ميزانية قياسيّة أخرى في 2027 والنواب سيشرّحون مواد المشروع
السكن والاستثمار والعقار الاقتصادي والجباية المنجمية ملفات ثقيلة على الطاولة
232 مادة ترسم ملامح السياسة المالية وبرمجة كافة مسؤولي المديريات المالية
تتجه الأنظار مساء الاثنين، إلى لجنة المالية والميزانية بالمجلس الشعبي الوطني، حيث يعرض وزير المالية محمد لمين لبو مشروع قانون المالية لسنة 2027، في محطة تتجاوز أهميتها تقديم الأرقام والتدابير الحكومية، لتضع السياسة المالية للدولة أمام نقاش تشريعي واسع بشأن أولويات الإنفاق، ومصادر الإيرادات، وسبل تمويل التنمية ومواصلة الالتزامات الاجتماعية خلال العام المقبل.
ويكتسب هذا الموعد أهمية إضافية لكونه يأتي في بداية عهدة برلمانية جديدة، وأمام لجنة مالية تستهل عملها في ظل تركيبة جديدة، ما يجعل دراسة المشروع اختبارا مبكرا لقدرة المؤسسة التشريعية على استيعاب تفاصيل النص ومناقشة آثاره الاقتصادية والاجتماعية بكفاءة، وتتضح أهمية هذا الاختبار بالنظر إلى حجم الوثيقة نفسها، التي تمتد على 275 صفحة وتتضمن 236 مادة، تتناول مجالات متعددة، من الضرائب والرسوم والجمارك إلى الاستثمار والعقار الاقتصادي والقطاع المنجمي، مرورا بالمحاسبة العمومية والرقابة الجبائية وتسيير بعض الصناديق والموارد العمومية.
ولا يتعلق الأمر، بالتالي، بنص مالي تقني محدود الأثر، بل بإطار تشريعي تتداخل أحكامه مع نشاط المؤسسات، والتزامات المكلفين بالضريبة، وموارد الخزينة، وآليات تنفيذ السياسات العمومية، وهو ما يجعل الإحاطة بمضمونه تتطلب قراءة متأنية لا تكتفي بعرض مواده، بل تبحث في أهدافها والنتائج المنتظرة منها.
ولإحاطة النواب بمختلف جوانب المشروع، ستتواصل أشغال اللجنة عبر جلسات استماع تشمل 14 وزيرا ومسؤولا من القطاعات والهيئات المعنية بالمالية، بما يتيح التعمق في تفاصيل النص من جوانبه التقنية والقطاعية، وستشمل هذه اللقاءات أيضا مسؤولين عن إدارة أملاك الدولة والمديرية العامة للضرائب، إلى جانب مسؤولي الميزانية وإطارات وهيئات أخرى ذات صلة، بهدف توضيح التدابير المقترحة، وشرح انعكاساتها على الإيرادات والنفقات، والإجابة عن انشغالات النواب بشأن آليات تطبيقها، وتكتسي هذه المرحلة أهمية خاصة، لأنها تتيح الانتقال من القراءة العامة لمواد المشروع إلى مناقشة خلفياتها المالية والقانونية، وفهم أثرها المباشر على المؤسسات والمواطنين، بما يساعد اللجنة على إعداد مناقشة تستند إلى المعطيات الدقيقة والخبرة القطاعية قبل استكمال دراسة النص وإعداد تقريرها.
ويأتي هذا الاستحقاق التشريعي بعد فترة قصيرة من تولي محمد لمين لبو حقيبة المالية، إذ تسلم مهامه في الثاني من سبتمبر الماضي، خلفا لعبد الكريم بوالزرد، بعد ما شغل منصب محافظ بنك الجزائر منذ فبراير 2026، ويحمل هذا المسار المهني دلالة مهمة، بالنظر إلى أن الانتقال من قيادة المؤسسة النقدية إلى الإشراف على وزارة المالية يجمع بين خبرة في المجال المصرفي والنقدي ومسؤولية مباشرة عن السياسة الميزانياتية والجبائية للدولة، غير أن التحدي الذي يواجه الوزير الجديد لا يرتبط بخبرته السابقة وحدها، بل بقدرته على ترجمة التوجهات المالية إلى آليات تنفيذ واضحة، وتحقيق الانسجام بين تعبئة الموارد، وترشيد الإنفاق، ومرافقة النشاط الاقتصادي.
ويأتي مشروع قانون المالية لسنة 2027 في سياق تتجدد فيه الأرقام القياسية للميزانية الجزائرية من سنة إلى أخرى، مع اتساع احتياجات الدولة وتزايد متطلبات تمويل الخدمات العمومية والسكن والصحة والتعليم والبنية التحتية والاستثمار، فما يُسجل في سنة باعتباره غلافا ماليا غير مسبوق، سرعان ما يصبح قابلا للتجاوز في السنة الموالية، بفعل توسع البرامج الحكومية وارتفاع تكاليف التسيير وإنجاز المشاريع واستمرار الالتزامات الاجتماعية، ويعكس هذا المسار اتساع الدور المالي للدولة، لكنه يطرح في الوقت نفسه سؤالا أساسيا، وهو كيف يمكن تحويل الزيادة المستمرة في الاعتمادات إلى تحسن ملموس في الخدمات ومستوى التنمية والإنتاج.
