منوعات
أشاد به طه حسين وتأسف لعدم إتقانه العربية

مولود معمري.. قصة المثقف الذي ظلمته السياسية

الشروق أونلاين
  • 15722
  • 28
الشروق
معمري (الثاني على اليمين) رفقة محمد العيد ىل خليفة وقدور محامصي بباتنة 1967

ارتبطت أحداث الربيع الامازيغي باسم مولود معمري لأن تلك الأحداث اندلعت مباشرة بعد منع معمري من إلقاء محاضرة في جامعة تيزي وزو، ومن يومها وسم الكاتب بكل لعنات السياسية وألصقت به تهم العمالة وخيانة الوطن في حين يؤكد كل من عاصر مولود معمري أنه رجل ثقافة وفكر مسكون بالإشكاليات الكبرى للثقافة الجزائرية بعيدا عن الصراع السياسي، مولود معمري ظلم كثيرا، حيث ألصقت به وبفكره الكثير من التهم، كما نسبت إليه الكثير من الأكاذيب والادعاءات من قبيل أنه كان من دعاة الفكر الانفصالي أو كان ضد اللغة العربية وغيرها من التهم التي لا تمت بصلة لفكر رجل قدم الكثير للجزائر وظل إلى آخر حياته نصيرا لمهمته الأولى كمثقف ورجل بحث جامعي.

في ليلة 25 فيفري 1989 كانت الجزائر تودع أحد كبار كتابها إلى غير رجعة في حادث مرور رتبته الأقدار بتوقيت مدهش كان ذاك هو مولود معمري الذي استخلص قبل ذلك بساعات فقط في حوار مع صحفي مغربي أن “قلمه قد مات”، جملة أطلقها معمر يمازح صحفيا سأله عن توقف حبر قلمه لكنها تحولت إلى نبؤه الكاتب بمصيره فانقلبت به سيارة (بيجو 205) في منعرج عين الدفلى موقعة نهاية رحلة شاقة وحافلة وثرية من حياة معمري. 

 رحل الكاتب ليلتها بهدوء وفي صمت وتواضع كما عاش حتى دون أن يتعرف عليه من كان في المستشفى وشيعته الجزائر كما يليق برجل عظيم مثله، أكثر من 200 ألف شخص في غياب تام للحضور الرسمي، لم تكن جنازة، كانت مظاهرة حاشدة ما يزال سكان آث يني يذكرونها إلى اليوم. 

يؤكد الشيخ مولاي صديق مرافق مولود معمري في تسجيل تراث الأهليل بصحراء تيميون “أن الرجل كان مثقفا حساسا وخجولا مهتما بإشكاليات الثقافة لا علاقة له بالسياسية أبدا، كان يعشق آلة الامزاد وصمت الصحراء وصبورا في اقتفاء أثار تراث الأهليل والإصغاء إلى صوت الأجداد”. يقول الشيخ مولاي “عرفت الرجل هادئا متواضعا وملتزما بالتنقيب التاريخي والعلمي، كرس حياته كلها للحديث عن الثقافة والبحث في مشاكلها، رافقته خلال سبع سنوات في جمع وتصنيف تراث الأهليل ولم يحدث يوما أن تحدثنا في السياسة .. تعرفت على مولود معمري بفضل الباحث الفرنسي بيار روجيه الذي كان يشتغل رفقة مولود معمري، كباحث في التراث الموسيقي، تلقى مكالمة من سيدة بريطانية تطلب منه المساعدة في تسجيل الموسيقي البدوية في الصحراء الجزائرية. عندما قدمت هذه السيدة إلى الجزائر أعطتها وزارة الداخلية تصريحا بالتسجيل ووضعت تحت تصرفها دليلا سياحيا، في الطريق قام الدليل بإسماع بيار روجيه موسيقى قال أنه سجلها في “ڤوربي” بمنطقة شروين، فأعجب بيار روجيه بالموسيقى وقال يجب أن يستمع إليها الدا المولود.. عندما حمل بيار روجيه التسجيل إلى صاحب “الربوة المنسية” بقي مدهوشا فمن جهة هناك اللغة الامازيغية، ومن جهة أخرى الموسيقى ذات اللمسة الخاصة. وهناك الابتهالات الدينية فطلب من بيار روجيه العودة إلى شروين لتسجيل موسيقى الأهليل، لكن عند وصول الباحث الفرنسي رفض السكان أن يلبوا طلبه، لأنه كان أجنبيا ذا عيون زرق. ومن عادة الأمازيغي دائما أن يكون متحفظا تجاه من لا يعرفهم يقول الشيخ مولاي. فما كان من بيار روجيه الذي رفض العودة إلى الدا المولود خالي الوفاض أن قصد رئيس الدائرة ليساعده، وعندما أخبره الباحث الفرنسي بأمره، قال له لماذا تذهب إلى شروين لتسجيل الأهليل والأهليل موجود هنا بتميمون، يقول الشيخ مولاي أن رئيس الدائرة أرسل في طلبه وطلب منه تحضير فرقة تؤدي الأهليل حتى يتمكن بيار روجيه من تسجيل الموسيقى، وهكذا تمت الأمور وعندما أخذ بيار روجيه التسجيل، وسمعه مولود معمري قال له يجب أن أقابل صاحب هذه الموسيقى .. يقول الشيخ مولاي.. ذات يوم من عام 1971 دق مولود معمري باب بيتي على الثامنة والنصف صباحا، ولم أكن قد عرفته من قبل، كنت فقط أسمع باسمه ككاتب وباحث كبير، يومها اكتشفت مولود معمري الإنسان ولم نفترق طيلة سبع سنوات قضاها معمري في تسجيل ودراسة موسيقى الأهليل، وله يعود الفضل في إخراج هذا التراث إلى العالمية. كان يزوروني تباعا في بيتي أو أذهب أنا إليه في العاصمة لترجمة ما يتم تسجيله، ولم نفترق إلى غاية وفاته رحمه الله.

