مولودية الجزائر.. حينما تُصبح الشماريخ خُبزًا!
نادٍ اُشتق اسمه من مولد خير الأنام، وُلد ولادة قيصرية من رحم جزائر تئن ويلات الاستعمار، مؤسسه كان شابًا جعل من مبلغ رمزي رأسَ مالِ ليؤسس فريقٍا بهوية إسلامية جزائرية خالصة، كما اتخذ من الأمل والتضحية عفوا بل من الأخضر والأحمر لونين لرايته فأهدى أولى نجمة افريقية للجزائر، فريق جزائري محلي واجه عملاق الكرة الأوروبية ريال مدريد!، صدحت حناجِر مناصريه عاليا بالأهازيج السياسية، وخصمُ اتحاد العاصمة اللدود، إنه نادي مولودية الجزائر أو كما يُلقب بعميد الأندية الجزائرية.
إهانةُ من جُندي مستعمر حولت الحُلم إلى حقيقة!
مولودية الجزائر هو نادي عاصمي جزائري تأسس سنة 1921 أين كان مؤسسها “عبد الرحمان عوف” جالسا في ساحة الشهداء أيام شهر رمضان يتأمل مجموعة من الأطفال يلعبون بكرة من ورق، فمرت بقربهم مجموعة من العساكر الفرنسيين، فقام رقيب فرنسي بتحقيرهم وقال لهم بتهكم “هذه هي حديقة أمراء العرب!” كان يقصد الملعب الشهير “حديقة الأمراء” بباريس.
بقي عبد الرحمن مذهولا فهذه الجملة اخترقت قلبه كالسهم وأثرت فيه أيُما تأثير وأشعرته بالإهانة، ومنها لم ينم طوال الليل، منذ تلك اللحظة سكنته فكرة تأسيس نادٍ لكرة القدم بل أصبحت قضية مبدأ بالنسبة له، وفي اليوم الموالي التقى أصدقائه وطرح عليهم فكرة تأسيس أول ناد جزائري مسلم ينافس الأندية الفرنسية فما كان منهم غير الترحاب.
نادي اُشتق اسمه من مولد خير الأنام
في يوم السابع من أوت من سنة 1921 الموافق لـ 12 ربيع الأول سنة 1339 هجري اجتمع عوف بأصدقائه من أحياء “القصبة العتيقة” و”باب الوادي” أمام مقهى “مالاكوف” ليختاروا اسم وألوان النادي الجديد فاقترحوا أسماء عديدة على غرار “البرق الرياضي الجزائري” و”الهلال الجزائري” و”النجم الرياضي” وكذلك “الشبيبة الرياضية”، لكنهم واجهوا صعوبة في اختيار الاسم المناسب، وفي لحظة لم يتوقعها أحد صعد صوت من داخل المقهى من شخص مجهول مُناديا “المولودية!، المولودية!، وقد استوحى المُنادي هذا الاسم و اقتبسه من المولد النبوي الشريف الموافق لذلك اليوم.
وكأن الاسم نزل من السماء وحيا! فقد تجاوب معه الجميع بالرضا والموافقة فتم الاتفاق على تسمية الفريق “المولودية الشعبية الجزائرية ” استلهموا ألوان علم المولودية من ألوان العلم الوطني فاختاروا اللونين الأخضر والأحمر كألوان رسمية للفريق الأخضر رمزا للأمل إضافة لكونه اللون الرمزي للإسلام والأحمر الذي يمثل حب الوطن والتضحية من أجله.
اشتعل حب الوطن والتضحية من أجله في صدور الشباب، فقضى “عبد الرحمن عوف” ليلته في جمع الوثائق اللازمة لتأسيس النادي وتحضير الإمكانيات المادية والإدارية وكذا اختيار مقر للفريق وملعبه الخاص، فلاقى كل المساندة والتشجيع من قبل أصدقائه لتحقيق الحلم.
“انتحال هوية” أنقد حُلم تأسيس المولودية من الإجهاض!