ولذلك، لا تكتمل قراءة الميزانية بمجرد مقارنتها بالسنة السابقة، بل تقتضي النظر في طبيعة النفقات، ومصادر تمويلها، ومستوى تنفيذ المشاريع، والنتائج التي تحققها، ومن هذا المنطلق، فإن أهمية مشروع 2027 لا تكمن في ضخامة غلافه المالي وحدها، بل في مدى قدرته على الاستجابة للاحتياجات المتزايدة مع تعزيز فعالية الإنفاق واستدامة الموارد.
وتشير الأرقام الواردة في المعطيات الأولية للمشروع إلى إيرادات متوقعة تبلغ 9.251 مليار دينار، مقابل اعتمادات دفع قُدّرت في النسخة محل القراءة بنحو 17.883 مليار دينار، ويعكس الفرق الحسابي بين الرقمين حجم الاحتياجات التمويلية المرتبطة بتنفيذ الميزانية، غير أن تحديد العجز الميزانياتي يستلزم الرجوع إلى الجداول الرسمية المعتمدة ومنهجية احتسابه، بدل مساواة هذا الفرق تلقائيا بالعجز النهائي، وتكتسب هذه النقطة أهمية خاصة في النقاش البرلماني، لأن فهم بنية الإيرادات والنفقات ومصادر التمويل هو المدخل الأساسي لتقييم استدامة الخيارات المالية.
أما على مستوى الإنفاق الاجتماعي والاستثماري، فتبرز أهمية التوفيق بين حماية القدرة الشرائية وتمويل المشاريع التي تدعم النشاط الاقتصادي على المدى الطويل، فالتحويلات الاجتماعية تساهم في مرافقة الأسر والفئات المستفيدة، بينما يتيح الاستثمار العمومي تطوير البنية التحتية وتحريك قطاعات واسعة، من الأشغال العمومية والنقل إلى الصناعة والخدمات، وعندما تنفذ المشاريع في آجالها وتحسن إدارة الاعتمادات، يمكن للإنفاق العمومي أن يولد آثارا تتجاوز قيمته المباشرة، من خلال خلق فرص العمل وتوسيع نشاط المؤسسات وتعزيز الموارد الجبائية مستقبلا، وفي هذا الإطار، يستند المشروع إلى توقعات نمو اقتصادي تبلغ 4.2 بالمائة سنة 2027، ترتفع إلى 5 بالمائة خارج المحروقات، مع نمو صناعي متوقع عند 6 بالمائة، وتبرز هذه الفرضيات أهمية مواصلة تنويع الاقتصاد الوطني وتوسيع مساهمة القطاعات المنتجة في خلق الثروة، بما يدعم قدرة الدولة على تعبئة موارد أكثر استدامة، فكلما اتسع النشاط الاقتصادي خارج المحروقات، ازدادت فرص توسيع الوعاء الجبائي وتقليص حساسية الإيرادات العمومية لتقلبات أسواق الطاقة.
ويحافظ المشروع على البعد الاجتماعي من خلال تدابير تتعلق بدعم برنامج السكن بصيغة البيع بالإيجار، وتمديد بعض الإعفاءات والتخفيضات الجبائية المرتبطة بمواد غذائية ومدخلات إنتاج وخدمات الإنترنت الثابت، وتندرج هذه الإجراءات ضمن مواصلة مرافقة الأسر والأنشطة الاقتصادية، إلى جانب التوجيهات الرئاسية المتعلقة بإدراج الزيادات في الأجور وعدم فرض ضرائب تمس القدرة الشرائية للطبقة المتوسطة وذوي الدخل المحدود، وفق بيان مجلس الوزراء الصادر في الرابع من أكتوبر 2026، وفي المقابل، يتجه المشروع إلى تعزيز تعبئة الموارد وتحديث أدوات التحصيل والرقابة، من خلال مراجعة بعض الأحكام الجبائية وتوسيع الالتزامات المرتبطة بالأنشطة الرقمية والمعاملات الإلكترونية، كما تبرز أحكام تتعلق بتوسيع إلزامية تعيين محافظ الحسابات، وتطوير الإطار المنظم للاستثمار والعقار الاقتصادي والقطاع المنجمي، وتعكس هذه التدابير مسعى تحسين الشفافية المالية، ومواكبة التحولات الاقتصادية، وتوفير شروط أكثر ملاءمة لتجسيد المشاريع، مع أهمية وضوح القواعد القانونية وتناسب التزامات الامتثال مع طبيعة المؤسسات وحجمها.