الرأي

نتائج البكالوريا… والاعتدال في الفرح والحزن

سلطان بركاني
  • 271
  • 0

أسر كثيرة تنتظر موعد الإعلان عن نتائج امتحان “البكالوريا” بلهفة وقلق؛ تتمنّى أن يكون موعدا يحمل البشرى والفرح، وتخشى أن يحمل معه الخيبة والأخبار غير السارّة.. أبناؤنا الذين اجتازوا الامتحان في شهر جوان الماضي، قضوا الأيام والساعات الأخيرة قٌبيل “الإعلان المنتظر” بين خوف ورجاء، ومع ذلك فمنهم من غلب عليه الخوف واليأس، ومنهم من غلب عليه الأمل والرجاء؛ من أبنائنا من يعلم من نفسه وعمله أنّه لم يقدّم في الامتحان ما يستحقّ لأجله البشرى، ومنهم من يعلم من نفسه وعمله أنّه قدّم إجابات يستحقّ لأجلها أن يبشّر بالظفر والنّجاح.. لكن رغم ذلك ظلّ المقصّرون يحملون بصيصا من الأمل، والمجتهدون يضمرون في دواخلهم بصيصا من الخوف.

ستعلن النتائج؛ ليكرم من أبنائنا من يكرم، ويُهان من يُهان؛ يكرم من جدّ واجتهد، وسهر الليالي وتعب، وأجهد نفسه كثيرا ليرتاح أخيرا.. سيفرح من أجهد نفسه لأجل أن يفرح مع والديه وأحبابه في ذلك الموعد، ويندم من أتبع نفسه هواها وتمادى معها في شهواتها، وأراحها حيث كان يجب عليه أن يتعبها؛ سيندم وهو يرى كثيرا من أترابه الذين كان يستهزئ بهم ويقول عنهم: “قرايين وخباشين” يفرحون بمعدلات نجاحهم العالية، فيقول بلسان حاله: “يا ليتني قدّمت لهذا اليوم”!

ونحن ينبغي أن نتعلّم من هذا أنّ من أراد الخير لنفسه فليخالف هواها وليَحُل بينها وبين شهواتها المحرّمة ورغباتها المُقعدة.. النفس كالطّفل الصغير، تحبّ اللّهو واللّعب والرّاحة والنّوم واللغو الذي لا ينفع في الدّنيا ولا في الآخرة، وتكره الجدّ والعمل والتّعب.. والأب عندما يترك ولده الصغير يفعل ما يشاء، فإنّه يمكّنه من إهلاك نفسه ليشبّ لاهيا عابثا كسولا، وهكذا العبد إذا اتّبع نفسه الأمّارة بالسّوء؛ فإنّه يسهّل لها أن تدمن الراحة وتغرق في الشهوات، وكلّما طال أمدها في ذلك صعب على العبد إصلاحها وتقويمها.. ومن سنن الله الماضية أنّ الراحة لا تجلب الرّاحة، وإنّما الراحة في ترك الرّاحة: يقول –تعالى-: ((وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُولَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ * جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ * سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ)). يقول الإمام ابن القيم -رحمه الله-: “قد أجمع عقلاء كل أمة على أنّ النعيم لا يُدرك بالنعيم، وأن من آثر الراحة فاتته الراحة، وأنه بقدر الأهوال واحتمال المشاق تكون الفرحة واللذة، فلا فرحة لمن لا همّ له، ولا لذة لمن لا صبر له، ولا نعيم لمن لا شقاء له، ولا راحة لمن لا تعب له”.

ستظهر نتائج البكالوريا؛ فمن كُتب له النّجاح، فليُظهر فرحه بفضل الله وليحمد الله على توفيقه.. وإظهارُ الفرح بالنجاح مباح ومشروع، متى ما كان في حدود المباح والمشروع.. من حقّ أبنائنا الناجحين أن يفرحوا بعد عام من التعب والنصب، ومن حقّ الأمّهات أن يفرحن بنجاح أبنائهنّ، ومن حقّ الآباء أن يفرحوا ويوسّعوا على الأهل في المطاعم والمشارب، لكن ليس يليق بعبد مسلم أن يخرجه الفرح عن الحدود التي رسمها له الشرع. النّجاح نعمة من نعم الله، وليس يجوز ولا يليق بعبد مسلم أن يقابل نعمة الله بالعصيان، بالأغاني الصاخبة التي تذاع في مكبّرات الصّوت إلى أوقات متأخّرة من الليل، أو بأصوات المفرقعات التي تطلق في ساعات الليل المتأخّرة.

في كلّ عام، عندما تظهر نتائج البكالوريا، نرى من أحوال بعض الأسر ما لا يسرّ؛ أسر تبالغ في إظهار الفرح بصور وتصرّفات يستهجنها كلّ عاقل، ويقول من يراها: لأجل ماذا كلّ هذا؟ سهرة صاخبة! أغان وضجيج يزعج الجيران إلى ساعات الليل المتأخّرة، لأجل ماذا؟ لأجل نجاح متواضع في امتحان البكالوريا!

لماذا – يا ترى- لا نرقب حال الأسر الفاضلة التي ينجح أبناؤها في هذا الامتحان بمعدلات ممتازة؛ الأبناء يفرحون بقلوبهم ووجوههم وألسنتهم ويحمدون الله على توفيقه، ولا تسمع منهم ولا من آبائهم وأمّهاتهم  إلا حسن الثناء على الله، ولا ترى إلا ما يدلّ على الاحترام والتواضع.. بينما بعض الأسر المنفلتة، تقيم الدّنيا ولا تقعدها، لا لشيء إلا لأنّ ابنها نجح بمعدّل متواضع!

أمّا أبناؤنا الذين لا يوفّقون في هذا الامتحان، فنقول لهم: لا تزال أمامكم -بإذن الله- فرص أخرى، وربّما توفّقون للنّجاح في أعوام قادمة بمعدلات كبيرة وتحقّقون ما تتمنّون.. الإخفاق والفشل في المحاولة الأولى ليس هو النهاية.. تعلّموا الدّرس، وابحثوا في أنفسكم وحياتكم وبرامجكم عن أسباب الفشل، وابدؤوا صفحة جديدة في حياتكم تتخلّون فيها عن العادات السيئة، تتخلّون عن إضاعة الأوقات في التفاهات، وتحرّرون أنفسكم من إدمان الهواتف ومن لغو مواقع التواصل وصخبها، ويجعل كلّ واحد منكم لنفسه برنامجا صارما يسير عليه. وقبل ذلك يجعل له هدفا عاليا، يقرر أن يرفع التحدّي ليظفر بالبكالوريا في العام القادم -بإذن الله- بمعدّل ممتاز.. والأهمّ من ذلك أن ينظّم حياته حتى ينجح في امتحان الحياة، حتى يرضى الله عنه ويكتب له البركة في عقله ووقته وكلّ شأنه.. صحابيّ رسول الله –صلّى الله عليه وسلّم- أنس بن النضر، غاب عن غزوة بدر الكبرى لعذر، فعزّ عليه ذلك وقال قولة كتبت على صفحات السيرة بأحرف من ذهب، قال: “لَئِنِ اللهُ أشهَدَني قِتالَ المُشرِكينَ لَيَرَيَنَّ اللهُ ما أصنَع”؛ فليكن هذا شعار كلّ واحد من أبنائنا الشّباب، كلّما فاتته فرصة قال: “لئن عشت إلى المرّة القادمة ليرينّ الله ويرينّ عباده ما أفعل”.

مقالات ذات صلة