نحو انطلاقة جديدة للتكفل بأطفال التوحد في الجزائر!
لم يعد ملف التكفل بأطفال التوحد في الجزائر حبيس الوعود والأدراج أو المبادرات الخاصة بالجمعيات، بعد ما أمر رئيس الجمهورية منذ أشهر بإطلاق مخطط وطني شامل، يتضمن إنشاء مراكز متخصصة، وبرامج بيداغوجية مكيفة، وهي خطوة انتظرها أولياء الأطفال طويلا، خاصة وأن العائلات كانت تضطر سابقا إلى التنقل لمسافات طويلة أو الاعتماد على مبادرات خاصة تكون مكلفة ماديا في بعض الأحيان، حيث ستضمن هذه المراكز خدمات شاملة على رأسها تقديم الدعم للأطفال بمسارهم التعليمي.
تعكف وزارة التضامن الوطني والأسرة وقضايا المرأة على وضع لبنة أساسية في مسار التكفل بالأشخاص المصابين باضطراب طيف التوحد، تنفيذا لتوجيهات رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون، الذي أمر في اجتماع مجلس الوزراء جوان الماضي بإنشاء مركز وطني وملاحق جهوية للتكفل بالأطفال المصابين وذلك من خلال توحيد البرامج البيداغوجية الموجهة لهذه الفئة، عن طريق تكليف فريق يضم إطارات من القطاع وخبراء مختصين، لإعداد برنامج بيداغوجي مكيف على أسس علمية، إلى جانب صياغة نصوص تنظيمية تخص استحداث المركز الوطني للتوحد ومراكز متخصصة عبر الوطن، وسيعهد للمركز الوطني مهمة توحيد المناهج التربوية والتكوينية، ودعم الكشف المبكر والتشخيص، فضلا عن إعداد الدراسات المتخصصة وتنسيق جهود القطاعات المعنية، كما تم اختيار أربعة مراكز متخصصة بولايات تيبازة، وهران، تبسة وبشار، يجري استكمال تهيئتها وتجهيزها بوسائل بيداغوجية ملائمة، من اجل ضمان تعليم نوعي وتنمية قدرات الأطفال والمراهقين، مع مرافقتهم في مسار الإدماج المدرسي أو التكوين المهني.
التوحد ليس مرضا ويجب وقف استغلاله لأغراض تجارية
وفي الموضوع، كشفت رئيسة مؤسسة “إلياس للتوحد”، فراح أسيد، لـ” الشروق” أن الوقت قد حان من اجل تصحيح المفاهيم الخاطئة المنتشرة في المجتمع حول اضطراب طيف التوحد، مؤكدة أن الكثير من المعتقدات السائدة بخصوص اضطراب التوحد لا أساس لها علميا، ويتم استغلاله لأغراض تجارية وربحية على حساب الأطفال وعائلاتهم.
أسيد فراح: التوحد ليس مرضا ويجب وقف استغلاله تجاريا
وشددت المتحدثة على أن التوحد ليس مرض يختفي مع الوقت أو يعالج عن طريق الأدوية، وهو عبارة عن اضطراب نمائي عصبي مرتبط بنمو الدماغ يؤثر على التواصل والتفاعل الاجتماعي، ولا علاقة له بالأمراض العقلية كالصرع، كما تأسفت ذات المتحدثة من استغلال هذه المغالطات على حد تعبيرها- من طرف بعض الجهات للترويج لعلاجات وهمية ومنتجات تجارية.
وتابعت أسيد قائلة، أن بعض العائلات خاصة في المناطق النائية، لا تزال تواجه صعوبة في الوصول إلى المعلومة العلمية الدقيقة، ويفتح هذا الوضع المجال أمام انتشار أفكار مغلوطة تربط التوحد باللقاحات أو التربية والتغذية وغيرها من المعتقدات التي يروج لها، والتي تكون سببا في تأخير التكفل بالطريقة المناسبة وتزيد من معاناة الأطفال وعائلاتهم.
قرار الرئيس وعي رسمي واستجابة وطنية شاملة لهذه الفئة
وبخصوص آليات التكفل، منها إعلان رئيس الجمهورية في شهر جوان الماضي عن مشروع إنشاء مركز وطني وفروع جهوية للتكفل بالأطفال المصابين بالتوحد، اعتبرت المتحدثة أن هذا القرار يعكس وعي رسمي بأهمية تنظيم استجابة وطنية شاملة لهذه الفئة، والذي شدد سابقا على ضرورة ألا يعاني الأطفال من آثار نفسية ناجمة عن إبعادهم عن أسرهم خلال فترات الرعاية، وهو توجه اعتبرته المتحدثة جديرا بالثناء، مع ضرورة المتابعة الميدان للبرنامج.
وبالمقابل حذرت رئيسة مؤسسة “إلياس للتوحد” في الوقت نفسه من خطر العودة إلى منطق “العزل المؤسسي”، معتبرة أن إنشاء هياكل مغلقة يمكن أن يتسبب في تعميق عزلة الأطفال ويمنع إدماجهم في المجتمع، قائلة إن التجارب الدولية أثبتت أن الهياكل المتخصصة المغلقة، تؤدي إلى إبعاد الأطفال عن عائلاتهم واستبدال التعليم العادي برعاية موازية، وهو ما يتعارض – حسبها – مع الدستور ومع التزامات الجزائر الدولية في مجال حقوق الإنسان.
من جهة اخرى أشارت أسيد إلى أن سياسة الإدماج المدرسي التي أطلقت بين 2019 و2023 سمحت لأولياء الأطفال بأن يكونوا مرافقين لهم داخل المدارس العادية، غير أن غياب الاستمرارية وثقافة الإدماج جعل هذه التجربة محدودة، وأردفت أن الحل يكمن في تخفيف المناهج وتطوير البيداغوجيا بما يسمح بدمج جميع التلاميذ دون استثناء، مؤكدة على أن الجزائر تملك فرصة تاريخية لبناء سياسة وطنية شاملة للتوحد والاضطرابات النمائية العصبية، إذا ما تم تفعيل المخطط الوطني للتوحد الذي تنتظره الجمعيات منذ 2016، قائلة أن الإدماج حق دستوري وضرورة لنمو الأطفال وتحسن حالتهم، مع زيادة الدعم، ويمكن بذلك أن تصبح الجزائر نموذج يحتذى به في إفريقيا والعالم العربي في ضمان تكافؤ الفرص في التعليم والصحة والترفيه لجميع الأطفال، مع اختلاف حالتهم.