منوعات
قال إن العلمانية الفرنسية أصبحت دوغمائية.. غالب بن شيخ لـ "الشروق"(الحلقة الثانية والأخيرة)

موقف طارق رمضان من الرجم خطأ فكري قاتل

الشروق أونلاين
  • 4199
  • 0
ح.م
غالب بن شيخ رفقة صحفي الشروق

بعد حديث المفكر الدكتور غالب بن شيخ، في الحلقة الأولى من حواره مع “الشروق”، عن إرث والده الشيخ عباس، الذي لم يحافظ عليه خلفه على رأس مسجد باريس كما قال، وأن يتحدث من منطلق المسؤولية الأخلاقية عن قصة عدم الفصل في تعيينه على رأس عمادته، يربط في الحلقة الثانية والأخيرة بين سوء تسييره واستمرار الإشكالات الفكرية والعقائدية والسياسية السلبية التي تحول دون تمثيل المسلمين والإسلام بصفة ترقى إلى مستوى حضارته التاريخية الخلاقة، حيث يقدم خلفيات المقاربة المنتهجة من الجهتين الجزائرية والفرنسية على صعيد تنظيم ما يسمى بإسلام فرنسا وعن الثمن الذي دفعه الإسلام كضحية لمقاربة تتناقض مع مفهوم العلمانية الذي تحمله دولة تدخلت في تسيير الشأن الديني بفعل تسييس مكيافيلي، أتى على الأخضر واليابس. الحديث عن كل جوانب المقاربة الهزيلة التي يناقش ويعالج من خلالها الإسلام في فرنسا اقتضى حتميا الوقوف معه عند خطاب المثقفين الفرنسيين الذي ازداد ضراوة وعداوة وجهلا حيال الإسلام والمسلمين في سياق سياسي عالمي، فسر بإرهاب محسوب على الإسلام فقط.

 ألا تشكل مناهضتكم للجهتين الفرنسية والجزائرية على السواء، نتيجة سوء تسيير الشأن الإسلامي، تناقضا في الوقت نفسه، بحكم تركيزكم عند تحليل ظاهرة التطرف على التحليل التاريخي لمحطات التأخر الفكري الذي أصاب المسلمين من منظور نظري وتربوي بيداغوجي في حين إن التطرف هو أيضا حصيلة مواقف غرب ظالم وحاقد ومتواطئ مع أنظمة عربية وإسلامية مستبدة، ما تعليقكم؟

 أنا لا أكتفي بالتحليل الفكري والديني لواقع الإسلام ولظاهرة التطرف بشكل خاص. ولا أحمل المسلمين فقط مسؤولية الأوضاع التي وصلوا إليها. ونددت دائما بالممارسات السياسية التي تغذي التطرف سواء كانت عربية أم غربية وتدخل السلطة الفرنسية في تسيير الشأن الديني. كما بينت ذلك من خلال تزكية عميد مسجد باريس وتوظيفه باسم محاربة التطرف كأحسن دليل على ذلك. وكل هذا يتناقض بشكل صارخ مع العلمانية المرفوعة من جهة ومع خطاب دعوة المسلمين إلى الارتفاع إلى مستوى التحديات التي تواجههم وفرنسا التي تدعو إلى ذلك تشجع وتزكي الرداءة من منطلق سياسي.

أنا أقصد بالتفسير السياسي للظاهرة الإسلامية حتمية الربط بين قضية العرب والمسلمين والأخيرة التي راحت ضحية العرب والغربيين على السواء، وتركيز مفكرين من أمثالكم على تحليل التأخر التربوي والفكري، وما يجري في فلسطين خير دليل.

أنا لم أقتصر أو لم أركز على جانب على حساب جوانب أخرى وحللت الظاهرة الإسلامية من كافة جوانبها المتداخلة والمتشابكة فرنسيا وعربيا وعالميا. من هذا المنطلق، أقول مؤكدا أن الظاهرة نابعة من عوامل إيديولوجية وجيو استراتيجية خارجية وأخرى تربوية وبيداغوجية ونفسية وفكرية ودينية وفقهية وتاريخية عربية وإسلامية داخلية. وكل هذه العوامل تتفاعل بالشكل الذي ينتج قراءات تتباين من حيث هوامش التأثير التي نعطيها لهذا العامل أو ذاك من منطلق مقاربتنا للإسلام اليوم في عالم حديث ومتطور لا يقبل بالشكليات الدينية على حساب الجوهر الديني الذي عرفته الحضارة العربية الإسلامية. وبما أنكم تشيرون إلى علاقة الظلم المسلط على الشعب الفلسطيني بالمقاومة الإسلامية، أوضح قائلا إن عامل تفرج الأمم المتحدة على معاناة الشعب الفلسطيني وتدنيس المسجد الأقصى وعجزها عن تطبيق توصياتها مثال من بين أمثلة أخرى تصنف في خانة العوامل التاريخية والإيديولوجية والجيواستراتيجية المرتبطة بالظاهرة الإسلامية، لكن هذا العامل لا يفسر التخلف الفكري الذي أصاب العرب والمسلمين وتسبب في تقهقرهم بنفس الدين الذي صنع مجدهم من قبل. وعليه يجب البحث عن الأسباب الذاتية والداخلية المحضة والتفكير في المحطات التاريخية التي كانت وراء الفجوة التي أبعدت العقل عن الدين  . 

