ناجون مصدومون على تخوم “جحيم” الموصل القديمة
بعد تحريرهم مع تقدم القوات العراقية في آخر مواقع تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) في الموصل، يبدو أن سكان المدينة القديمة الذين يقولون إنهم عادوا من “الجحيم”، قد نجوا من الموت والجوع، ولكن ليس من المآسي والصدمات.
تصل تلك العائلات، عبر مدرعات تابعة للقوات الخاصة العراقية، إلى نقطة قريبة قرب طريق ترابية وخالية إلا من عدد قليل من الجنود وعيادة مؤقتة لاستيعابهم.
على بعد مئات الأمتار من ذلك المكان، يحتدم القتال في أحياء المدينة القديمة في الموصل، حيث الأزقة الضيقة والمباني الحجرية القديمة المتلاصقة.
وتخوض القوات العراقية معارك للسيطرة على آخر المواقع التي يسيطر عليها تنظيم “داعش” المحاصر والعازم على القتال حتى آخر رمق، فيما يحتجز أكثر من مائة ألف مدني كدروع بشرية.
وتسمح سيطرة القوات الأمنية على كل منزل، بتحرير مدنيين متحصنين خوفاً من الضربات الجوية للقوات العراقية والتحالف الدولي، بالإضافة إلى قذائف الهاون وقناصي التنظيم المتطرف الذين لا يترددون بقتل أي شخص يحاول الفرار.
وينقل المدنيون إلى العيادة بمجرد التحقق من هوياتهم. يوزع عليهم الجنود المياه والبسكويت، فيرمي الأطفال المتضورون جوعاً بأنفسهم عليها، لترتسم على وجوههم ابتسامة صغيرة.
ويبدو الأثر أكبر على البالغين، كما لو أنهم يصفون جميعاً “جحيماً” قلب حياتهم رأساً على عقب.
“عدنا من الموت“
تصرخ امرأة متشحة بالسواد “لقد قتل الكثير من الأبرياء”. فيقول أمير (32 عاماً) الذي يرتجف بين ولديه قصي (عامان) وحسن (أربعة أعوام): “لقد عدنا من الموت“.
ويشير إلى كوب معدني في داخله حفنة قليلة من فتات الخبز يحتفظ به ككنز، قائلاً: “هذا ما نأكله منذ أسابيع“.
وخلال أسابيع، قامت أم نشوان الستينية السقيمة، بإطعام عائلتها “الطحين الممزوج بالماء” الذي كانت تطبخه. ولا تفكر أم نشوان حالياً إلا بـ”نسيان الجوع“.
يوضح ضابط أن المدنيين “متحصنون في سراديبهم، وغالباً يموتون من الجوع”، مضيفاً “بعضهم وصل به الأمر إلى أكل العشب، والبعض الآخر أكل الكلاب“.
يلفت أحمد ديران، أحد المتطوعين في العيادة، إلى أن “الغالبية تعاني من الجفاف وسوء التغذية، وخصوصاً الأطفال. الكبار يكونون أحياناً بحالة هستيرية، لأنهم غالباً فقدوا ثلاثة أو أربعة أفراد من العائلة“.
ويضيف أن “الأسوأ آت، لأن الجيش يتقدم، هناك عدد أكبر من المدنيين المحاصرين مع الدواعش في عدد قليل من المباني، وبالتالي هم ضعفاء“.
وطرد تنظيم “داعش” من المدينة القديمة يسمح للقوات العراقية بإحكام سيطرتها على كامل الموصل، ثاني أكبر مدن العراق، التي سقطت بيد التنظيم المتطرف في جوان 2014.
“خذوا دمي كله“
استقبال النازحين من المدينة القديمة لا يخلو من بعض التوتر، إذ يتهمهم البعض بالتساهل أو التعاطف مع “داعش”، هم الذين انتظروا ثلاث سنوات للهروب من عناصره.
يضاف ذلك إلى الاعتداء الذي وقع، الخميس، في منطقة مجاورة، حين أقدم انتحاري على تفجير نفسه بعدما تسلل بين مدنيين هاربين من المدينة القديمة، فأوقع 12 قتيلاً.
بعد مرات لا تعد ولا تحصى، تصل مدرعة مطلقة صفارة الإنذار، مقلة زوجين يحملان جسداً صغيراً خاملاً ومغطى بالدماء.
تنهار المرأة التي ترتدي عباءة سوداء وحجابا زهرياً على كرسي، وتصرخ للجنود “ننتظركم منذ أشهر، لماذا تأخرتم؟“.
وكانت ذراعاها مغطاة بدماء طفلها الوحيد البالغ من العمر نحو ست سنوات، الذي أصيب في أحد أزقة المدينة القديمة بطلقة مجهولة المصدر.
ويقبع الطفل بين الحياة والموت، فيما يسعى أطباء العيادة لعلاجه.
وتضرب والدته رأسها بالحائط قائلة: “هذا طفلي الوحيد، أتوسل إليكم أن تنقذوه. خذوا دمي كله إذا لزم الأمر“.
وتوضح أنها وزوجها قررا مغادرة المدينة القديمة رغم تهديدات “داعش”، خصوصاً بعد مقتل اثنين من أقاربها بالقصف.
كان ابنها فرحاً، تقول الوالدة. “كان جائعاً، وقال لي +سأذهب لأقول صباح الخير للجنود وأن يعطوني البسكويت+”.