انتقل بعدها عوف لمقر الولاية لدفع الملف والحصول على الموافقة الرسمية، لكن الطلب قوبل بالرفض جملة وتفصيلا، وكانت حجة الإدارة الفرنسية في ذلك أنه لا يملك الحق في تأسيس جمعية وهو لم يبلغ سن الراشد بعد فقد كان ابن الـ 19 سنة!، هذا الرفض لم يُفقده الأمل بل قام بتزوير الوثائق، نعم لقد انتحل هوية زوج عمته المسمى “عبد المالك” فتم استدعاؤه مرتين من طرف إدارة الولاية لإلغاء ملفه، لكنه تمكن من تجاوز فخ الأسئلة المخادعة، فعن سؤال ماهية الهدف من إنشاء هذا الفريق؟ فقد كان جوابه أنه يهدف إلى تدريب وتحضير الشبان للخدمة العسكرية وإزاحتهم من على الشوارع والطرقات وعن سؤال سبب اختياره اللونين الأخضر والأحمر وإلى ما ترمز؟ فأجاب مباشرةَ بمكر الأخضر يرمز للجنة والأحمر للنار، أما الأسئلة الأخرى فكانت شكلية وتمكن من تجاوزها كلها.
“العمة” التي قدمت عُربون ميلاد المولودية
مشروع تأسيس الفريق كان قاب قوسين أو أدنى من الفشل بسبب عدم توفر الإمكانيات المالية اللازمة وبعد تقطع السبل وغُداة مراودة فكرة التخلي عن تأسيس المولودية ذهن عوف حدثت المعجزة!، أتى ذلك البطل الذي أنقد الموقف ولم يكن سوى عمته التي قدمت له 150 فرنك فرنسي كانت تكتنزها في خزانتها القديمة فكانت هذه المنحة هي هبة ميلاد “المولودية الإسلامية الشعبية”، هذا المبلغ مكن عوف من شراء الأحذية والقمصان، وأخيرا تمت المصادقة رسميا على تأسيس فريق مولودية الجزائر متخذا من النجمة والهلال شعارا له.
المولودية مُرعبة الاستعمار الفرنسي!
قصة هذا النادي كقصة موسى عليه السلام الذي تربى بين أحضان عدوه فرعون فكما كان موسى المتبنى سببا في هلاك فرعون، كانت المولودية التي خُتمت أوراق تأسيسها بأختام فرنسية سببا في ادخال الرعب على المستعمر وبدون سلاح! ومن هنا بدأت قصة فريق المولودية.
الفريق الإسلامي العاصمي بدأ المنافسة عام 1921 الذي كانت تشكيلته تتكون من شبان لم يلعبوا كرة القدم من قَبل وكانوا عديمي خبرة مقارنة بفرق أخرى فرنسية تأسست قبلهم بسنين، ونقص الإمكانيات كان فادحا رغم هذا تمكن العميد من احتلال مرتبة مشرفة نهاية الموسم في البطولة، وفي الموسم الموالي انضم النادي رسميا للرابطة الفرنسية في درجتها الخامسة كون الجزائر كانت تحت الاستعمار.
المولودية العاصمية واصلت مجابهة مكائد الاستعمار الفرنسي المرعوب آنذاك من شعبية النادي المتزايدة بشكل رهيب ففرض الاستعمار على لاعبيها قضاء الخدمة العسكرية إجباريا لكبح تقدم الفريق فقد كان الاستعمار مذعورا من تنامي شعبيتها المتواصلة يوما بعد يوم، لكن المولودية واصلت الصعود حتى الدرجة الأولى محققة سلسلة نجاحات باهرة مسجلةً مسيرة متميزة من الكفاح الرياضي وحتى النضال المسلح حيث قدمت المولودية أكثر من 79 شهيد و37 من لاعبي الفريق حُكم عليهم بالإعدام لقيامهم بمساعدة جيش التحرير الوطني آنذاك.