 

والشيء نفسه ينسحب على المحطات التاريخية التي أدت إلى مأساة العرب والمسلمين، ألا وهي القضية الفلسطينية التي أصبحت لا تصنع الحدث أمام مآس جديدة وظف صناعها التطرف السياسي والديني في الوقت نفسه. أليس كذلك؟ 

 بلى. وهذه المآسي هي نتاج ماكماهون وبلفور وسايكس بيكو وألنبي ولورنس العرب وونستون تشرشل ومعاهدات لوزان وسيفر وبرلين وما يسمى بالشرعية الدولية التي تكيل بمكيالين. وكما ترون فإن الإشكالية تاريخية وتعود جذورها إلى أكثر من قرن ونيف. ما يحدث اليوم في الشرق الأوسط وفي العراق وسوريا تحديدا في إطار إعادة تشكيل الشرق الأوسط هو نتاج المحطات والعناوين المذكورة وتجزئة المجزإ يدخل في صلب استراتيجية جيو سياسية عالمية. 

 

ما دمتم تؤكدون على جدلية الأسباب العالمية الخارجية والداخلية العربية الإسلامية وعلى تداعياتها الحالية، لماذا تتهمون بالغموض والتركيز أكثر وكما أسلفت الذكر بتبني الطرح الغربي؟ 

   هذا الاتهام باطل ويروجه المتطرفون الذين يتهمونني بأنني بصدد تغيير الإسلام على طريقة الغربيين الذين يقفزون على المحطات التاريخية الاستعمارية المذكورة وأدعو الذين لا يوافقون على قراءتي للتاريخ العربي والإسلامي إلى العودة إلى مواجهاتي الفكرية مع المثقفين الفرنسيين الذين يرون في الإسلام والمسلمين والمهاجرين بوجه عام خطرا على الهوية الغربية، ومن بينهم ألان فينكلكروت وإريك زمور وإيفان ريوفول وإلى تنديدي بتسيير فرنسا للشأن الديني وبتصريحات وزراء الداخلية، كما مر معنا. وكثيرة هي المناسبات التي فندت فيها طروحاتهم والحمد لله أننا نعيش عصرا تكنولوجيا تؤرخ لكل شيء بالصوت والصورة بشتى الطرق والأساليب. 

  

رغم ذلك، أنتم تتهمون بازدواجية الخطاب، خاصة بعد أن قلتم مؤخرا إن على المسلم شراء حاسوب عوض الاستدانة من أجل شراء كبش العيد؟

 أكرر ما قلته كدليل على فهمي الصحيح للإسلام وليس للدروشة والفهم السطحي للفقه الإسلامي وللدين بوجه عام. 

 

