-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

نحن والغرب وإشكالية “الباراديغم”

عمار يزلي
  • 829
  • 3
نحن والغرب وإشكالية “الباراديغم”

العرب الذين أنجزوا “البراديغم” الإسلامي في التنمية والتطور العلمي قبل 14 قرنا، مدعوُّون اليوم عبر جامعاتنا التي تصنَّف للأسف في ذيل القوائم، للعودة إلى القيم التي أنشئت على أساسها مجموعة القيم العلمية التي صرنا اليوم نتقاسمها، بل ونخضع لقواعدها حتى ولو كانت هذه القواعد أساساها “باراديغم” إشكالي؛ فالعلم و”العلمية”، خاصة في مجال العلوم الإنسانية، لا يمكن أن تصنَّف علميا إلا ضمن “باراديغم” الغرب الذي نعرف كلنا ظروف نشأته وتطوره واملاءاته “العلمية” التي تعيق أي بحث علمي خارج معايير “الباراديغم” المهيمن حاليا، ومنه تخلف جامعاتنا عن النشر وقيمة المنشورات العلمية.

الغرب الأوروبي، الذي تفرّد بالاكتشافات العلمية من خلال المنافسة العلمية وتحرير الفرد والمجتمع من قيود السلطة الكنسية والإقطاع عقب الثورة الرأسمالية وما نجم عنها من ثورة صناعية غيرت في ظرف قصير ما كان موجودا منذ قرون، هو ما يحاول الغرب أن يقدم نفسه على الأقل، وهذا ما يقبله الكثير من ملاحظي هذا التفوق لـ”البراديغم” الغربي. غير أن هذا لا يعني الكمال في هذا الأنموذج، ولا الديمومة. فـ”الباراديغم” مرحليٌّ وهو نتاج ما توصّل إليه الفكر والعلم والحضارة في زمن معين ولحظة تاريخية معينة. والنماذج كثيرة ومتصارعة ومتنافسة اقتصاديا وفكريا وعقائديا وعلميا أيضا، وليس من الغريب أن يحدث هناك اختراقٌ معرفيٌّ علمي اكتشافي قد يغيّر من نظرتنا للكون والعالم ويتغير بالتالي الأنموذج القائم ليصبح نموذجا مكمِّلا أو تابعا، لا أساسيا.

“الفكرة الأساس التي يقوم عليها مفهوم “الباراديغم” عند “كُوهن”، هي أن ممارسة البحث العلمي مشروطة بمجموعة من الأعراف الذهنية، والالتزامات السلوكية، التي تخضع لها الجماعة العلمية التي ينتمي إليها الباحث، فالعلماء والباحثون في مجال العلوم الدقيقة يمارسون عملية البحث العلمي، وهم مؤطَّرون ضمن جماعات ومؤسسات تحكمها قوانين معنوية ومذهبية معينة. تفرض هذه القيم معاييرها الخاصة على الأطراف الفاعلة في الجماعة العلمية، بحيث يشتغل في ضوئها العلماء في بناء النظريات العلمية، وفي تأكيد المواقف من النظريات الأخرى”. هذا التوجه حدث في كل الحضارات السابقة رغم التفاوت الفكري والبحثي، كون البحوث العلمية في الحضارات القديمة كانت فردية نخبوية، لكن هذا يُفهم فقط ضمن أساس المجتمع الرأسمالي المعقد الذي يظهر فيه التنوع ومبدأ تقسيم العمل كشكل إنتاجي وفكري لكسب ثورة الإنتاج والإنتاجية وكسب رهان الوفرة والحاجة لسوقٍ لا تقبل ولا تطالب بغير ذلك.

المجمّع الصناعي المديني، ضمن النموذج الاقتصادي الرأسمالي الغربي المتزايد في سرعة التوسع العمراني والتحديث التقني والتكنولوجي، أوجد بدوره ومنذ 1980، إلى 1990م، داخل المؤسسات، خاصة الاقتصادية ما يسمى بـ”الباراديغم الجديد” أو الحديث عن “تغيير الباراديغم” وهذا عندما يتعلق الأمر بالرغبة في إعطاء نفَس جديد لمشروع جديد. يتضح من هذا، أن “الباراديغم” مفهومٌ إجرائي صرف يحيل على كثير من الدلالات التي تتقاطع كلها مع عناصر مشتركة هي: النموذج العلمي غير القابل للطعن من طرف مجموعة العلماء المختصين في المجال، المتفق عليه مرحليا، الشمولي عالميا.

النماذج إذن هي نماذج وقتية، ثابتة لكن متحولة بتغير الأسس المعرفية والعلمية التي تغير بالتالي من التصورات الشاملة للعالم الذي كان إلى حين يمثل “الباراديغم” الأكثر شمولية والأكثر قابلية من طرف الأكثرية، سواء خاصة الخاصة من العلماء وعامة العامة ضمن المجموعات الإنسانية، هذا ما يجعلنا نقول إنه قد حان الأوان -إن لم نكن قد تأخرنا كثيرا- لإنتاج مشروع علمي ثقافي تنموي جديد على أسُس ومرجعيات ولغة عربية عصرية تكون أساسا للبحث العلمي في كل التخصُّصات؛ فاللغة جزءٌ أساسي من “الباراديغم” وجوهره، لأنها حاملة وموصِلة وناقلة للمعارف وللتوجّهات وللعبقرية المحلية التي صارت عالمية بفعل التنوير الديني الإسلامي الذي صار للأسف اليوم ضمن المرجعيات الغربية عنوانا للتخلف والانغلاق.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
3
  • بريكة بن بيه الفاضل الرابح ربي

    جيد جدا سيدي ، لكن لا تنسى انك تصفق يمينا وشمالا ،لمن لن يوصلك لأي براديغم ،ولن احتاج لأقدم الدليل

  • يوغرطة

    هذه الكلام سمعناه مرات ومرات عديدة حتي سئمناه وشبعنا منه صراحة . هذا يسمي باجترار الكلام . هذا كلام للاستهلاك ولعب الضامة والدومينو . الغرب وجد لانه جد واجتهد وهذا طبيعي وبديهي جدا جدا ومسلم به عند الكبير الشيخ وعند الصغير في بطن امه . الجزائر بحاجة لمسؤولين ووزراء ورجال مخلصين اوفياء انقياء نزهاء صادقين اكفاء وفقط

  • محمد

    الإقرار بالتيه المعرفي والحضاري مرحلة أولى في وعي المجتمع.لكن ذلك لا يكفي للخروج من التخلف الذي نشتكي منه بالأقل في بلدنا.رغم أن منظومتنا التربوية فاشلة ما زلنا نبني الجامعات والمؤسسات الاقتصادية التي لا تنتج سوى إحصائيات مزورة وعلماء لا يتقنون حتى أصول البلاغة ونحن منغمسون في الليالي البيضاء والمهرجنات الماجنة والأموال الباهضة المسروقة من جزينة عمومية تغذيها أموال المحروقات بالمجان.هذا الهروب إلى الأمام دون العمل على البحث عن الحلول الناجعة هو سبب عدم قدرتنا على اللحاق بالأمم الشغيلة لأن سادتنا وكبراءنا أضلونا السبيل بفعل انشغالهم بالمؤامرات الدنيئة والأحقاد الشخصية منذ حصولنا على استقلالنا.