 

معمري يحب النكتة والصرامة والبحث العلمي

الدا المولود الإنسان كان يحب النكتة والنقاش المفتوح، كان إنسانا وديعا يتقن الإصغاء للآخر مهما كان الموضوع. عندما يستغرق في موضوع بحثه يكون إنسانا صارما، ولكن عندما ينتهي يمكن أن يتأقلم مع كل الشرائح العمرية وجميع الناس أيضا. الدا المولود يقول الشيخ مولاي لم يكن يهتم إطلاقا بالسياسة، فطيلة سبع سنوات التي عرفته فيها لم يحدث على الإطلاق أن تحدثنا في أمور السياسية كان كل همه ثقافيا بحتا. يواصل الشيخ مولا حديثه: “تعرضت للكثير من المضايقات بسبب صداقتي مع معمري، الكثيرون كانوا يعتبرونه معارضا ويحشر أنفه في السياسة، لكن الحقيقة غير ذلك، معمري لم يهتم بالسياسة لا من بعيد ولا من قريب، كان يريد تطوير وإخراج التراث الثقافي الجزائري إلى الأضواء.

حقيقية يؤكدها كل من تحدثنا إليه من الذين عاصروا الرجل، أنه كان في قلب عصره ومشكلات بلاده والنقاشات التي كانت تعرفها الساحة أذاك حيث يؤكد الأستاذ الحبيب السياح  أن المحيط الجامعي في نهاية السبعينات وبداية الثمانيات لم يكن بعيدا عما كان يطرحه معمري في كتباته خاصة بالنسبة للطلبة “مفرنسين بربريست” وحتى وسط الطلبة من “المعربين اليساريين” من كان يدافع عن أطروحات معمري” ردا على تطرف “العروبيين” تجاه الهوية واللغة وحتى العرْقية؛ لأن “المفرنسين البربريست” كانوا على نفس درجة “المعربين العروبيين” تطرفا تجاه الهوية واللغة والعرقية أيضا”. ويؤكد الأستاذ الحبيب السايح الذي عاصر معمري كجامعي أن معمري بالنسبة له “في تلك المرحلة (نهاية السبعينيات) تنازل عن صفة الأديب لصالح صفة المثقف صاحب القضية: قضية كان من الصعب تقاسم طروحاتها؛ لارتكازها على العامل الإنثروبولوجي ـ مع ما كان لهذا الاختصاص من دور مشبوه في مراكز البحث الإثنولوجية والأنتروبولوجية الاستعمارية.

