الجزائر
"الشروق" داخل محاكاة تكوينية بالمدرسة العليا البحرية في تمنفوست:

مواجهة العواصف والنار ومطاردة “الحراقة”… هكذا يتدرب ضباط البحر!

إيمان كيموش
  • 413
  • 0
ح.م

في تمنفوست شرق العاصمة، وعلى شاطئ له تاريخ بحري كبير في الجزائر، تفتح المدرسة العليا البحرية، اللواء المجاهد محمد بوتيغان، أبوابها للتكوين العسكري البحري، هنا، لا يقتصر التعليم على الدروس النظرية فقط، بل يتدرب الطلبة داخل محاكيات حديثة تشبه الواقع الحقيقي في البحر، يتعلم المتربصون كيف ينقذون الأرواح في البحر، ويطفئون الحرائق التي قد تندلع على السفن، وكيف يتعاملون مع الحالات الطارئة مثل مطاردة قوارب “الحراقة”.
كما يتدرب ضباط البحر على قيادة السفن في ظروف صعبة، داخل أجهزة تحاكي البحر الحقيقي بكل تفاصيله، من الأمواج والعواصف إلى الملاحة بين الموانئ الجزائرية والأجنبية والممرات والمضايق البحرية الدولية مثل جبل طارق وقناة السويس وغيرها.

العميد بلحمد: مستويات متقدمة في تحديث البرامج والتكوين وفق التحديات الجديدة

على وقع نسيم البحر في تمنفوست شرق العاصمة، كانت عقارب الساعة تشير إلى الثامنة تماما حين دخلنا بوابة المدرسة العليا البحرية، المجاهد اللواء محمد بوتيغان، في زيارة إعلامية بدت منذ لحظاتها الأولى مختلفة في تفاصيلها وثرائها، كان في استقبالنا العميد قائد المدرسة، عرابي بلحمد، الذي افتتح اليوم بكلمة ترحيبية رسمت الإطار العام لهذا النشاط الاتصالي، مؤكدا أنه يندرج ضمن سياسة الانفتاح التي تنتهجها المؤسسة العسكرية لتعزيز جسور التواصل مع وسائل الإعلام، وتعريف الرأي العام، عبرها، بهياكل الجيش الوطني الشعبي، خاصة القوات البحرية.


تحدث العميد عن التطور الذي عرفته المدرسة، من حيث الوسائل البيداغوجية التي تدعمت بها، والتي تسمح بتكوين طلبة قادرين على التخرج بمستوى عال، والالتحاق مباشرة بوحدات القوات البحرية بكفاءة وجاهزية، كما شدد على تنوع التكوين الذي يشمل مختلف الرتب، وعلى أهمية هذا النوع من اللقاءات في خلق قنوات تواصل فعالة مع الأسرة الإعلامية، قبل أن تنطلق بنا الجولة لاكتشاف هذا الصرح عن قرب.
بدأت الزيارة بعرض تعريفي شامل عن المدرسة ومحيطها التاريخي، حيث يقع هذا الصرح بتمنفوست، التي تعني “الجهة اليمنى” لتموقعها شرق العاصمة وعلى بعد نحو 35 كيلومترا منها، في منطقة ضاربة في عمق التاريخ، تعاقبت عليها حضارات الفينيقيين والوندال والقرطاجيين، ثم العثمانيين وصولا إلى فترة الاستعمار، ولا تزال آثار تلك الحقب قائمة، من الحمامات الرومانية إلى الحصن العثماني ثُماني الأضلاع، الذي شهد اجتماعات مقاومة في بدايات الاحتلال الفرنسي، حسب الشروحات التي تلقتها “الشروق” من إطارات المدرسة.

مدرسة تصنع القباطنة… من أول دفعة إلى أحدث المُحاكِيَات
وفي هذا السياق التاريخي، جاء تأسيس المدرسة التي مرت بعدة مراحل، حيث أنشئت المدرسة البحرية الوطنية سنة 1966، وشهدت سنة 1983 انطلاق تكوين أول دفعة للطلبة الضباط، قبل أن تُدشّن رسميا كمدرسة عليا بحرية في 4 جويلية 1988 من طرف الرئيس الشاذلي بن جديد، وفي 2014، حملت اسم اللواء المجاهد الراحل محند بوتيغان، تخليدا لمسيرته.


