تقرير أمني سلم لرئيس الجمهورية والوزير الأول يكشف :
مهربون يهاجمون حرس الحدود لتحرير الموقوفين وتهريب المحجوزات
حذر تقرير أمني رفيع من “التنامي المستمر والخطير” لعمليات العنف والاعتداءات الممارسة بشكل جماعي ومنظم ضد عناصر ومراكز ودوريات حرس الحدود، خلال أداء مهامهم، من طرف عصابات وشبكات التهريب وتجارة الممنوعات، ما خلف نتائج خطيرة على الاقتصاد والأمن والاستقرار في هذه المناطق الحدودية “خاصة في هذه الظروف الاستثنائية”، في إشارة إلى التحولات السياسية والأمنية الكبيرة التي أفرزتهما الأحداث الجارية في تونس وليبيا.
-
التقرير المطول، الذي اطلعت عليه “الشروق”، سلمته قيادة الدرك الوطني مؤخرا إلى رئيس الجمهورية والوزير الأول، وقال إن الظاهرة عرفت في السنوات الأربع الأخيرة زيادات خطيرة “توجب تدخل الدولة لاتخاذ إجراءات عاجلة ومناسبة” على المستويات الأمنية والاقتصادية والاجتماعية في المناطق الحدودية للبلاد. وخلفت الاعتداءات إصابات مختلفة للعديد من عناصر حرس الحدود مع تحطيم السيارات الأمنية.
-
وسجل التقرير في المجموع 36 اعتداء جماعيا على حرس الحدود ودورياتهم ومراكزهم خلال تلك الفترة، أخذت غطاء حركات احتجاج جماعية عنيفة حاصرت المراكز والدوريات الأمنية، وتطورت إلى اعتداءات جسدية ولفظية مصحوبة بالتهديد لأجل إجهاض تدخل حرس الحدود ضد عصابات التهريب وتجارة الممنوعات، ولأجل الضغط لإطلاق سراح الموقوفين وإعادة السلع والمواد ووسائل النقل المحجوزة، وقذف الحجارة واستعمال الزجاجات الحارقة وحتى الأسلحة البيضاء، وقطع الطرق، لمنع دوريات حرس الحدود من ملاحقة سيارات التهريب.
-
وقال إنه في الحالات المذكورة كانت عمليات العنف منظمة من طرف مجموعات يتراوح عدد أفرادها ما بين 30 و150 شخص، يحملون في الغالب أسلحة بيضاء، وفي حالات أخرى وصل عددهم إلى 200 و300 شخص، مدعومين بمواكب من أكثر من 15 سيارة لنقل وتعبئة المحتجين الذين يأتون للمطالبة بإطلاق سراح المهربين والعصابات الموقوفة، وسجل التقرير في أمّ البواقي وتبسة تطور أشكال الاعتداء إلى تنظيم حركات احتجاجية من أفراد عصابات التهريب وأقربائهم حاملين أسلحة بيضاء قاموا باقتحام مصالح الاستعجالات في المستشفيات لأجل تحرير العناصر التي كانت تعالج تحت الرقابة الأمنية بعد أن أصيبت خلال عملية مطاردتها على الحدود.
-
-
علاقة تضامنية بين عصابات التهريب
-
ويعترف التقرير أن الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية وتفشي البطالة وأيضا الفساد والبيروقراطية اللذين ينخران جسم الإدارة المحلية وباقي مؤسسات الدولة المكلفة بمساعدة المحتاجين وتوفير فرص العمل، كانت السبب الرئيسي وراء زيادة التهريب والمهربين، الذين يقولون إن التهريب يشكل للعديد منهم مصدر الدخل والعيش الوحيد، ويورد أن نسبة البطالة تصل على الشريط الحدودي لولاية تبسة لوحدها مع تونس، إلى 17 بالمائة من تعداد مَنْ هم في سن العمل، وهو ما يفسر بحسب التقرير أن هذه الاعتداءات المتكررة من طرف مجموعات من الجانحين أصبحت أكثر فأكثر عديدة على طول الشريط الحدودي شمال شرق البلاد، وتعرف كثافة خاصة على مستوى ولاية تبسة، أين سجل 23 اعتداء على حرس الحدود بعد قيامهم بحجز مواد ممنوعة بحد ذاتها أو أن نقلها عبر الحدود مع تونس جرى بطريقة غير قانونية.
-
وتراوح متوسط سن المنظمين والمشاركين في تلك الاعتداءات ما بين 18 و40 سنة، أغلبيتهم متزوجون ولهم أطفال وبطالون، ومستواهم التعليمي لا يتجاوز الإبتدائي، وأغلبهم له سوابق قضائية في قضايا التهريب وتجارة الممنوعات، ويقيمون على طول الحدود، وينقل عن إفادات بعضهم أنهم لا يعتبرون إطلاقا تهريب مواد مدعومة من الدولة لبيعها خارج البلاد، نشاطا غير قانوني، وأن تلك طريقتهم كي يستفيدوا من نصيبهم في عائدات البترول، وأن ذلك ما يبرر العنف الذي يواجهون به تدخل حرس الحدود في نشاطهم.
