الرأي

مُضربون عن الحياة!

محمد حمادي
  • 2661
  • 5

يوميات الجزائريين المضرجة بهموم البطالة وأزمة السّكن وسائر المشاكل التي صنعت منهم كائنات محبطة، هوت بهم إلى مكان سحيق تغمره مشاعر اليأس والتذمر والخوف والقلق من المستقبل، وأظهرت أنّ هذا الشعب لم يعد يُضرب عن العمل فقط للمطالبة بحقوق يراها مشروعة، بل أضحى مضربا عن الحياة برمّتها التي لم يعد لها معنى لدى كثير ممّن عضّت عليهم الدّنيا بأنيابها؛ فشعروا أنّ مواصلة العيش في هذا البلد من سابع المستحيلات، بالنظر لحالة اليأس والإحباط التي فتكت بكثير منهم، من فرط الكوارث التي تلوّن المشهد العام، في وطن دخلت كل قطاعاته الحيوية غرفة الانعاش!

2018 التي كان كثير من الجزائريين يتطلعون إلى حياة أفضل فيها، تشق لهم بصيصا من الأمل وسط ضباب يلف درب المستقبل، سرعان ما تحوّلت إلى عنوان للضّغط الذي ولّد انفجارا اجتماعيا وقوده الإضرابات والاحتجاجات ومعدلات الانتحار، التي أبانت حجم ازدياد معدلات غير الراغبين في الحياة، والمجانين الذين بلغ عددهم النصف المليون مجنونا، والعوانس اللائي فاق عددهن الـ11 مليون عانس؛ فدخلوا في قفص التعاسة، وأبغض الحلال الذي ضرب بقوة ليصل إلى 68 ألف حالة، مدمرا آلاف الأسر، بعد ما نسف رابطة شرعية مقدّسة اسمها الزواج، وأفقد مئات الآلاف من الأطفال بوصلة الحياة.

المأساة كانت أكبر، عبر تلك المشاهد المؤسفة التي أدمت قلوب الجزائريين، صنّاعها عدد من المغامرين، الذين اختاروا شق عباب البحر، بحثا عن حياة كريمة في الضفة الأخرى؛ فتحولوا إلى جثث متحلّلة رمت بها الأمواج إلى اليابسة، بعد ما عاثت فيها الأسماك نهشا، وآخرون اغتيلوا في ديار الغربة، في قصص درامية ما تزال دوافعها مجهولة إلى حدّ السّاعة.

الجميع، كل في مكانه ومنصبه، ساهم في صناعة هذا الكمّ الهائل من اليأس والإحباط، سواء كانوا مسؤولين أو مواطنين؛ فكيف يقبل الجزائريون على الحياة وهم يرون أن نواب البرلمان الذين منحوهم أصواتهم، يرفعون الأيدي وبالأغلبية  ضد تعريب الصكوك البريدية؟

كل المؤشرات تظهر بأننا أفلسنا اقتصاديا وسياسيا واجتماعيا ودينيا وأخلاقيا، بعد ما أضحى الجميع يهرب من المسؤولية ويلقي باللائمة على الآخرين، معلنا استقالته من الحياة برمّتها؛ فمن يحاسب من؟ هل نحاسب رئيس البلدية الذي تلاعب بصفقة تشييد حديقة عمومية؟ أم أشباه المواطنين الذين لم يتوانوا عن سرقة الحاويات المخصصة لتجميع القمامة؟

من نلوم؟ مسؤولي النقل الذين حوّلوا السّفر عبر القطار إلى جحيم بالنظر إلى تدني الخدمات؟ أم أولئك المرضى نفسيا الذين احتفلوا بتدشين قطار عصري بمواصفات عالمية على طريقتهم الخاصة؛ فمارسوا هواية الرشق بالحجارة، ملحقين أضرارا بالغة بعرباته، وكادوا أن يسقطوا أرواحا بتصرفهم الهمجي هذا؟

من يتحمّل المسؤولية إذن في هذه المشاهد السوداودية والتصرفات غير الحضارية؟ هل التلاميذ الذين وجدوا في إضراب الأساتذة فرصة للتسكع في الشوارع وممارسة شتى صنوف الانحراف؟ أم أستاذهم الذي يلزمهم بدفع مبالغ باهظة ليدرسهم في مستودعات في وضعية كارثية؟ هل نلقي باللائمة على وزارة التربية التي فصلت الأساتذة المضربين وعوضتهم بالمستخلفين؟ أم التلاميذ الذين تضامنوا مع أساتذهم؛ فخرجوا في مسيرات حاشدة؟

للأسف، تحالف الجميع، ليغرق سفينة البلد في بحر لجِّيٍّ من المشاكل والهموم، والنتيجة حصاد مرّ يدفع ثمنه الجميع.

مقالات ذات صلة