من حيث التنظيم، تتشكل المدرسة من قيادة مركزية تتفرع عنها عدة مديريات ومصالح، حسب الشروحات التي تلقيناها هناك، أبرزها مديرية التعليم التي تشرف على التكوين والتدريب، ومديرية الإدارة والإسناد، إضافة إلى فوج الحماية، أما مهامها، فتشمل تكوين الضباط في مختلف المراحل، من التكوين الأساسي إلى التخصصي، مرورا بالتكوين البحري التطبيقي والتدريب على أنظمة السفن الحديثة.
داخل مبنى التدريس، اكتشفنا شبكة متكاملة من الوسائل البيداغوجية، من بينها 14 مخبرا متخصصا، تشمل الديناميكا الحرارية والكيمياء واللغات، إلى جانب قاعات إعلام آلي مجهزة بأحدث الوسائل، ومدرجات وقاعات إنترنت، غير أن أبرز ما شدّ الانتباه هو منظومة المحاكاة المتطورة، وعلى رأسها محاكي الملاحة، الذي يُعد بيئة افتراضية تحاكي قيادة السفن في مختلف الظروف.
كما تعرفنا على القبة الفلكية، التي تساعد الطلبة على فهم الظواهر الفلكية المرتبطة بالملاحة، ومحاكي النظام العالمي للسلامة البحرية، الذي يدرّبهم على التعامل مع نداءات الاستغاثة، أما المحاكي التكتيكي، فيُستخدم لتجسيد خطط اتخاذ القرار في ظروف عملياتية.
في مجال التكوين البحري، يبرز مركز التكوين البحري كفضاء تطبيقي حيوي، حيث يتدرب الطلبة على مختلف الأنشطة، من تسلق سارية التدريب إلى السباحة والتجديف والرياضات الشراعية، وقد اطّلعنا على مشاركات دولية لفرق المدرسة، آخرها في الهند نهاية 2025، فيما يشارك نفس الفريق حاليا في منافسة بإيطاليا.
أما التكوين البدني والعسكري، فيدعمه توفر مرافق متكاملة تشمل مسبحا وقاعة متعددة الرياضات وملعب كرة قدم ومنصة رمي، إضافة إلى مرافق معيشية تضمن راحة الطلبة من مطاعم وغرف إقامة.
وفي جانب التكوين الأكاديمي، يمر الضابط بعدة مراحل تبدأ بتكوين أساسي مشترك مع الأكاديمية العسكرية بشرشال، ثم تكوين متخصص في مجالات الملاحة والاتصالات والميكانيك البحرية والإدارة، قبل أن يخوض مرحلة التطبيق على متن السفن، خاصة السفينتين المدرسيتين “الصومام 937” و”الملاح 938″، اللتان تجوبان مئات الأميال سنويا عبر موانئ وطنية وأجنبية، من روسيا إلى النرويج وغيرها من المحطات، في رحلات علمية وتكوينية.
ولم تغفل المدرسة التكوين المستمر، حيث توفر مسارات للضباط تشمل دورات إتقان ودراسات عليا، كما تستقبل متربصين من عدة دول شقيقة وصديقة، ما يعكس بعدها الدولي، وخلال النقاش مع العميد، طرحنا سؤالا حول مواكبة التكوين للتحديات الراهنة، خاصة ظاهرة الهجرة غير الشرعية ومطاردة قوارب “الحراقة” مثلا، فأكد أن البرامج يتم تحديثها دوريا لتتلاءم مع المستجدات، مع إشراك الطلبة في خرجات ميدانية وتربصات لدى وحدات حرس السواحل، إضافة إلى مشروع إنشاء معهد متخصص في هذا المجال.

في قلب مُحاكي الملاحة يتعلم الضباط قيادة السفن وسط العواصف
بعد هذا الشق النظري، دخلنا مرحلة التطبيق، وكانت البداية مع محاكي الملاحة، حيث قدّم الرائد عبيدة عدة عرضا تفصيليا، يضم المحاكي قاعدة بيانات تشمل أكثر من عشرين منطقة بحرية، من موانئ الجزائر إلى مضايق دولية كجبل طارق وقناة السويس، وصولا إلى سنغافورة والبحر الجنوبي للصين، جلسنا داخل قمرة قيادة تحاكي تماما الواقع، نتابع تمرين خروج أربع فرقاطات من الميناء وسط أمواج عالية، حيث شعرنا وكأننا فعلا في عرض البحر.


