جواهر

ناضلي بشرف وانسي بنبل!

جواهر الشروق
  • 4003
  • 0

الأولى طلّقها فعاشت سنوات تقتفي أثره، وتتقصى خبره، وتتوعّد وتترقّب بشغف ربيع العذار على وجه اِبنها؛ لتدفعه إلى معركة الانتقام من والده، وإشفاء غليلها فيه، وأدّت بها حرقة الانفصال إلى التشهير بقصتها في كلّ مكان؛ في العمل، في الحافلة، في قاعات انتظار الطبيب..

أما الثانية فتزوج عليها بعد أن جرّبت كل الطرق والوسائل لمنعه، قصدت صالونات التجميل، تردّدت على قاعات الرياضة، “تأرنبت” وأنجبت له فريقا من الأطفال، كلّ ذلك لم يشفع لها أمام رغبته الجامحة في إعادة الزواج، وبمجرد أن أنهت معركة استجدائه منهزمة، ووقّعت له الترخيص مرغمة؛ فتحت على نفسها جبهة معركة أخرى.. معركة التحقيق، والفضول القاتل، والتجسس على ضرّتها، وتلقّف السمين والغث من أخبارها، قبل أن ينتهي بها الحال عند أقبية المشعوذين والدجالين لتستردّه!

قصّتان من بين عشرات القصص التي عايشتها وسمعت عنها، لم أكن لأرويها وأهب القرّاء كمد العلم بها؛ لولا تعاطفي مع حال الكثيرات من هؤلاء النساء؛ اللواتي يفنين سنوات من أعمارهن في خوض حروب استنزافية ضدّ رجال قرّروا التخلي عنهن.

أدرك أنّه ليس من السهل أن تتنازل المرأة عن زوجها وحبيبها وأب أولادها بدم بارد لامرأة أخرى، وأقدّر حجم الحزن والألم والإحباط وكل ما يرافق ذلك من إحساس بالنقص، وانغلاق على الذات، وفقدان للثقة بالنفس، وأتعجّب  كلّ العجب ممّن يعيب على النساء غيرتهن وامتعاضهن من فكرة التعدّد، لكنني لا أرتضي لأي امرأة أن تجابه هذا الموقف الصعب بطرق تسيء لها ولسمعتها، خاصّة إن كانت ترفع بها أسهم بورصة ذكر لا يستحق.. وذلك يقينا مني – ورغم قلة خبرتي في الميدان – أن عناد الرجل وإصراره على ترك المرأة سواء كانت زوجته، أو خطيبته، أو حبيبته، يتناسب طرديا مع عنادها وإصرارها على إبقائه في حياتها، كما أعلم وتعلم نساء العالم أنّه من العبث النّفخ في رماد الحُبّ، فذلك لن يوقده من جديد شعلة لهفة وشوق، لكنّه سيبعثره هبابا يعمي العيون، ويحجب الرؤية، ويلطخ كل ما حوله! 

ما أجمل تلك التي تدافع عن حبّها وعشرتها، وبيتها، بذكاء وثقة و حكمة، وما أعظمها تلك التي تغار على زوجها وتسعى بكل ما تملك من حيل مشروعة للاحتفاظ به وبحبّه، وتتجمّل قدر المستطاع، وتستفيض أنوثة وتبعّلا من أجل منع أو إزالة الأكسدة عن قلبه، وتنتقي بدهاء من تستجير به للتدخل بينهما حال ظهور أي شبهة تدل على جفائه أو خيانته لها، فتلكم المناضلة الشريفة؛ إن هي أصابت فلها أجران، وإن هي فشلت فلها ما لا يوزن بميزان من الأجر والخير والفائدة، لأنّها ناضلت بشرف، وانهزمت بشرف، وهذه المرأة ولا شكّ ستخرج مرفوعة الرأس، حاملة كرامتها واحترام زوجها والنّاس، كأثمن غنيمة تُغتنم.

 لكن ماذا لو عمدت إلى أساليب الانتقام، وراحت تذيع قصة نكبتها الزوجية على كل من تصادف في طريقها، وقضت ردحا تتجسس على حياته الجديدة مع غيرها، ماذا ستجني في النهاية؟ أتراهم حشود المتعاطفين معها من هنا وهناك سيعيدونه لها بجنون قيس على ليلاه ؟ بل غالبا لن تجني سوى المزيد من إصراره على الصدّ والهجران .ولن تجلب لنفسها سوى المتاعب وحرق الأعصاب.

 إن كانت عن حقوقها المادية؛ فمحكمة الدنيا كفيلة بها، ولها كامل الحقّ في متابعته قانونيا لتحصيلها،  أمّا إن كانت تفعل كل ذلك من أجل قلبه فهيهات أن تجدها في أساليب كهذه، ومع الوقت ستكتشف أن عزاءها في غناها عنه، والاستغناء هو بداية النسيان النّبيل الرّاقي، ذلك النسيان الذي لا يدع للذاكرة سوى الطيّب، ولا يودع في القلب سوى الرحمة..

تقول الأديبة الجزائرية أحلام مستغانمي: “ما النسيان سوى قلب صفحة من صفحات العمر، قد يبدو الأمر سهلا لكن ما دمت لا تستطيع اقتلاعها ستظل تعثر عليها بين كل فصل من فصول حياتك،  ليس نظرك هو من يتوقف عندها بل عمرك المفتوح عليها دوما.. أحبّيه كما لم تحببه امرأة، وانسيه كما ينسى الرجال!”

مقالات ذات صلة