نجل بن عيشة: لم يتذكروه حيا وواجبنا تنفيذ وصيته ميتا
ووري الثرى، عشية أمس، جثمان الفقيد المجاهد الطاهر بن عيشة بمقبرة غمرة السفلى بقمار بالوادي بحضور جمع كبير من سكان الولاية يتقدمهم وزير الثقافة عز الدين ميهوبي مبعوث رئيس الجمهورية عبد العزيز بوتفليقة لتقديم التعازي لعائلة المرحوم والسلطات المحلية والأسرة الثورية. وبالمناسبة، ألقى الأمين الولائي للمجاهدين البشير عبادي كلمة حول خصال الفقيد وكفاحه وحبه للجزائر ومشاركته في الثورة الجزائرية. وتحدث عدد من الإعلاميين والمثقفين المحليين إلى “الشروق” أن المرحوم الطاهر بن عيشة كان كثير التردد على مسقط رأسه بقمار من حين إلى آخر ويفتخر بأنه من الوادي، فيما قال ولده حيدر بن عيشة إن والده كانت وصيته أن يدفن في مسقط رأسه وأن تسلم مكتبته وقفا لجامعة الشهيد حمة لخضر بالوادي.
وزير الثقافة، عز الدين ميهوبي، في تصريح عقب مراسيم الجنازة، قدم تعازيه وتعازي رئيس الجمهورية لعائلة الفقيد وكل سكان الوادي، متحدثا عن خصال الرجل التي كانت مميزة في دفع الشباب إلى العلم والثقافة والمعرفة. للتذكير، المرحوم بن عيشة كان مدافعا شرسا عن أفكاره ولا يهادن فيها وهو من طبق على نفسه مبدأ الفكر الاشتراكي في الجزائر وكان يكره الرأسمالية بكل تفاصيلها. وقد عاب على دعاة الاشتراكية انغماسهم في الرأسمالية .
“توقعنا دفنه في العاصمة ونحترم قرار العائلة”.. ميهوبي للشروق
بن عيشة أول من منحني فرصة إلقاء قصيدة في اتحاد الكتاب
لم يتمكن رفقاء وأصدقاء الراحل الطاهر بن عيشة في الجزائر العاصمة من حضور جنازته عصر أمس، بقمار بولاية الوادي مسقط رأسه بعد نقل العائلة لجثمانه مباشرة بعد إعلان الوفاة ليلة السبت إلى الأحد عملا بوصيته.
قرار العائلة فتح الباب واسعا أمام القراءات والتأويلات التي صبت في مجملها في أن بن عيشة – رحمه الله -عاش في عزلة بعد المرض ونسيه الأصدقاء والمسؤولون فحرصت العائلة على احترام وصيته ودفنه في مسقط رأسه بعيدا عن ضوضاء السياسة وبرتوكولات النقل إلى قصر الثقافة لإلقاء النظرة الأخيرة كما جرت العادة.
حيث قال نجل الطاهر بن عيشة – رحمه الله – في اتصال مع الشروق إن العائلة قررت نقل جثمان الوالد مباشرة بعد إعلان وفاته مساء السبت إلى مسقط رأسه بولاية الوادي “احتراما لوصية والدنا نقلنا جثمانه إلى قمار وتمت مراسيم الدفن بعد صلاة العصر، لم يتصل بنا احد بعد إعلان الوفاة وفي الحقيقة لا نريد شيئا لأنه عندما كان حيا لم يتذكروه وإكرام الميت دفنه بعيدا عن أي بروتوكولات أو مبادرات صادقة ومن القلب”.
من جهته أكد وزير الثقافة عز الدين ميهوبي أن الوزارة تلقت خبر وفاة الطاهر بن عيشة ليلا وفوجئت بنقل جثمانه مباشرة إلى مسقط رأسه في ولاية الوادي تنفيذا لوصيته -رحمه الله – وقال ميهوبي في اتصال مع الشروق “تحدثت إلى ابنه حيدر وتفهمت قرار العائلة احتراما لوصية الراحل ولا نملك إلا أن نقوم بالواجب كاملا وعليه تنقلت إلى الوادي لحضور الجنازة وتبليغ العائلة تعازي رئيس الجمهورية”.
وأضاف ميهوبي “قبل 30 عاما أول من منحني فرصة صعود المنصة وإلقاء قصيدة في اتحاد الكتاب الجزائريين هو الراحل الطاهر بن عيشة .. ناقد بناء وموسوعي وصاحب رؤية في الحياة وقارئ متعمق في التراث، بن عيشة ابن جيل تشبع بفكر الحركة الوطنية تميز بالجرأة والصراحة في مناقشة كل القضايا الفكرية والسياسية وعرف بروح الدعابة تميز ببرامجه التي كان يعدها عن الحضارة الإسلامية وكان مطلعا جدا على تاريخ الجزائر الثقافي”.