    أفهم أن هذا المثال يعكس ما سميتموه الفكر الديني المنحط، أليس كذلك؟ 

 بلى ويؤسفني أن يتحول الإسلام اليوم إلى مصدر خلاف حول القشور على حساب القضايا المصيرية التي يجب أن تناقش من منظور فكري عميق يؤكد أن ديننا ليس شعائر فقط وتفاسير فقهية غير معقولة وإنما مواكبة عقلية كاملة للحياة غير الجامدة بكافة تجلياتها. ولا يجب أن نصور الإسلام بشكل لا يسمح بمواكبة العصر كما يفعل الكثير بطريقة تعطي فكرة بائسة عن الدين الذي كان وراء العمران والعلم والحضارة بوجه عام. والمستفيد الأول والأخير من النظرة المنحطة والسطحية للإسلام هم الأعداء الذين يسرهم استمرار المسلمين في التخلف ويخشون من إسلام فكري وتنويري قادر على مواكبة العصر خلافا لما يعتقده مثقفون غربيون وفرنسيون يطعنون في الإسلام اعتمادا على ما يمثله جهلة راحوا ضحايا الفشل العام الذي أصاب العالم العربي والإسلامي بعد أن مثل الإسلام في حقب غابرة المجد والتقدم والفكر الديني الإنساني على أيدي مسكويه والفارابي وابن باجة والتوحيدي وابن رشد وآخرين. من جهة أخرى، الفكر الديني المحض والضيق حال دون الاستفادة من الغليان الفكري الذي أحاط بالمفكرين ديكارت وفرويد بغض النظر عن مساوئ الثاني. وأنا أعتقد أنه كان من الممكن التفاعل معهما انطلاقا من تراثنا بواسطة دراسة الفترة التي امتدت بينهما من خلال مفكرين كبار من أمثال جون لوك وجريميه بنتام وبيار بيل وبنجامين كاستان وآخرين. وأنا أدعو إلى هذا المنظور لأن الإسلام حافل بالدعوات العقلية والحاجات البشرية التي تناولها بعض الغربيين. الذين يقولون إنني بصدد تغيير الإسلام هم الذين يمثلون الشارع الإسلامي، إن صح التعبير، وغير المكونين دينيا وفكريا وغير المدركين للتحديات الكبرى والخطيرة التي تواجه الأمة العربية والإسلامية والغارقة في وحل تأويلات فقهية تنافي الاجتهاد العقلي غير الغريب عن الإسلام تاريخيا. 

 

    باختصار، تريدون القول بأن تغييبنا للتفكير العقلي الذي حثنا عليه الإسلام تسبب في مأساة المسلمين؟ 

تماما، وللأسف الشديد، ليس هناك ما يدعو اليوم إلى التفاؤل. وحينما نرى أن العقل في تراجع مستمر عند المسلمين باسم عدم مناقشة المقدسات لا يمكن لأعداء التفكير إلا ترويج فكرة دعوتي لإسلام آخر وللأسف الشيء نفسه يقوله عني الجهلة من الغربيين الذين يعتقدون أن الإسلام ينافي العقل. 

 

    ليس فقط الجهلة من المسلمين يختلفون معك والمفكر مثلك طارق رمضان من المختلفين معك أيضا؟ 

   أختلف مع طارق رمضان في ثلاث قضايا أساسية. وتتعلق الأولى بدعوته في مواجهة مباشرة على التلفزيون مع نيكولا ساركوزي حينما كان وزيرا للداخلية إلى تأجيل البت في إشكال الرجم. وشخصيا، أعتقد أن دعوته كانت كارثة حقيقية ولا تعكس مستوى مفكر مثله، لأن القضية محسومة فقهيا في تقديري ولا أساس صحي لها في القرآن الكريم ، ويومها كان بإمكان رمضان الرد على المرشح الرئاسي بأن الرجم سلوك بربري أدينه وأشجبه لا يمت بصلة للإسلام. 

 

    هل يمكن تبرير موقفه في تقديركم بتهمة الخطاب المزدوج المشاع عنه؟ 

لا أعرف إن كان رده يندرج ضمن ما تقولون ولكن أؤمن أنه أخطأ استراتيجيا كمفكر يفترض ألا يتردد في إدانة الرجم الذي بدا عند اليهود ولا وجود لهذه الممارسة عند المسلمين وحتى ولو وجدت لا يمكن تطبيقها حرفيا باسم الشرع الديني شأنها شأن موضوع قطع أيدي السارق والإعدام. وهنا ندخل في الاجتهاد العقلي الذي يفرضه التطور الاجتماعي والتاريخي. وكلامي ليس دعوة إلى الخروج عن جوهر الإسلام أو تغييره كما أتهم من الجامدين فكريا وفقهيا. والقرآن كما يعلم العام والخاص لم ينزل مرة واحدة وكان انعكاسا لأحداث. وكثيرة هي القضايا التي تفرض اليوم اجتهادا فكريا في المجال الفقهي على النحو الذي لا يجعل من الإسلام دينا فجّا يتنافى مع سنة التطور والتغيير. 

 

    وماذا ترد على الذين يقولون إنكم تمسون بالمقدسات في الإسلام؟ 

لا شيء مقدسا أمام العقل الذي حبا الله الإنسان به لكي يفكر والمفاهيم التي كانت صالحة في القرن السابع لا يمكن أن تعالج اليوم باسم الفقه أو الوحي المقدس بنفس المنظور الديني، وعلى الإنسان الارتقاء بفكره إلى مستوى الاستنباط العقلي المواكب للتقدم الإنساني في المجال التشريعي والفكري بوجه عام وإلى مستوى  الأنسنة التي نظر إليها الفقيد محمد أركون بشكل لا يتناقض بالضرورة مع جوهر الإسلام الذي خاطب أصحاب الألباب غير المتحجرة والجامدة. 