“حوميزم” أنصار المولودية
مولودية الجزائر فريق ذو قاعدة جماهيرية رهيبة في كامل أنحاء الجزائر يمتلك ترسانة مناصرين شغوفين إن لم نقل مجانين بتشجيع فريقهم، الذين يجري فيهم حب الفريق كمجرى الدم في الجسد، فريق تجاوز فكرة اللعبة الكروية أو الرياضية بل أصبح جزء من التراث الوطني، مناصروه يتوارثون انتماءهم إليه أبًا عن جد، حي باب الواد معقلهم يذودون عنه مثلما يذود السبع على عرينه.
حرب التسعين دقيقة بين الأشقاء الأعداء!
مولودية الجزائر واتحاد العاصمة فريقان من منبع واحد من قلب العاصمة الأول اتخذ من باب الوادي قلعة له والثاني استوطن بسوسطارة، هما الاخوة الأشقاء خارج الملعب والعدوان اللدودان فوق البساط الأخضر وفي المدرجات، يعرف كل منهما حدوده بين المنعرج الجنوبي والمنعرج الشمالي فالكل يستعد حينما يحين موعد حرب التسعين دقيقة.
في كل داربي بين الإخوة الأعداء تعيش العاصمة أجواءً خُرافية تتحول فيها الشوارع إلى ساحة حرب
أسلحتها الثقيلة من الجداريات والأهازيج التي تطلقها كتائب جيوش مناصري المولودية أما الأهازيج المضادة فيطلقها أشقاؤهم الأعداء مناصري اتحاد العاصمة، مشاهد الكر والفر هاته تُعلي مؤشر حب الحي والانتماء إليه، ومعها تتجسد فكرة الحوميزم في أبهى صورها، هنا يتنازع الجميع حب حيّهم باب الوادي، “باب الواد يا حومتي لعزيزة”، أما إذا ارتفعت الحناجر مرددة باب الواد الشهداء فاعلم أن مشاعر الوطنية، عفوا بل الحومية قد حضرت وأن مؤشر التضحية قد ارتفع إلى أقصى درجاته، وتزيد الاستعراضات الجماهيرية للمناصرين داخل الملعب من جمال المشهد، وتصير الشماريخ والألعاب النارية أسلحة ثقيلة لرفع الهمم والتحليق بها عاليا داخل معاقل كل فريق.
أهازيج مناصري المولودية التي تُبلغ الرسائل
الأعلام الضخمة التي تزين مدرجات المولودية تسمى “الأولتراس” أين يتفنن الشباب في خلق رموزها ونَظْمِ شعاراتها، كما تعبّر الأغاني الحماسية عن الواقع المعاش لأبناء الحي، الذين تصدح أفواههم باحثَةً عن متنفسِ لمكنوناتهم المكبوتة فتجدهم يصنعون أهازيجًا عالية الرمزية كأنها من نُضم شعراء محترفين هدفها توصيل الرسائل السياسية والمطلبية والمشتكى إلى الجهات الوصية، فما لا يوصله الشاب لحكامه وهو مواطن يمكن أن يوصله إليهم وهو مناصر بالمدرجات.
الانتماء لمحبي العميد كان دائما متنفسا للمغنين وكُتاب الأغاني الرياضية أيضا، فمثلما هو متنفس المناصرين الشناوة، وجد كل من الحاج مريزق، عمر الزاهي، الشاب توفيق، وأصوات أخرى متنفسا لهم في التغني بالمولودية على مر الزمن.
سِجِلٌ حافل بالتتويجات!
عميد الأندية الجزائرية حقق أولى ألقابه بعد الاستقلال أمام الجار والغريم التقليدي اتحاد العاصمة، وفاز بلقب السيدة الكأس سنة 1971 بملعب 20 أوت تحت أنظار الرئيس الراحل الهواري بومدين.
