نتألم لمعاناتكم.. لكن الوطن أولى منا جميعا..
حراك أهلنا في الجنوب المتزامن مع فضائح الفساد التي تناولتها وسائل الإعلام كان في بدايته ظاهرة صحية عادية تعبر عن رفض أبنائنا لكل أنواع النهب والحڤرة والتمييز والتهميش وسوء التسيير، وتنم عن وعيهم بحقوقهم وواجباتهم، وحاجاتهم الملحة إلى الحياة الكريمة والشعور بالانتماء إلى هذا الوطن. فتفاعل وتضامن معهم الكثير من الجزائريين، لأن مطالبهم مشروعة ومعقولة، ولأن المنطقة بحاجة فعلا إلى مخطط تنمية فريد من نوعه، لكن المعالجة الإعلامية والسياسية للحراك وتداعياته وتوجهاته واستمراره رغم استجابة الحكومة قد تتحول إلى كارثة وطنية إذا استمر الحال على ما هو عليه وتطور إلى خراب ودمار للممتلكات وإزهاق للأرواح، وانفلتت الأمور إذا استبدلت لغة الحوار والإقناع بالتعنت والصدام والعنف في ظل تخلي أطراف عديدة عن دورها في مرافقة كل حراك وتغليب صوت العقل والتعقل.
لا أحد يعفي مؤسسات الدولة من مسؤوليتها السياسية والإجتماعية تجاه ما يحدث، ولكن الأحزاب وجمعيات المجتمع المدني والمنظمات الجماهيرية الغائبة عن المسرح تتحمل بدورها مسؤولية معنوية وتاريخية بوقوفها على الهامش تتفرج على مسرحية متعددة الفصول كما تتفرج على مسرحيات أخرى لا تعرف أبطالها ولا بدايتها ونهايتها، وتنتظر بشأنها الأوامر بالتصفيق والتطبيل والتهليل لتؤيد العهدة الرابعة أو تقف ضدها، وتؤيد تعديل الدستور دون أن تعرف مضمونه، أو تؤيد فلان أو علان لرئاسة هذا الحزب أو ذاك من الأحزاب التي منحها الشعب أصواته في الاستحقاقات السابقة، لكنها لم تقدر على اختيار قادتها!!
مشاكل سكان ورڤلة وتمنراست وبشار ومدن جنوبية أخرى تستوقفنا جميعا بسبب خطورتها وخصوصياتها وطبيعة المنطقة، وتراكم أخطاء تاريخية قديمة كرست الجهوية والمحسوبية ونقص الاستثمارات في الموارد البشرية، لكن مشاكل الجزائريين اليوم تتشابه وتلتقي كلها في قضايا السكن والعمل والرعاية الصحية والعدالة الاجتماعية والكرامة والحرية والتقدير والاحترام، ولا يمكن لمؤسسات الدولة أن تحلها بمعزل عن مشاكل وطنية وبصورة ترقيعية وظرفية وتحت ضغط الشارع مهما كان وأينما كان، لأن الدولة ومؤسساتها ستصبح مهددة بالضعف والفشل، ويفسح المجال للارتجال ولمناطق أخرى وفئات أخرى من المجتمع لتسلك نفس الطريق في سبيل تحقيق مطالبها في غياب دور المجتمع المدني والأسرة والمدرسة والمسجد!!
من حق ومن واجب شبابنا وأهلنا في الجنوب أن يغضبوا ويحتجوا وينددوا، ومن حق أبناء الشمال والشرق والغرب والمدن الكبرى أن يعبروا عن غضبهم ويحققوا مطالبهم، ولكن ترسيخ الجهوية في الإعلام العمومي بترويج فكرة أبناء المنطقة أولى بخيرات المنطقة، وبالسكن والشغل هو أمر يحمل خطرا كبيرا على الوطن وأبناء الوطن، لأننا لو سلمنا بالأمر لبقي كل واحد منا في مسقط رأسه من زمان معتقدا أنه لا يحق له العمل والسكن في مدينة أخرى من مدن الجزائر، ثم ننغلق على أنفسنا ونكرس الجهوية والأنانية والذاتية بكل معانيها، وندخل دوامة نترك أثرها للأجيال الصاعدة قنابل موقوتة تهدد كيان المجتمع المهزوز أصلا.
إننا نتألم لمعاناة أهلنا وأبنائنا أينما كانوا، ونقف إلى جانبهم و ندعوا إلى الإصغاء إليهم والاهتمام بحل مشاكلهم، وندعوهم بالمقابل إلى الحكمة والتعقل.. ولكننا نتألم أكثر للمعالجة الإعلامية والسياسية الخاطئة لمتاعبنا من بعض الأطراف، وكأننا بصدد معالجة مشاكل بلد آخر وشعب آخر غير الجزائر والجزائريين مما قد ينعكس سلبا على فئات أخرى ومناطق أخرى من الوطن، وعلى مصلحة البلد ومصيره ووحدة الشعب واستقراره، ويترك جراحا عميقة نحن في غنى عنها في الوقت الراهن!!