ثم إن رنين هذا الاختصاص كان ولا يزال ذا وقع سلبي لاتخاذه ذريعة من ذرائع تقسيم الوجدان الجزائري على أساس العرق أو اللغة أو هما معا. وعلى بعد المسافة، الآن، يؤكد السياح” أقدّر أن تحول مولود معمري إلى “النضال” بواسطة البحث في علامات الجذور والهوية واللغوية لم يكن غير رَدة فعل صافية وصلبة ـ كما يقال ـ على الطروحات “العروبية” التي كانت تجد لها مبتدأ ومنتهىً في “شعبوية” الحزب الواحد آنذاك والناشر لخطاب لغوي وثقافي أحادي أصاب في الصميم الخصوصية الجزائرية التي كانت تفرض مقاربات سياسية أخرى في مجال الثقافة واللغة ولم تكن مسألة خروج مولود معمري من الجزائر في خلال حرب التحرير ولا “صمته” حينها، ولا أدبه وأبحاثه محل نقاش كما كانت مواقفه السياسية تجاه “القضية البربرية”. لذا، يمكن لي أن أقول إنه كان “مسيح” الربيع البربري. في 1980أذكر أني كنت طرحت على مولود معمري، في إحدى محاضراته، بمركز البحث الأنثروبولوجي التابع لجامعة وهران، في بداية الثمانينيات، مسألتين: الأولى: كون اللغة (اللهجة؟) الأمازيغية غير قادرة على التجريد لتستوعب الفلسفة والرياضيات مثلا. والثانية: كون خط التفناغ أو الخط اللاتيني لا يستجيبان لرسم اللغة (اللهجة؟) الأمازيغية في الجزائر؛ لأن صوتياتها تتجسد أكثر مع الخط العربي (وذلك ما كان ستبرهن عنه جريدة “ألجيري ريبيبليكان” إذ خصصت صفحتين بالأمازيغية بالخط العربي) فأجاب عن الأولى بأنها تتطلب وقتا وبأن التأسيس لقواعدها جار. وعن الثانية بأن الخط اللاتيني عالمي. ولا أجزم إن كان أعطى مثالا بتجربة “أتاتورك”.

مسيح الربيع البربري كما يسميه الحبيب السايح اتخذ من البحث الأنثروبولوجي بديلا للغوغاء السياسية لتأصيل أطروحاته العلمية ولم يدخر أي جهد في سبيل ذلك.

آخر حوار للكاتب يومين قبل رحيله مع مجلة ”لوماتان دو صاحارا” (صباح الصحراء) المغربية يبدو أن معمري كان له حدس إدراك النهايات، فقد طلب منه الصحفي الذي حاوره أن يعطيه قلمه حتى يتمكن من كتابة عنوانه بالجزائر، لكن عندما شرع الصحافي في كتابة العنوان، فجأة توقف القلم عن الكتابة، فاستفسره الصحافي:  ولكن لا وجود للحبر في قلمك”؟  فأجابه الكاتب مازحا: ”أظنه مـات” الصحافي ترجاه أن يمكث أياما إضافية في مدينة وجدة، إلا أن جواب مولود معمري كان صارما:”لا، لا أستطيع  لدي موعـد هـام ينتظرني” كان ذلك موعد مع الموت..

 

مات وهو يحلم بـ”آفاق” المغاربية

يقول الدكتور أمين الزاوي أنه كان آخر كاتب جزائري تحدث اليه في ملتقى بالمغرب الأقصى، حيث يذكر أمين الزاوي أن مداخلة معمري كانت الأكثر إثارة للجدل نظرا لما جاء فيها من أفكار، لكن الزاوي يؤكد أنه لم يجد في معمري تلك الصفات والصور التي طالما تداولها الإعلام حوله، فلم يكن أبدا رجلا متعصبا بل بالعكس كان انسانا بسيطا متواضعا وخجولا، لا يكاد يرفع عينيه في وجه محدثه. ويؤكد الزاوي الذي كان مترجم الحوار الذي أجرته إذاعة مغربية مع الكاتب على هامش الملتقى أن معمري كان مهتما بالفضاء المغاربي، وكان قد تحدث إليه عن مشروع انشاء مجلة مغاربية “آفاق” كما كان يعد لدراسة أنثروبولوجيا عن منطقة بني سنونس. يؤكد الزاوي في شهادته أنه كان قد انتزع وعدا من الكاتب لاستضافته في حصته أقواس قبل أن يفاجأ لدى وصوله إلى بيته بوهران أن الكاتب رحل في حادث سيارة مؤلم.

معمري من روايته “الربوة المنسية” اقتبس أول عمل سينمائي بالأمازيغية التي لم تكن غير الجزائر في عزلتها. تلك الرواية التي أشاد بها طه حسين وتمنى لو أنها كتبت بالعربية حتى يكتشفها القراء العرب وكذا صاحبها روائيا استثنائيا.

وفي حوار نادر نقله الى العربية الأستاذ محمد عاطف بريكي ونشر في الصحافة في مناسبة من مناسبات إحياء ذكرى رحيل الكاتب معمري يؤكد على عكس ما يروج له الإعلام أن الكاتب يكن الكثير من الاحترام للغة العربية، ويعتبر أن عدم اتقانه لهذه اللغة يشكل له نقصا كبيرا “لقد حاولت كثيرا أن أتعلم اللغة العربية ولكني فشلت، وفشلي في تعلم لغة بلادي أثبت غبائي عن جدارة، وهذه مأساتي تكمن في داخلي وتسبب لي كثيرا من الآلام ولكن الأجيال المقبلة من الكتاب الجزائريين ستعوض كل ما حرمنا منه..”.

