-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

“موعدنا أمام الله للحساب”!

سلطان بركاني
  • 951
  • 0
“موعدنا أمام الله للحساب”!

مأساة قلّ أن يعرف تاريخ البشرية لها مثيلا، تلك التي يعيشها ما يقرب من 2 مليون مسلم في سجن كبير موصد في قلب الأمّة، على مرأى ومسمع ما يقرب من 2 مليار مسلم في هذا العالم! وعلى مرمى حجر من 160 مليون مسلم هم جيران فلسطين! المئات من المستضعفين تحوّلوا إلى هياكل عظمية برزت عظامها تحت الجلود اليابسة، ولم تبق فيها إلا أنفاس ضعيفة، والعشرات يموتون يوميا بسبب الجوع.. مئات الأطفال جفّت دموعهم وخارت قواهم وما عادت بهم قوة على البكاء ولا على إظهار الوجع، ورضع تصرخ أجسادهم النحيلة بلا صوت، لا حليب لا طعام، لا دواء!
الأمهات نسين ألمهنّ وجوعهنّ، وهنّ يراقبن بكلّ عجز ما حلّ بأبنائهنّ، يَرين الموت أقرب إلى فلذات أكبادهنّ من كسرة خبز يابسة! أمٌّ تمسك بيد طفلها الصغير وهو يلفظ أنفاسه الأخيرة أمام ناظريها بسبب الجوع، قبل أن تودّعه بدموعها. هو لم يمت برصاصة أو قذيفة بل مات من الجوع، ضمّت جسده إلى حضنها ضمّة الوداع ولسان حالها يعبّر عمّا عجز عنه لسان مقالها: “إلى الله وحده المشتكى”.. أمّ أخرى ما عاد في عينيها دموع بعد أن سكبت كلّ مخزون مآقيها، تريد أن تبتسم لكنّها لم تستطع، وهي ترى ابنها الذي تحوّل إلى هيكل عظميّ من الجوع، تراه يأخذ قطعة خبز من أحدهم ليأكلها، بعد ثمانية أيام كاملة من مكابدة الجوع.. نظراتها تشي بحيرتها: هل تفرح أم تبكي؟
وإذا كانت الأمّهات يمتن حسرة وهنّ يودّعن أبناءهنّ الذين يسلمون الأرواح إلى بارئها من الجوع، فإنّ الآباء في غزّة يموتون مرّات ومرّات قهرا أنّهم لم يستطيعوا إنقاذ أبنائهم من شبح الموت جوعا.. كم هو مؤلم أن يرى الأب ابنه ينظر إليه بعين كسيرة دامعة يرجو لقمة تسكت عنه ألم الجوع! وكم هو قاسٍ أن يسمع الأب ابنه يترجّاه أن يحضر له قطعة خبز والأب لا يجد حيلة! ثمّ يرى ابنه قد سكت صوتُه وخارت قواه بسبب الجوع. ثمّ ما يلبث أن يرى فلذة كبده ومهجة روحه يلفظ نفسه الأخير ويميل برأسه ميتا بعد أن يودّع والده بنظرة تقطّع القلب!
أحد الآباء في غزّة لم يجد ما يطعم به طفلته الرضيعة، فما كان منه إلا أن أخذ يخرج اللعاب من فمه ويضعه في فم ابنته التي أصيبت قبل ذلك في قصف صهيونيّ.. أب آخر خرج في جنح الليل البهيم يسير بين خيام النازحين في غزة، يبحث عن لقمة يسدّ بها جوع طفله، بعدما حوّل الجوع جسده الصغير إلى هيكل عظمي. ينادي بين النّاس علّه يجد من ينجده بلقمة من طعام، ولكن لا فائدة، فالكلّ يصارع الجوع.
في غزّة يستيقظ الأب مذعورًا بعد غفوة قصيرة، ليس على صوت القصف، فصوت القصف أمسى مألوفا، بل على أنين أطفاله من شدة الجوع، يتلفّت من حوله، فلا طعام، ولا حليب، ولا حتى كسرة خبز يسكت بها أنينهم.. في غزة: الجوع أصبح أفظع من الحرب، وأصوات الأطفال الجائعة أشدّ وجعا من أصوات الصواريخ.. في غزة، لا شيء أثقل من انتظار لقمة، ولا شيء أوجع من نظرة طفل جائع!
تروي إحدى الفاضلات في غزّة قصّة موقف يفتّت الحجر، فتقول: “ابن اختي عمره 9 سنوات، أتدرون ماذا قال لي؟ قال: ترجّيت أمي أن تعطيني حصتي من الأكل لآخذها لصديق لي يحفظ معي القرآن.. يريد أن يغيث صديقه الذي ينافسه في حفظ القرآن. يقول الطّفل لأمّه: 3 أيام أذهب إلى حلقة القرآن فلا أجد صديقي، وحينما ذهبت إلى خيمة أسرته، وجدت أنّ صديقي مضت عليه 3 أيام لا يستطيع الوقوف من الجوع، لا يستطيع الحفظ ولا التركيز.. بقي لكم أن تعلموا أنّ هذا الطّفل الذي يريد تقديم حصّته من الأكل لصديقه، حصّته ليست نصف دجاجة أو طبق أرز، حصته كلها هي نص رغيف وصحن عدس صغير”.
الصهاينة الجبناء أصبحوا يستخدمون المساعدات القليلة التي يسمحون بدخولها مصائد لقتل الأبرياء، حيث يعلنون عن وجود المساعدات في مكان معيّن، وينشرون قنّاصيهم قريبا من المكان، وحين يحضر النّاس مضطرين لأخذ المساعدات، يتولّى القناصة الأنذال قنصهم، وأحيانا تتدخّل الطائرات المسيّرة لقصف الجوعى، فتختَلط دماؤهم الزّكية بأكياس الطّحين!