كل الاتصالات كانت باللغة الإنجليزية، وفق قواعد دولية موحدة، مع احترام دقيق لقوانين الملاحة، مثل اتفاقية “سولاس” للسلامة البحرية، التي أقرتها الأمم المتحدة بعد كارثة “تيتانيك” لإنقاذ الأرواح، وكان المتربصون من جنسيات مختلفة يديرون المناورات بدقة، من تحديد السرعة إلى التواصل بين السفن.
وفي هذا السياق، لم تقتصر المحاكاة على التكوين الداخلي فقط، بل تعكس أيضا جاهزية القوات البحرية الجزائرية للتعامل مع السيناريوهات الحقيقية في البحر، فقد نفذت قيادة القوات البحرية بالواجهة البحرية الغربية بالناحية العسكرية الثانية تمرينا استعراضيا تخصصيا بعنوان “مساعدة سفينة في خطر ومكافحة التلوثات البحرية”، بحضور ملاحظين أجانب وإطارات من مختلف القطاعات الوزارية، في محاكاة عملية تعزز البعد الدولي للتكوين البحري.
ويأتي هذا التمرين ليجسد التزام الجزائر بالمعاهدات الدولية وحرصها على صون سلامة الملاحة البحرية، إلى جانب تأكيد دورها الريادي كطرف فاعل في حماية البيئة البحرية بالحوض الغربي للبحر الأبيض المتوسط، كما تبرز أهميته في كونه يستهدف منطقة استراتيجية حساسة تضم موانئ كبرى ومسالك شحن بحرية دولية حيوية.
ثم بعد ذلك انتقلنا إلى قاعة المتدربين، حيث يتم التحكم في كل تفاصيل التمرين، من حالة الطقس إلى حركة السفن، ومراقبة الأداء عبر كاميرات وأنظمة متطورة.
خلال هذا التمرين، لم نكن مجرد متفرجين، بل تابعنا سير السيناريو خطوة بخطوة كما يُنجزه المتربصون فعليا، كنا نتابع كيف يتعامل المتربص مع شاشة الرادار وأجهزة الملاحة، وكيف يضبط اتجاه السفينة ويصحح المسار عند تغير الظروف، فجأة، تم إدخال عنصر مفاجئ في التمرين، حيث ارتفعت الأمواج وتغيّرت حالة الطقس، ما فرض على المتدربين تعديل قراراتهم بسرعة، والتواصل فيما بينهم لتفادي أي خطر اصطدام أو انحراف، في محاكاة دقيقة لما قد يحدث فعليا في عرض البحر.
أما الهدف من هذا النوع من التدريب، فيكمن في نقل الطالب من المعرفة النظرية إلى الممارسة الواقعية من دون المخاطرة بالسفن الحقيقية، فالمحاكي يتيح تكرار نفس السيناريو عدة مرات، مع تغيير المعطيات في كل مرة، ما يُكسب المتربص قدرة على اتخاذ القرار في الوقت المناسب، خاصة في الحالات الطارئة مثل إنقاذ غريق أو تفادي حادث بحري، كما يدرّبهم على العمل الجماعي داخل قمرة القيادة، واحترام لغة الاتصال الموحدة وقواعد التخاطب الدولية، وهو ما يجعلهم جاهزين للاندماج مباشرة في الوحدات البحرية والعمل ضمن أطقم متعددة الجنسيات، بنفس المعايير المعتمدة عالميا.

بين النار المشتعلة وتسربات المياه… لحظة الحقيقة للمتربصين
بعد ذلك، وفي الهواء الطلق، تغيّر إيقاع الزيارة كليا، حيث انتقلنا من القاعات إلى فضاء التدريب الحقيقي، أمامنا ارتفعت سارية التدريب، بعلو يقارب 50 مترا، شامخة كأنها تحاكي صواري السفن في عرض البحر، وقف الطلبة في الأسفل في تشكيل منظم، قبل أن تُعطى إشارة الانطلاق، فيبدأ التسلق بشكل جماعي ومدروس، لم يكن الأمر مجرد صعود، بل تمرين دقيق على التوازن والانضباط، حيث يتقدم كل عنصر وفق موقعه، مستندا إلى الحبال والعوارض الحديدية، إلى غاية الوصول إلى مستويات عالية لفتح الأشرعة المثبتة على العوارض الأفقية، من الأسفل، بدا المشهد مزيجا من الجرأة والتركيز، خاصة مع عامل الارتفاع والرياح، وهو تدريب أساسي يسبق خوض الحملات البحرية، ويكسب الطلبة الثقة في التعامل مع الصواري في الظروف الحقيقية شارك فيه نساء ورجال.


