مولد نبوي.. للرعب
حالة الاستنفار القصوى التي أعلنتها مصالح الأمن بالجزائر العاصمة، وكبريات المدن، وعبر مختلف الطرقات، بمناسبة المولد النبوي الشريف، وحالة سعير الأسعار التي أعلنها غالبية التجار، برفع أثمان كل المواد الاستهلاكية في أيام مولد الهدى صلى الله عليه وسلم، وحالة الذعر التي انتابت بعض الأفراد في احتفالات الشماريخ والقنابل الصغيرة، فقرّوا في بيوتهم، وحضروا التجوال على أبنائهم وبناتهم، أكدت بأننا أبعد الناس عن الاحتفال بالنبي محمد، بل إننا أبعد ما نكون عن أسلافنا، الذين جعلوا من يوم مولده، فرصة ليعلنوا للعالم عن هويتهم من خلال إطلاق أسماء محمد، ومولود والمصطفى، على أبنائهم، وحتى على أندية الكرة، كما فعلها الشيخ عبد الحميد بن باديس ذات 1939، عندما توّج فريق قسنطينة اسم المولودية، ومنحه اللون الأبيض ليكون ناديا رياضيا، اسما على مسمى.
ومن المؤسف أن من يزعمون بأنهم من متبّعي السلف الصالح، ينتقدون إحياء يوم مولد المصطفى عليه الصلاة والسلام، وتوقيت صلاة الفجر، وأمورا لم تبلغ درجة الفرع، ولا ينتقدون هذه الممارسات الهمجية، وهذه السياسة التخويفية المضادة، التي طالت كل المشاعر الدينية التي فرضها الله تعالى، والمناسبات الإسلامية التي سنّها نبي الإسلام ومن تبعه، لأجل توحيد المسلمين، ففرقتهم وصارت الآن ترعبهم وتقدمهم لبقية الأمم على أنهم شرّ خلف لخير سلف، حتى صار رمضان شهرا للجرائم والبذخ والتفاخر، وصار الحج إلقاء بالنفس للتهلكة، والمسافر للبقاع المقدسة غير مضمون عودته، وصارت ذكرى مولد النبي صلى الله عليه وسلم، أياما للرعب وإرهاب الناس، ثم نعيب بعد هذا الذين نتهمهم بالإساءة للإسلام ولنبيه، والعيب بالتأكيد فينا.
ولموسم آخر، لم تجد الصحف الجزائرية تزامنا مع ذكرى مولد رسول البشرية غير عدّ ضحيا المفرقعات، الذين تم نقلهم إلى المستشفيات، بين من فقد عينه أو أحد أطراف جسده، وبين متابعة مؤشرات الأسعار التي ناطحت السحاب، ويعجز رجال الدين عن نقل المسلمين إلى فضائل النبي الكريم، الذي بنى أمة أخلاقية وأتمها بالمكارم، فساهم المسلمون في الحضارة الإنسانية بالعلم والأخلاق، ولم يكن أي حامل لاسم محمد، سوى عالم يقدم للإنسانية مختلف المعارف، من أبي محمد بن حزم إلى أبي بكر محمد الرازي ومحمد الخوارزمي ومحمد البيروني، فكانت أوروبا في بعض عصورها، تفتح أبوابها لكل من يحمل هذا الاسم، لأنه يحمل بالتأكيد صفات رجل كان قرآنا يمشي بين الناس، قبل أن تنهار القيم وتأتي أمة أخرى، نسجت الرسالة الخالدة من شعر اللحى وألبستها أقمصة، وجعلت من أمتها جنودا يحاربون الجن تارة، والسحرة أخرى، ولا يساهمون في التكنولوجيا، ولا يلتفتون للذين يحاربونهم ويجرّوهم إلى ما يريدون، فأصبح كل حامل لهذا الاسم الرباني، مرادفا للتخلف ومشتبها فيه، يثير الخوف في المطارات وفي الشوارع وحتى في قلب المساجد، وتحوّل موعد الاحتفال بمولد خير خلق الله، موعدا.. للرعب.