وحدهم المسلمون قعدوا عن النّصرة!

المفارقة التي تملأ القلوب كمدا في هذه المأساة، أنّ المنظّمات الدولية الكافرة شهدت بفظاعة وشناعة ما يحدث في غزّة: وكالة الأونروا، وصندوق الأمم المتحدة للسكان، ومنظمة العفو الدولية، واليونيسف، ومقررة الأممية للأراضي الفلسطينية… كلّها شهدت بمأساة سكّان غزّة وبجرم اليهود الصهاينة، وحتى الشّعوب الحرّة في البلدان الغربية خرجت في مظاهرات مندّدة بما يحصل في غزّة، بل حتّى بعض اليهود في فلسطين خرجوا قبل أيام في مظاهرة يندّدون فيها بتجويع سكّان غزّة!
وحدهم المسلمون صمتوا صمت القبور، إلا من رحم الله منهم، بل إنّ كثيرا من المسلمين ما زالوا يستمتعون بالشّهوات طولا وعرضا في الوقت الذي يموت فيه أطفال غزّة جوعا!
في الأردن، جارة فلسطين، انطلقت يوم الأربعاء الماضي الدورة الـ39 لمهرجان جرش للثقافة والفنون، تحت شعار “هنا الأردن، ومجدُه مستمر”، بمشاركة عدد كبير من المغنين والمغنيات! وكأنّ القوم نسوا حديث النبيّ –صلّى الله عليه وآله وسلمّ-: “ما آمن بي من بات شبعانَ وجارُه جائعٌ إلى جنبِه و هو يعلم به”، هذا فيمن ينام شبعان وجاره جائع، كيف بمن يبيت راقصا على وقع الألحان، وجاره يموت جائعا إلى جنبه وهو يعلم؟!
أمّا في تونس، فقد انطلقت فعاليات الدورة 59 من مهرجان قرطاج الدولي، يوم السّبت قبل الماضي.. وأمّا في المغرب، فالمهرجانات تتوالى وتتعاقب، من مهرجان موازين الماجن الذي انتهت فعاليات دورته العشرين يوم 28 جوان الماضي، إلى مهرجان ثويزا الذي افتتحت دورته التاسعة عشر يوم الإثنين الماضي، إلى مهرجان إفران الذي افتتح دورته السابعة يوم الأربعاء من الأسبوع المنصرم!
وفي الجزائر: لا تزال فعاليات ليالي الغناء والتمايل في الكازيف متواصلة على وقع أنّات الجوعى في غزّة.. وفي بلاد الحرمين: يبدو أنّ أنّات أطفال غزّة من الجوع لم تصل أسماع أهل الترف والطّرب، ففعاليات الغناء والرقص لا تزال متواصلة في جدّة والعلا والرياض.. في جدّة مثلا، استُقبلت يوم الخميس الماضي فنانة نصرانية رفقة فنان لبنانيّ، وأحييا ليلة غنائية تحوم حول “الحبّ والغرام” تمايل فيها المتمايلون، في وقت تتلوّى فيه أمعاء المسلمين في غزّة من الجوع!
ليس هذا فقط، رئيس هيئة الترفيه في بلاد الحرمين، وفي أيام يموت فيها أطفال غزّة جوعا بعد أن تموت أمهاتهم حسرة وقهرا، يبشّر العالم يوم الخميس الماضي، بأنّ موسم الرياض القادم سيكون الأقوى عالميا، ويبشّر قبله بانطلاق “مهرجان الرياض للكوميديا” نهاية سبتمبر المقبل!
يتمايل المسلمون في بلاد الإسلام طربا، وينفقون أموالهم على الطرب والترف في وقت أصبح فيه الطّعام في غزّة ينافس الذّهب في ارتفاع أسعاره، بسبب الحصار الذي يضربه الصهاينة وأعوانهم من الأعراب، وبسبب جشع السماسرة الذين سهّل الصهاينة دخولهم وعملهم، حتّى إن تكلفة إطعام شخص واحد في غزّة أصبحت 14 دولار، بعد أن كانت 2 دولار قبل عام.
يا الله! لو كانت القلوب حيّة! ما أصعب أن يقول أهل غزّة وهم يخاطبون إخوانهم المسلمين: “موعدنا أمام الله يوم الحساب! نراكم هناك حيث لا تنفع كلمات ولا بيانات. نحن خصومكم أمام الله. رأيتم دماءنا، سمعتم أنيننا، ورأيتم أطفالنا وهم يموتون من الجوع، ومررتم كأنّ شيئا لم يكن. بل إنّ منكم من ظلّ سادرا في لهوه ولعبه ينتقل بين المهرجانات وينفق أمواله في السهرات”!
يتبع بإذن الله…

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!