الحبيب السايح: وزارة الثقافة فشلت في تسجيل كنوز بن عيشة
“إن كانت، في الجزائر، شخصية ثقافية وعلمية بحدود موسوعية، تمثلتُ بإنسانيتها ونقاوتها وصرامتها في مواقفها السياسية والفكرية، فهو أستاذنا وشيخنا الكبير الوقور الطاهر بن عيشة. وإن كان هناك شيء أحتفظ به له، في قلبي وفي ذاكرتي، فهو صدقه وصراحته وشجاعته واستقامته ونزاهته وإخلاصه لمبادئه وهذا الحب الذي يملأ قلبه للإنسان، وهذا الروح المتوتر للدفاع عن جزائر ديمقراطية اجتماعية عادلة. الطاهر بن عيشة شخصية فذة خسرتها الجزائر؛ ولعل أكبر خسارة فيه هو أن وزارة الثقافة فشلت، تماما، في أن تسجل عنه كنوز المعرفة والتاريخ والثقافة وذخائرها التي كان يحملها؛ كان مكتبة عامرة متنقلة في الزمن. السلام لروحة والرحمة عليه.”
عبد الرزاق بوكبة: الطاهر بن عيشة.. رحيل العلبة السوداء للثقافة الجزائرية
“إن الرجل عانق المسرح والنقابة والإعلام والكتابة، قبل اندلاع ثورة التحرير، وكان يفعل ذلك مع كبار الحركة الوطنية الذين فجروا الثورة وقادوها، ثم قادوا مختلف مراحل الاستقلال، وكان قادرًا على أن يكون مديرًا أو سفيرًا أو وزيرًا، فقد كانت كلمة منه تثير وابلًا من الإعجاب عند بعضهم، وأخرى من الخوف عند آخرين، لكنه لم يرَ في المناصب ما يغريه، فأعرض عنها إلى تسخير قلمه ومنابره الثقافية والإعلامية للدفاع عن الإنسان وقضاياه، رغم أنه أتت عليه أحيان من الدهر، احتاج فيها إلى ما يسدّ الرمق أو يأوي الرأس.
سألته مرة: لماذا لم تصدر كتابًا واحدًا يا عمي الطاهر؟ هل هناك من جرّب أو ناضل أو سافر أو أذاع أو كتب مقالاتٍ أو قرأ أكثر منك في جيلك؟ فقال لي: “في البداية، شغلني النضال، وفي النهاية، شغلتني الخيبة، كم كانت الجزائر قادرة على أن تكون قوية ومتطورة ومنتجة ورائدة، لكنها تخلصت من حكم الاحتلال،فوقعت في حكم الأنذال”، ثم يشرع في الحديث عنهم واحدًا.. واحدًا. معظم المثقفين الجزائريين يأكلون لحوم بعضهم، في مجالسهم الواقعية والافتراضية، إلا الطاهر بن عيشة، فقد كان يأكل لحم النظام.
كم كنت أصاب بنوبة من السرور، حين كنت التقيه في ملحقة فرانز فانون، وفي يده ورقة بخط يده، مكتوب عليها عناوين الجرائد التي كتب فيها، خاصة “الثورة والعمل”، وسنوات صدورها بالتقريب، كان متحمسًا لمشروع جمع مقالاته في كتاب، سألته عنه، حين استضفته في فضاء “صدى الأقلام” بالمسرح الوطني، بعد تسع سنوات، فقال لي: “هذه مهمة الجامعة الجزائرية، وليست مهمتي، تعبت”، فعلمت أن الرجل سيرحل من غير كتاب، وهذا الذي حدث فعلًا.
السعيد بوطاجين: الطاهر بن عيشة.. الذاكرة والموقف
حصل لي شرف مقابلة الطاهرة بن عيشة في نهاية السبعينيات بساحة الشهداء. كنت برفقة الإعلامي المغترب سعيد نمسي، وكانت تربطه به قرابة عائلية.
لم أكن أعرفه من قبل سوى كاسم يتردد على ألسنة كثير من الجامعيين والكتّاب والإعلاميين ومثقفي تلك المرحلة، وخاصة ما تعلق بمواقفه وطرائفه التي تؤرخ لمرحلة مرّ بها البلد، سواء أثناء الثورة أو بعدها. وكان كثير الحديث عن الرقابة، بطريقته التي يعرفها المقربون منه.
بدا لي في ذلك اليوم شخصا غريبا ومثيرا عندما طرحت عليه سؤالا يتعلق بالحجاب. لم أنس إجابته، وأتصور أني كنت بعيدا جدا عن فهمه للأشياء ونظرته إليها. كنا آنذاك طلبة في كلية الآداب بجامعة الجزائر نعيش جدلا أكبر منّا أحيانا، لكننا استفدنا من هذه العينات التي كانت تؤسس لمنظوراتها، بعيدا عن الاندفاع والجعجعة اللفظية.
