الرأي

موجة الإلحاد المعاصرة… من يقف وراءها؟

سلطان بركاني
  • 470
  • 0

يُلاحِظ رواد مواقع التواصل الاجتماعيّ، في الآونة الأخيرة، ظهورا مريبا ورواجا متزايدا للمواد الإلحادية التي تستفزّ عامّة المسلمين وخاصّتهم بالطّعن في مقدّساتهم والتّشكيك في مصادر دينهم؛ من خلال الظّهور المكثّف والواسع لصفحات ومنصّات تطرح مواضيع “جريئة” وتروّج لشبهات تحوم حول قضايا معروفة تتعلق بالإسلام! حتى أمسى أقلّ المسلمين اهتماما بهذه القضايا عرضة لشبهات لا يصعب على العلماء وطلبة العلم الإجابة عنها وردّها، لكنّها تزرع الشّك والحيرة في عامّة المسلمين، خاصّة الشّباب المفعمين بالنقمة على كلّ قديم واللّهث خلف كلّ جديد!
انطلقت موجة الإلحاد الأخيرة التي يشهدها القرن الحادي والعشرون، بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001م، برعاية غربية مباشرة، من خلال مؤسسات البحث والدراسات التي تأتي مؤسسة راند (RAND) الأمريكية في صدارتها، وتضطلع بدور التنظير، بالتعاون مع وسائل الإعلام والمؤسسات الثقافية –الغربية والعربية-، التي تضطلع بدور التنفيذ. وقد أصدرت مؤسسة “راند” عدّة دراسات حوّلتها الإدارة الأمريكيّة إلى أوامر ملزمة! توصي في مجملها بترويج “الخطاب الحداثي” في البلدان العربية الإسلاميّة والإشهار له في القنوات الموجّهة للمشاهد العربي المسلم، لمواجهة ما وصف بـ”الخطاب الأصوليّ”.. وليس يخفى أنّ الخطاب الحداثي المعاصر ما هو في حقيقة الأمر إلا خطاب إلحادي ناعم يتمظهر بأشكال متعدّدة ويحمل شعارات ودعوات تتفاوت في جرأتها، على غرار الدعوة إلى الاعتماد على القرآن وإلغاء السنّة، وإعادة قراءة القرآن قراءة معاصرة تجعله متناغما مع قيم الحداثة الغربية بما فيها القيم المناقضة لرسالات السماء!
وقد ازدادت حدّة الموجة الإلحادية الأخيرة، مع ما سمّي بـ”الثورات المضادّة”، في العشرية الثانية من هذا القرن، بالتزامن مع خيبة الأمل التي مُني بها كثير من الشّباب في تغيير حقيقيّ كانوا يحلمون به ويعدّون الأيام لتحوّله إلى واقع.. وقد لوحظ نشاط مكثّف للقنوات والمنصّات والمواقع المموّلة غربيا وإماراتيا في الترويج للإلحاد الناعم الذي يقوم على مرتكزين أساسيين هما: التشكيك في صلاحية الإسلام لمواكبة العصر وقيادة أيّ تغيير منشود، وتشويه المصلحين الذين يعتمدون “الإسلام” كمنهج لتغيير الحياة والواقع!
بعد طوفان الأقصى، بدت الموجة الإلحادية كأنّها عمل انتقاميّ موجّه يهدف إلى محاولة محو الآثار التي تركها طوفان الأقصى في شريحة كبيرة وواسعة من المسلمين، حين رسّخ فيهم قناعة مفادها أنّ الإسلام مهما حوصر وحورب فإنّه قادر على العودة وعلى رفع التحدّي وصناعة المفاجآت، وأنّ رحم الأمّة لن تعقم عن ولادة رجال يستعلون بالحقّ ولا ترهبهم قوة الغرب الظّاهرة.. وليس يخفى أنّ طوفان الأقصى بما تخلله من صمود أسطوريّ لما يقرب من 2 مليون مسلم في غزّة، تعدّت