 

دعوتكم إلى الانفتاح على الآخر دفاعا عن إسلام نير لم تغير من كراهية معلنة للإسلام باسم حرية التعبير فضلا عن ربطه بالإرهاب، ومعاملة مسلمي فرنسا كمسلمين ومهاجرين وليس كمواطنين، ما هو تعليقكم؟

 على المثقفين المسلمين عدم الوقوع في استراتيجية الاستفزاز التي ينتهجها مثقفون فرنسيون لا يجهلون الإسلام فقط بل يحقدون عليه والأكثر حقدا من بينهم الروائي ميشال ولبيك، الذي وصف الإسلام بالدين الأكثر غباوة مقارنة بالأديان الأخرى، والكاتب الصحفي إيفان ريوفول. والناس يعرفون في زمن الإنترنت أنني واجهت هؤلاء الأقزام في العديد من المناسبات، المسلمون الذين يشتكون من مفهوم الإسلاموفوبيا يتحملون جزءا من المسؤولية بتركيزهم على المظاهر والشكليات التي تنفر الغربيين من الإسلام، والمعرفة الفكرية وحدها كفيلة بالرد على المثقفين الجهلة الذين يعتقدون أن إرهاب داعش من صلب الإسلام، كما أن التركيز على المظاهر يفوت الفرصة على المسلمين لتقديم دينهم كجوهر أخلاقي وفكري أعمق وأسمى من ميشال أوفري وإليزابيت ليفي وآخرين أعرف أنهم يكرهون الإسلام كدين ويجدون الفرصة في تصرفات الجهلة والمتزمتين الفلكلوريين من المسلمين.  

 

ما تعليقكم على الضجة الأخيرة التي أثارها الفيلسوف بيار مانو في كتابه وضعية فرنسا الذي دعا فيه إلى تغيير مقاربة فرنسا حيال المسلمين بتجاوز منظورها العلماني الجامد والدوغمائي المتزمت وبالتالي قبولهم كأمر واقع على أن يتبنوا نموذج إسلام فرنسا لضمان قطيعتهم مع العالم العربي والإسلامي؟

صحيح، إن العلمانية الفرنسية قد أصبحت تنافس الديانات الأخرى بطابعها الدوغمائي المرادف لمقاربة فكرية مطلقة لا تقبل النقاش مثلها مثل مقاربة المتشددين في الديانات الأخرى. وكشفت هذه العلمانية عن طابعها غير المتسامح ونطقها بخطاب عقائدي غير قابل للنقد حينما تعلق الأمر بالإسلام الذي أصبح يعتبر ظاهرة دينية جديدة تهدد أركانها خلافا للديانتين الأخريين في نظر معتنقيها المتزمتين أيضا. من هذا المنطلق، يمكن اعتبار دعوة الفيلسوف مانو معقولة من جهة وغير منطقية من جهة أخرى ونقده المبدئي للعلمانية في محله لكنه أخطأ في تقديري في طرح الكيفية التي يجب أن نعالج من خلالها الظاهرة الإسلامية. فإذا كان مانو يقصد بتوافق مع مواطنين مسلمين ينتمون إلى أمة حرة وأخوية ومتضامنة وديمقراطية فهذا هو المحبذ والمطلوب وغير ذلك غير ممكن ويتناقض مع مفهوم الأمة المتلاحمة باختلاف أديانها وتوجهاتها الإيديولوجية وأقصد بهذا الفئة المسلمة المتزمتة التي تريد العيش في فرنسا وترفض في الوقت نفسه الانفتاح على الديانات الأخرى وعدم التواصل مع غير المؤمنين في مجتمع يجب أن يحترم حرية المعتقد في إطار قيم الأمة الفرنسية. انطلاقا من مبدإ الاتفاق على الأسس المكونة للأمة ألا وهي الحرية والمساواة والأخوة يمكن للمسلمين ممارسة دينهم باستقلالية وحرية كالآخرين على أن يخضعوا لقوانين الأمة الوضعية ولسيادة الشعب صاحب السلطة الأول والأخير. في المحصلة يمكن لموقف مانو أن يتحول إلى وفاق حقيقي في حالة نبذ الطرفين للتزمت الديني والإيديولوجي فلا المسلم يخشى من العلمانية ويعاديها ولا العلماني يخشى من الإسلام ويعاديه والجميع سواسية أمام قوانين الأمة الفرنسية وأرجو أن تكون دعوة مانو مجرد اجتهاد فكري ومفتوح لنقاش الشعب وليس درسا يجب تطبيقه دون العودة إلى صاحب السيادة المطلقة ومصدر كل السلطات في مجتمع يقوم على الديمقراطية كما أسلفت الذكر.

مقالات ذات صلة