وفي نفس الحوار يبدو الكاتب مؤمنا أن دور الكاتب هو ريادي في المجتمع وليس موظفا لدى السلطة، كما لا يجب أن ينزل رجل الثقافة الى الشارع، بل على العكس يجب أن يرتقي الشارع الى خطاب المثقف “أؤمن تماما بأن الكاتب يجب أن يرفع من مستوى الجمهور المثقف إليه.. وأنا دائما ضد هذه الفكرة.. وأحب أن أرتفع وأن يرتفع معي القراء.. أن نرتفع معا”  ..“الكاتب ليس موظفا في الدولة، لأنه إنسان متحرر من جميع القيود.. يتحرك ويصرخ، ويفرغ، وتحركه أحاسيسه وانفعالاته، ويعبر عن كل هذا بقلمه… أن الكاتب هو حقيقة الجمهور لأنه هو الوحيد الذي يستطيع أن يعبر عن مأساته”.. كان هذا هو الدور الذي آمن به معمري إلى نهاية رسالته. ورغم ما كان يمثله معمري كرجل ثقافة وأهميته في الحقل المعرفي لكنه بقى رجلا متواضعا على قدر كبير من البساطة، حتى أنه أجاب من سأله متى ستكتب مذكراتك قائلا: “لست الإسكندر الأكبر حتى أكتب مذكراتي. أنا مناضل جزائري بسيط، أحمل السلاح والقلم في وجه العدو… في أي مكان، وأي زمان!”.. العدو الذي قصده معمري كان بصيغة أو بأخرى الجهل والتعصب والانغلاق الذي حاربه بكل ما أوتي من أدواة فكرية وعلمية، فمن الرواية إلى البحث الجامعي المتأصل قاد الدا المولود مشوارا كبيرا وعميقا في التأسيس للسانيات الامازيغية، حيث كتبت” تاجرومت” التي تحمل اليوم اسمه” ثيمعمرث” حيث وضع وضبط قواعد اللغة وقد استغل الكاتب فرصة تواجده بالمغرب الأقصى بعد أن لاحقته السلطات الاستعمارية في الاحتكاك بأمازيغ المغرب، الأمر الذي جعله يحمل لواء إنجاز قاموس أمازيغي موحد بين دول المغرب الكبير..

 

الصحافة الفرنسية حاولت تشويه معمري

في جريدة الشاب المسلم، كتب محمد شريف ساحلي، مقالا عن رواية معمري “الربوة المنسية” بعنوان “هضبة الحرمان” المقال يعود تاريخه الى 1952 تناول فيه موقف الصحافة الفرنسية من الرواية التي اعتبرتها “رواية الشعب القبائلي” محاولة لي ذراع النص ومنحه أبعادا ليست فيه. المقال بدأه محمد شريف ساحلي بكون صدور رواية معمري عن دار نشر فرنسية كبيرة قد لا يصل إليها الكتاب الفرنسيون أنفسهم، شيء يؤكد العبقرية الأدبية لهذا الرجل.

ثم عرض النقد الذي دار حول الرواية في الصحافة الفرنسية التي حاولت استغلال معمري ليست بصفته جزائريا ووطنيا، لكن بوصفه واحد من “الشعب القبائلي” مثلما ذهبت إليه جريدة  la dépêche quotidienne  والتي حاولت إيجاد ما سمته بالروابط والقواسم المشتركة بين “الشعب القبائلي” وفرنسا التي جاءت حاملة لرسالة الحضارة وذهبت صحيفة محترمة مثل “فن باريس” إلى تقديم قراءة منحازة للرواية من خلال البطل الذي قدمته كنصير للاستعمار وشعارات الرسالة الحضارية وصارت” الربوة المنسية” رواية مشهورة لوطني فرنسي.. وخلص محمد شريف ساحلي في ختام مقاله في جريدة الشاب المسلم الصادر في عام 1952 إلى دعوة معمري نفسه للتدخل لتوضيح وتصحيح تلك الصورة التي أعطاها الأعلام الفرنسي لرواية “الربوة المنسية” لأنه إذا واصل التزامه للصمت إزاء تلك الكتابات يكون قد رضي “بإهانة وطنية”  l’indignité nationale

مقالات ذات صلة