-
أما عن شكل وطبيعة هذه العصابات، تشمل عملا فرديا أو عائليا معزولا، كما تضم نشاط شبكات قوية ومنظمة وواسعة الانتشار، يقول التقرير الأمني، مضيفا أن ما أصبح يميزها أكثر فأكثر هو وجود علاقة تضامنية ما بين أفرادها في مواجهة التدخل الأمني، تتغذى من المصلحة المالية المشتركة ومن التركيبة القبلية التي تميز المنطقة، هذا يقوي أكثر الطابع العنيف لرد فعلها ويعرقل كثيرا التحقيقات الأمنية في تلك القضايا.
-
-
الوقود يغطي نصف نشاط التهريب
-
واعتبر التقرير الأمني أن التعديلات التي أدخلت العام 2005 على النصوص القانونية الخاصة بمكافحة التهريب والجريمة المنظمة العابرة للحدود، كان لها الأثر الكبير والمباشر في التحولات العنيفة لردود فعل المهربين على مصالح الأمن وحرس الحدود، لسببين: يتعلق الأول بتشديد عقوبة السجن ورفعها إلى 10 سنوات في حق عصابات التهريب مع تغريم أفرادها ما قيمته 10 مرات قيمة البضاعة المحجوزة، بما فيها سيارات النقل، وإخراج تلك المخالفات من دائرة التهم التي تسقط بالتقادم، لكن ذلك لم يمنع عصابات التهريب من المخاطرة، نظرا للزيادة الكبيرة في أسعار الوقود ومشتقات النفط المهربة إلى دول الجوار، خاصة تونس والمغرب، أضيفت إليها تداعيات الأزمة الليبية، حتى أن الوقود المهرب أصبح يباع في تلك الدول بأربعة أضعاف سعره المدعم في السوق الوطنية.
-
وزاد احتكاك دوريات حرس الحدود بشبكات التهريب مع المخطط الأمني الذي ضاعف من عدد مراكز الأمن والمراقبة على الحدود وكثف من الدوريات مجهزة بوسائل نقل مناسبة وأجهزة الرؤية الليلية، حجوزات الوقود المهرب زادت في المناطق الحدودية بنسبة 40 بالمائة، وهذا دفع المهربين التقليديين للعجائن والحلويات التونسية إلى التحول لتهريب الوقود، كما هو الشأن للكثير من المزارعين الذين حولوا منازلهم الخاصة مكانا لتخزين الوقود الموجه للتهريب، واختفت سيارات التهريب التقليدية من نوع “بيجو 504″ و”رونو 25” لتترك مكانها لسيارات رباعية الدفع حديثة من نوع “هيليكس طويوطا” تشترى يقيمة 220 مليون سنتيم، ويمكن أن تنقل 1800 لتر من المازوت في حمولة واحدة تجلب ربحا ماليا صافيا لصحابها يصل إلى 13 مليون سنتيم، في عملية واحدة.
-
-
مناطق خارج القانون باسم “الحرمة”
-
ويتحدث التقرير عن خطورة ظاهرة جديدة استحدثها السكان الذين توجد منازلهم بمحاذاة الشريط الحدودي، وهي مد سياج طويل وواسع من السواتر الترابية حولها، لأجل تأمين منافذ تهريب تصل طرفي الحديد ما بين الجزائر ودولة الجوار الأخرى، يصل طول تلك السواتر إلى مترين وتمتد على طول قد يصل إلى كيلومتر واحد، لا يمكن الدخول إليها سوى عبر بوابتين مغلقتين بسلاسل حديدية تقع إحداها فوق التراب الجزائري والأخرى فوق تراب دول الجوار، ويمنع أصحابها مصالح الأمن من دخولها بدعوى “الحرمة” العائلية، غير أنها تؤجّر لعصابات التهريب مقابل مبالغ مالية كبيرة على شكل “حقوق مرور”، وعجزت السلطات عن إزالة هذه السواتر الترابية بسبب تهديد أصحاب ممرات التهريب الآمنة لسائقي وأصحاب الآليات التي يمكن أن تستخدم في العملية.
-
ويقترح التقرير جملة من التوصيات والتدابير لمواجهة الظاهرة، ذات طابع أمني واجتماعي واقتصادي، بدءاً مما يسميه “ممارسة دولة القانون وإعادة سيادة الدولة” إلى المناطق الحدودية وإعادة وضع منطقة أمنية على الخط الحدودي يمنع البناء فيها ما وارء المراكز المتقدمة لمجموعات حرس الحدود، وتنصيب لجنة وزارية للمراقبة والمتابعة، وخلق اقتصاد محلي نشط يمتص البطالة ويوفر فرص العمل، دعم المؤسسات المحلية ومراجعة انتشار محطات البنزين الواقعة بالقرب من الخط الحدودي، وليس أخيرا التفاوض مع الطرف التونسي حول إمكانية بناء محطات توزيع الوقود على الجهة التونسية من الحدود يجري تموينها من الجزائر لتقنين تجارته.