتأكيد بلوغه العهدة الرابعة خرجوا في احتفالات إلى الشوارع، وكثيرون من الذين راهنوا على فوز بن فليس أو غيره من المرشحين ابتلعوا خيبتهم. أما الطامة الكبرى فهي نصف الشعب الذي بقي كاظما غيظه، لا هو مع الضاحكين ولا هو مع الباكين، وهي الحالة المخيفة، لأن خروج المرء عن الحياة بحلوها ومرها أصعب المراحل التي تمرّ بها الشعوب، وقد يتحوّل إلى حزب يقلب الطاولة على الجميع، فقد قيل دائما: إن الخوف لا يكون من المتكلم.. وإنما من الصامت. 

مقالات ذات صلة