التقيت لاحقا بالطاهر بن عيشة في عدة مناسبات، ليس كمناقش لما يطرحه، بل كمستمع. لقد كان محيطا جيدا بما يقوله، خاصة ما تعلق بالقضايا السياسية والتراثية، أو ما كان ذا علاقة بالجانب الديني بشكل عام، بصرف النظر عن مواقفنا من خطابه بالنظر إلى قناعتنا ومرجعياتنا، لكنه ظل عارفا ومقنعا، وكانت له ذاكرة عجيبة تعكسها شواهده وقدرته على المتابعة وحفظ التفاصيل الدقيقة للأحداث والوقائع.
كنت استمتع بأحاديثه في اللوتس وفي المقاهي الشعبية التي كان يرتادها، ثم في الجاحظية مع الطاهر وطار عندما كنت أمينا عاما للجمعية ورئيس تحرير مجلة القصة. كان كثير التردد على شارع رضا حوحو قبل أن ينقطع نهائيا لأسباب ذكرها في الإعلام الوطني في أحد حواراته.
أتذكر جيدا جلستنا مع الفنان الشيخ إمام والشاعر أحمد فؤاد نجم والإعلامي عبد العزيز بوباكير والمخرج المغترب محمد الزاوي في بيت الكاتب رشيد بوجدرة بالعاصمة. كان يتحدث كالشلال، ما يشبه ذاكرة الأمة وذاكرة الأجيال، وكان من قلة الأدب التعليق على ما يقوله، شيئا يشبه الكبائر، لأن الرجل كان ملمّا، عميقا وشعبيا ومتواضعا، وسريع البديهة.
كما أتذكر جيدا مقالاته في مجلة الوحدة، تلك المقالات العالمة التي قلّما نعثر عليها، ثم تحقيقه التلفزيوني المطوّل عن الإسلام في الجمهوريات السوفييتية.
كانت حلقات استثنائية ذات مرجعية مركبة، وكان الناس يتساءلون عن هذا الاهتمام الذي يتناقض وتوجهاته الأيديولوجية، ما يعكس انفتاحه على التفكير المضاد والمنظورات التي تتعارض ومنظوره الشخصي. لقد ظلت هذه الحلقات فتحا ومرجعية، ودرسا كبيرا لبعض الذين أسسوا على الإقصاء والأحادية.
يجب الإشارة إلى الفترة التي كان يدير فيها مقهى اتحاد الكتاب الجزائريين ويبيع الشاي والقهوة والشطائر. لقد عرفت عنه آنذاك مزحة عميقة الدلالة: “الشطيرة المثقفة”. الطاهر بن عيشة “قهواجي”: أمر مثير ولافت للانتباه حقا.
من الصعب هضم الفكرة، ماعدا إن نحن وضعناها في سياق سريالي محض. لقد رحلت قامة فكرية أخرى، رحل رجل تعتز به النخبة، ومهما اختلفت آراؤها وتباينت، فستذكره بخير، لأنه عاش نظيفا وكبيرا وقانعا.
ستخسر الجزائر عقولا أخرى وكفاءات، لكن الرثاء وحده لا يكفي. لا تكفي الكتابة عن الموتى لصناعة فكر ووطن محصن من الأوبئة والإنزلاقات.
هناك أمور أخرى يمكن القيام بها بدل البكاء على الذين رحلوا وفي قلوبهم مرارة، أو على أولئك الذين عاشوا العلة والقلة والذلة وذهبوا إلى العالم الآخر تعساء ومقهورين.
احمد حمدي: بن عيشة آلمه مرض الإقصاء والإلغاء والشللية
“كان الطاهر بن عيشة دائم الحضور في المشهد الثقافي وبدأت بصمته منذ 1940.. كان صديقا للشاعر والمفكر محمد سعيد الزاهري وكانت الجريدة الهزلية “عصا موسى” سلاح لمهاجمة الاستعمار وفضح سياساته القمعية.
انضم إلى الثورة في تونس وكان من المقربين من الشهيد عباس لغرور، وعندما رجع إلى الوطن بعد الاستقلال كتب مع الكاتب والمفكر التونسي العفيف الأخضر والروائي الطاهر وطار في جريدة “الثورة والعمل” وأطلق عليهم آنذاك “الثالوث المخيف.. الطاهران والعفيف”.
قدم برامج مهمة في الإذاعة والتلفزيون واشتهر بريبورتاجاته عن “الإسلام في إفريقيا”.. فقدنا آخر الموسوعيين الذي للأسف انعزل في السنوات الأخيرة بسبب الإلغاء والإقصاء وغيرها من الأمراض التي اجتاحت الجسم الثقافي وكرست لمنطق الشللية“.