تتويج العميد بثلاثية سنتي 1975/1976 سيبقى في تاريخ كرة القدم الجزائرية وهو ايضا أول فريق يحقق رباعية (بطولة…كأس…دوري أبطال افريقيا والكأس المغاربية) تحقق ذلك بفضل تشكيلة قوية يسميها عشاق الكرة “بالجيل الذهبي الافريقي” ويعتبرها البعض أفضل تشكيلة جزائرية على مر السنين، نجوم سطعت في سماء الكرة الجزائرية تقمصت ألوان المولودية منها “عمر بطروني”، “حسان طاهير”، “علي بن شيخ”، “الزوبير باشي”، “عبد السلام بوسري” إضافةً إلى “باشطة” والقدم الذهبية “لخضر بلومي”.
سنوات السبعينيات من القرن الماضي كانت العصر الذهبي للشناوة كيف لا وقد لعبت المولودية مع الكبير ريال مدريد! بل تسيدوا أيضا القارة الافريقية بمتاعبها ومشقات سفرياتها في أولى مشاركة جزائرية في المنافسات القارية فكان الثامن عشر من شهر ديسمبر عام 1976 تاريخ تتويج مستحق للعميد ضد نادي حافية كوناكري الغيني.
إنجازاتُ وألقاب العميد كثيرة ففي خزانة تتويجاته نجد الفوز بالبطولة الوطنية 8 مرات وكأس الجمهورية 8 مرات هي كأس أقل ما يقال عنها أنها ملهمة الفرق الجزائرية وصانعة أفراحها بل وأحزانها أيضا.
المولودية الشعبية توجت أيضا بكأس الرابطة مرة، كأس السوبر 4 مرات، دوري أبطال أفريقيا مرة واحدة والكأس المغاربية للأندية الفائزة بالكؤوس مرتين أيضا، سجل حافل تجاوز عديد العثرات والمطبات.
“الشماريخ” التي ستُسعف إخوتنا الغزيين!
وقررت جماهير نادي مولودية الجزائر إلغاء الاحتفالية السنوية للنادي بمناسبة الذكرى الـ 104 من التأسيس، تضامنًا مع الشعب الفلسطيني في غزة، وتحويل ميزانية شراء الشماريخ و الألعاب النارية بالكامل لدعم جهود الإغاثة الإنسانية، في خطوة تعكس روح التضامن والوعي الإنساني لدى أنصار النادي.
وأكد الإعلامي الجزائري حفيظ دراجي الذي عُين سفيرا لقيم ورسالة جمعية البركة الجزائرية، في منشور على صفحته الرسمية على فيسبوك، أن القرار جاء نتيجة الظروف الإنسانية الصعبة والتجويع الذي يعيشه سكان غزة، حيث أعلن أنصار المولودية، بالتنسيق مع جمعية البركة الجزائرية، عن إلغاء الحفل السنوي المعتاد للنادي، ووجّهوا ميزانيته بالكامل لإطعام المحتاجين في غزة.
وأشار دراجي إلى أن جمعية البركة ستتولى تنفيذ هذه المبادرة، نظرًا لمصداقيتها المعروفة في ميادين العمل الخيري داخل وخارج الوطن، مؤكدًا أن “الإنسان أغلى من أي احتفال، وأن فلسطين ستظل دائمًا في القلب”.
ولاقت هذه المبادرة الإنسانية إشادة واسعة عبر منصات التواصل الاجتماعي، حيث عبّر كثيرون عن اعتزازهم بالموقف النبيل لأنصار مولودية الجزائر، الذين اختاروا التضامن العملي مع القضية الفلسطينية بدلًا من الاحتفال التقليدي.
حُلمٌ كان ضربا من الخيال تحقق للمولودية رُغما عن أنوف المُستعمر، العميد لا يموت والمولودية ليست قصة بطولة أو كأس أو لعبة بل هي حكاية فريق مستنسخ عن شعب بأكمله، في المنعرج الجنوبي تجدهم دائما متواجدون، متضامنون، متحدون متسامحون و لإخوتهم الفلسطينيين مُساندون.