آثاره المحيط الإسلاميّ لتصل إلى المجتمعات الغربيّة التي أبدت انبهارها بالعقيدة التي يحملها المرابطون في أكناف بيت المقدس.. فكان لا بدّ للأوساط الغربية الحاقدة أن تجمع أمرها وتستنفر شركاءها من غلاة العلمانية اللادينية في بلاد الإسلام لإطفاء هذا البريق ومحو تلك الآثار، وهو ما لوحظ من خلال كثافة برامج القنوات العلمانية التي تستضيف رموز الحداثيين وعرابي الإلحاد العرب، ومن خلال برامج البودكاست التي تستنطق شخصيات تتميّز بجرأتها في مصادمة المسلّمات الإسلاميّة، هذا فضلا عن توجيه خوارزميات مواقع التواصل لتُشهر وتروّج -على أوسع نطاق ممكن- لكلّ مادّة تقوم على تشكيك المسلمين في دينهم وفي رموزهم!
في الجزائر، لوحظ في الآونة الأخيرة رواج واسع للصفحات التي تروّج للإلحاد وتطعن في الفاتحين وتستهدف مرجعية الأمّة الجزائرية، وقد تداعى أدعياء العلمـانية -على قلتهم- لأكبر حملة استفزاز يشهدها البلد، أخرجوا من خلالها ضغائن نفوسهم وجهروا بكثير من الأحقاد التي كانت مكنونة قبل ذلك، وألقى كثير منهم قناع التقية وتخلّى عن الشعارات التي حملها في مرحلة سابقة حين كان يتظاهر بأنّه لا يعادي الدّين وإنّما يرفض إقحامه في السياسة وفي الشأن العام.. وقد بدا واضحا في هذه الحملة الأخيرة كيف أنّ العداء ليس لما يوصف بالإسلام السياسيّ، إنّما للإسلام الذي يتدخّل في شؤون الحياة العامّة والخاصّة، حتى أصبح من ينكر المحرمات المجمع على تحريمها أو يذكّر بإقامة الفرائض المجمع عليها، في نظر هؤلاء العلمانيين، متطرفا يريد العودة بالبلد إلى سنوات الفتنة!
لا شكّ أنّ هذه الحملة الإلحادية، بالنّظر إلى توقيتها والوسائل المسخّرة لها، سيكون لها الأثر الخطير على شباب الأمّة، إن لم تجابه بعمل إسلاميّ واع ومنظّم، يقوده علماء ودعاة يتحلّون بالحكمة والحلم والأناة والوعي بالواقع وبمشكلات الشّباب.. شباب الأمّة يعانون واقعا صعبا أحال قطاعا عريضا منهم على البطالة وقاد كثيرا منهم إلى طرق لم تكن مفضّلة لديهم، وجعلهم ينقمون على كلّ من كان سببا في هذا الواقع، ويَصمّون أسماعهم عن العلماء والدّعاة والأئمّة والمصلحين الذين لا يشتبكون مع واقع الشّباب ولا يتبنّون قضاياهم، بل إنّ الخطاب الدعويّ التقليديّ الذي يعتمد على تقريع العامّة دون الخاصّة، وتحميل العامّة كامل المسؤولية عن الواقع الذي تعيشه؛ هذا الخطاب أضحى مستفزا لشريحة واسعة من الشّباب، بل قد أمسى واحدا من الأسباب التي تمهّد لهم طريق الإلحاد!
لذلك ينبغي للأئمّة والدّعاة والمصلحين، أن يعجنوا خطابهم بهموم الشّباب، ويحيّنوه ليكون مواكبا للقضايا التي تشغل الشّباب وتستحوذ على اهتمامهم، ويستفيدوا من تجارب بعض الدعاة والمصلحين الذين تخصّصوا في مواجهة موجة الإلحاد المعاصرة، من أمثال: الدكتور إياد قنيبي، الدكتور سامي عامري، الدكتور هيثم طلعت، الأستاذ لخضر رابحي الجزائري، وغيرهم…

مقالات ذات صلة