وبمجرد انتهاء هذا العرض، توجهنا نحو مركز التدريب على أمن السفينة، حيث دخلنا عالما آخر من التحديات، داخل هذا الفضاء، لا مجال للخطأ، لأن كل تمرين يحاكي سيناريوهات قد تكون مسألة حياة أو موت في البحر، تابعنا تمرينا حيا لمحاكاة تسرب المياه داخل سفينة، حيث بدأ السيناريو بدخول مفاجئ للمياه إلى إحدى المقصورات، تزامن مع “إصابة” أحد أفراد الطاقم، في اللحظات الأولى، ركز الفريق على إجلاء المصاب وفق إجراءات دقيقة، قبل الانتقال بسرعة إلى تحديد مصدر التسرب، كان المتدربون يعملون تحت ضغط الوقت، يحددون نوع الثغرة، ثم يختارون الوسيلة المناسبة لسدها، باستعمال دعامات وألواح خشبية تُثبت بإحكام لوقف تدفق المياه. وبينما كان العمل جاريا، تم إدخال عنصر مفاجئ آخر باكتشاف تسرب ثان، ما أجبر الفريق على تقسيم الجهود والتدخل في موقعين مختلفين، إلى غاية التحكم الكامل في الوضع وتجفيف المقصورة.
ولم يختلف الحال في تمرين مكافحة الحرائق، الذي عكس بدوره مستوى عال من الجاهزية، هنا، تعرفنا ميدانيا على مراحل التدخل الثلاث، بداية بالإطفاء الفوري من طرف أول عنصر يتواجد في موقع الحريق، ثم وصول الفرقة المناوبة خلال دقائق معدودة وهي مجهزة بأجهزة تنفس عازلة ولباس واق، وأخيرا تدخل فريق الدعم لاستكمال العملية، شاهدنا كيف يتم التعامل مع أنواع مختلفة من الحرائق، سواء في الأماكن المغلقة أو المفتوحة، حيث يستخدم الماء للتبريد في بعض الحالات، فيما تعتمد الرغوة لعزل المادة المشتعلة عن الأوكسجين في حالات أخرى.
كما لفت انتباهنا نظام استرجاع المياه المستعملة ومعالجتها داخل المركز، في خطوة تعكس الحرص على ترشيد الموارد حتى في خضم التمارين.
واختتمت الجولة في الرصيف البحري، وهو فضاء تطبيقي لا يقل أهمية عن باقي المرافق، رغم أن عمقه لا يتجاوز 1.5 متر، هنا، يتحول التدريب إلى ممارسة يومية لمهارات البحار الأساسية، من قيادة القوارب الشراعية إلى التجديف بقوارب “الكاياك”، وصولا إلى الغطس والصيد تحت المائي، تابعنا الطلبة وهم يتعاملون مع الحبال والأشرعة واتجاه الرياح، في تناغم واضح يعكس خبرة مكتسبة بالتدريب المتواصل، هذه الأنشطة لا تقتصر على التكوين فقط، بل تمتد إلى المشاركة في المنافسات الوطنية والدولية، حيث تمثل فرق المدرسة الجزائر بصورة مشرفة، وهو ما تؤكده النتائج التي حققتها مؤخرا في عدة تظاهرات بحرية.

بابا عروج وخير الدين بربروس في قلب المدرسة البحرية
في نهاية الزيارة، وقبل مغادرتنا المدرسة، توجهنا إلى فضاء هادئ داخل هذا الصرح، هناك وجدنا سجلا ذهبيا تُسجل فيه زيارات الوفود، إلى جانب بعض الهدايا التذكارية التي تركها زائرون مروا من هنا، كان المكان بسيطا، لكنه يحمل طابعا خاصا، وكأنه يختصر كل ما شاهدناه خلال اليوم.
وعند مدخل تلك القاعة، شد انتباهنا تمثال بابا عروج وخير الدين بربروس، واقفان بثبات، وجودهما لا يبدو مجرد عنصر تاريخي، بل يعبر عن ارتباط واضح بتاريخ البحر في الجزائر، وعن الاستمرارية بين هذا الإرث والتكوين الحالي داخل المدرسة.
ومع لحظة المغادرة، كانت الصور التي رأيناها خلال اليوم ما تزال حاضرة، محاكاة قيادة السفن داخل القاعات، الطلبة في سارية التدريب، وتمارين الإنقاذ ومكافحة الحرائق، تفاصيل كثيرة اجتمعت لتعطي فكرة واحدة واضحة، هنا يتم تكوين ضباط بحر في ظروف قريبة جدا من الواقع، بخطوات عملية يومية..
وهكذا انتهى يومنا في المدرسة العليا البحرية بتمنفوست، يوم كشف جانبا عمليا من التكوين داخل هذا الصرح العسكري، في سبيل خدمة الوطن، وصون سيادة الجزائر.

مقالات ذات صلة