الجزائر
سيارات بسرعة "الرالي" وخيول على الطرقات الوطنية

مواكب الأفراح… مخالفات مرورية واستعمال عشوائي للبارود

مامن. ط
  • 108
  • 0
ح.م
تعبيرية

في السنوات الأخيرة، تحوّلت بعض مظاهر الاحتفال بالأعراس والمناسبات الاجتماعية، في عدد من ولايات الوطن، خاصة في المدن الكبرى، إلى ظاهرة سلبية باتت تثير استياء المواطنين، ومستعملي الطرقات، بعد أن خرجت عن إطار الفرح العائلي وتحولت إلى سلوكيات فوضوية تهدد السلامة العامة وتعطل حركة المرور، بل وقد تشكل خطراً مباشراً على حياة المرضى والحالات الاستعجالية.
وتتمثل هذه الظاهرة في قيام مواكب السيارات المعروفة محلياً بـ”الكورتاجات”، بغلق الطرقات بشكل كامل، سواء داخل المدن أو على الطرق الوطنية، مع توقف المركبات وسط الطريق ونزول الركاب منها للرقص وإطلاق الزغاريد والألعاب النارية وحتى البارود أحياناً، في مشهد يتكرر بشكل شبه يومي خلال موسم الأعراس والمناسبات التي بدأت في شهر ماي الحالي، من دون مراعاة لحقوق بقية مستعملي الطريق أو للحالات الإنسانية والاستعجالية التي قد تكون عالقة خلف هذه المواكب.
ورغم أن الاحتفال بالأعراس يعد جزءاً من العادات والتقاليد الاجتماعية، التي تميز المجتمع الجزائري، إلا أن ما يحدث اليوم تجاوز حدود الفرح المقبول، ليصل إلى حد احتلال الطريق العام، خاصة عندما يتم غلق المحاور الرئيسية والدورانات الحيوية لدقائق طويلة، وأحياناً لنصف ساعة كاملة، في ظل عجز المركبات الأخرى عن المرور.
ولا تكتفي بعض المواكب بالسير البطيء أو إطلاق المنبهات، بل تتعمد التوقف الكلي وسط الطريق، مع تشغيل الموسيقى بصوت مرتفع ونزول عشرات الأشخاص للرقص، الأمر الذي يتسبب في اختناق مروري كبير، خصوصاً في الفترات المسائية أو داخل الأحياء الشعبية المكتظة.

سيارات إسعاف عالقة… وحياة مرضى على المحك
أخطر ما في هذه الظاهرة، هو تأثيرها المباشر على الحالات الاستعجالية، وفي مقدمتها سيارات الإسعاف التابعة للمؤسسات الصحية أو لمصالح الحماية المدنية، التي تجد نفسها أحياناً محاصرة وسط هذه المواكب، من دون أن تتمكن من التقدم أو العودة إلى الخلف.
وقد تداول مواطنون في أكثر من ولاية مشاهد لسيارات إسعاف عالقة وسط “كورتاجات” الأعراس، رغم تشغيل المنبهات الصوتية ومحاولات السائقين فتح الطريق، غير أن الفوضى والعشوائية حالت دون ذلك، وهو ما يطرح تساؤلات جدية حول مدى وعي بعض المحتفلين بخطورة ما يقومون به، آخرها فيديو من ولاية خنشلة، لسيارة إسعاف كانت تقل مريضا في الخمسين من العمر، في حالة خطيرة، لم يتمكن السائق من اجتياز المركبات رغم المحاولات المتكررة، واتضح لاحقا أن الضحية توفي قبل وصوله للمستشفى، وسط صدمة واستنكار كبيرين، وتوبع الفاعلون بتهمة القتل من دون قصد الفعل، حيث تكون عادة دقائق التأخير في الحالات الاستعجالية، كافية لفقدان المريض لحياته، أو تعريض امرأة حامل أو مصاب في حادث مرور لمضاعفات خطيرة، خاصة في الحالات التي تستوجب التدخل السريع أو الإنعاش الطبي العاجل. وهذا من دون الحديث عن مراهقين تعودوا في المواكب الخروج من نوافذ السيارات، والرقص في وضعيات بمنتهى الخطورة، أما عن السرعة المستعملة والانحراف يمينا وشمالا، عن قصد بالسيارة، فإن أمرها تجاوز الصبر عليها.

تجاوزات خطيرة وسلوكيات متهورة
ولا تتوقف خطورة الظاهرة عند غلق الطرقات فقط، بل تتعداها إلى ممارسات أخرى تهدد السلامة المرورية، على غرار السير العشوائي، والتجاوزات الخطيرة، والسياقة الاستعراضية، وإخراج الركاب أجسادهم من النوافذ، إضافة إلى استعمال المفرقعات والألعاب النارية وسط الأحياء السكنية وحتى البارود.
كما تسجل في بعض الأحيان حالات شجار وفوضى بسبب احتجاج مستعملي الطريق على غلق المسالك، وهو ما يحول أجواء الفرح إلى مصدر للتوتر والإزعاج، خاصة بالنسبة للمرضى وكبار السن والتلاميذ والمواطنين المرتبطين بمواعيد مهنية أو صحية.
وأمام تنامي هذه الظاهرة، يطالب مواطنون بضرورة تدخل مصالح الأمن والدرك الوطني، بشكل أكثر صرامة، من خلال تكثيف الرقابة على مواكب الأعراس، وردع كل السلوكيات التي تعطل حركة المرور أو تعرض حياة الآخرين للخطر.
كما دعا كثيرون إلى إطلاق حملات تحسيسية، عبر وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي، لترسيخ ثقافة الفرح المسؤول واحترام الطريق العام، والتأكيد على أن التعبير عن الفرحة لا ينبغي أن يكون على حساب راحة المواطنين أو سلامة المرضى، كما أن احترام قانون المرور والسماح بمرور المركبات الاستعجالية يجب أن يبقى خطاً أحمر لا يمكن تجاوزه مهما كانت المناسبة، لأن الطريق ملك للجميع، وحياة إنسان قد تتوقف على دقيقة واحدة فقط.
ويبقى الفرح حقاً مشروعاً لكل العائلات الجزائرية، كما تقول الأستاذة نورية بوقلت، وهي مختصة في علم الاجتماع، غير أن هذا الحق يجب أن يمارس في إطار من التنظيم، والوعي واحترام القانون، بعيداً عن الفوضى والتصرفات التي قد تتحول في لحظة إلى مأساة حقيقية.
فالاحتفال لا يقاس بعدد السيارات التي تغلق الطريق، ولا بحجم الضجيج والفوضى، بل بمدى احترام الآخرين والتحلي بروح المسؤولية، لأن الطريق الذي يُغلق اليوم من أجل “كورتاج”، قد يكون في الجهة الأخرى طريق نجاة لمريض يصارع الموت داخل سيارة إسعاف تنتظر فقط ممراً للعبور.

مقالات ذات صلة