الرأي

“ندوة مديري المؤسسات التربوية”.. ديناميكية فكرية نحو التفعيل الميداني

عومر بن عودة/ مختص في الشأن التربوي وقضايا التعليم
  • 36
  • 0
ح.م

تُعد الندوة الوطنية لمديري المؤسسات التربوية التي احتضنتها مدينة وهران تحت إشراف الدكتور محمد صغير سعداوي، وزير التربية الوطنية يوم السبت 28 مارس الفارط، محطة هامة ضمن مسار إصلاح التسيير الإداري والتربوي في إطار حركية الإصلاحات التي باشرتها الوصاية، منذ عام تقريبا، بهدف تحقيق ما يسمى جودة التعليم في الجزائر، حيث جمعت مختلف الفاعلين في الميدان من إطارات مركزية ومديري تربية للولايات وممثلين عن مديري المؤسسات التعليمية، وعبر تقنية التحاضر المرئي لمديري كافة الأطوار الثلاثة، وذلك لتشخيص واقع المؤسسة التربوية واقتراح آفاق تطويرها.
وقد كشفت هذه الندوة عن ديناميكية فكرية واسعة في طرح مختلف الإشكالات التي تصادف رئيس المؤسسة على أرض الواقع، والجميل هو حسن الإصغاء والتركيز الكبيرين الذين أظهرهما الوزير عند استماعه لمختلف الانشغالات المهنية التي رفعها السادة المديرون، والمقترحات التي قدموها، بصفتهم الفاعل التربوي والإداري في الميدان.
وفي الوقت ذاته، أعادت إلى الواجهة سؤالا جوهريا: إلى أي مدى يمكن تحويل هذه الأفكار إلى آليات تنفيذ ملموسة داخل المؤسسات التعليمية؟
من أجل تنفيذ مخرجات الندوة الوطنية لابد من التطرق إلى ما يلي:
أولا: تُصنف المنظومة التربوية الجزائرية من أكبر الأنظمة في إفريقيا من حيث الحجم، وهو ما يجعل التسيير فيها معقدا ويحتاج إلى أدوات دقيقة، وتشير المعطيات الرسمية إلى أن القطاع يضم تقريبا
أكثر من 1.2 مليون موظف تربوي وإداري وما يقارب 11 إلى 12 مليون تلميذ، ونحو 30 ألف مؤسسة تربوية عبر الوطن، أضف إلى ذلك وجود أكثر من 60 ألف قسم دراسي في بعض التقديرات الموسعة.
هذه الأرقام تعكس حجم الضغط الكبير على منظومة التسيير، وتفسر الحاجة المستمرة إلى لقاءات وطنية وندوات تقييمية بصفة دورية ووفق رزنامة زمنية، وبرنامج عمل.
ثانيا: مدير المؤسسة هو محور المنظومة التربوية وتنفيذ مختلف سياسات القطاع لتحقيق قدر كبير من غايات التربية، وعليه، ففي قلب هذه المنظومة، يقف مدير المؤسسة التربوية كفاعل أساسي في تنفيذ السياسات التعليمية،
غير أن الواقع الميداني يشير إلى:
– أن المدير يتعامل يوميا مع أكثر من 15 إلى 25 ملفا إداريا مختلفا.
– يشرف على متوسط يتراوح بين 400 إلى 2000 تلميذ تقريبا حسب حجم المؤسسة وطاقة استيعابها ونمطها.
– يعمل ضمن فريق تأطير قد لا يغطي كامل الاحتياجات البشرية في بعض المؤسسات، وفي بعض الرتب.
هذه المعطيات تفسر حجم الضغط الذي يعيشه الفاعل الإداري، وتبرز أهمية إعادة النظر في آليات الدعم والتسيير.
ثالثا: الندوة كفضاء تشخيص
خلال هذه الندوة، تم التطرق إلى جملة من الإشكالات الميدانية المتكررة، من بينها:
1- الاكتظاظ الذي قد يتجاوز 40 تلميذا في القسم الواحد.
2- نقص التأطير في بعض المؤسسات خاصة في الأطوار المتوسطة والثانوية، وعلى وجه التحديد عجز في رتبة مشرف تربية، الذي من المفروض أن المشرف رافد أساسي يسهم بشكل كبير في توفير البيئة التعليمية المناسبة وضمان شروط تمدرس التلميذ وفق المهام المخولة له.
3- ارتفاع العبء الإداري الذي قد يشغل أكثر من 50% من وقت المدير، مما يجعل الحاجة إلى استغلال الرقمنة وفضاءاتها المعلوماتية ماسة جدا، من أجل تجويد التسيير التربوي والإداري والبيداغوجي، غير أن الإشكال الأساسي لا يكمن في التشخيص، بل في تحويله إلى برامج عمل قابلة للقياس والتنفيذ.
رابعا: فجوة بين التوصيات والتنفيذ
تظهر التجربة الميدانية أن العديد من التوصيات الصادرة عن اللقاءات الوطنية تبقى في مستوى الخطاب، بسبب:
– نقص أو غياب أحيانا مؤشرات دقيقة لمتابعة التنفيذ بالشكل اللازم.
– ضعف آليات التنسيق بين المصالح المركزية للوصاية ومديريات التربية والمؤسسة التعليمية.
– محدودية الرقمنة في تتبع القرارات نظرا لأنها لا تزال في بداياتها رغم جودة بعض العمليات التي تقدمها.
– غياب جدول زمني واضح لتطبيق التوصيات يتضمن كيفيات المرافقة والمراقبة والمتابعة.
وهنا تتجلى الفجوة بين “الديناميكية الفكرية” و”الآليات التنفيذية”.
خامسا: نحو تفعيل فعلي للمخرجات
من أجل تجاوز هذه الفجوة، أعتقد أنه توجد مجموعة من الحلول التي أراها ممكنة:
1-إعداد خريطة تنفيذ وطنية لكل توصيات الندوات، مع إشراك المخولين بالمتابعة والمراقبة والتقييم والتقويم.
2-اعتماد مؤشرات أداء لقياس جودة التسيير داخل المؤسسات، قصد التمكن من معالجة مبكرة لمواطن الخلل الذي قد يسجل.
3- تقليص الأعباء الإدارية على المدير بنسبة قد تصل إلى 30% عبر الرقمنة، من أجل التفرغ لبقية الأعمال في إطار ممارسة مهامه القانونية.

4- تفعيل التكوين المستمر لرفع كفاءة التأطير، عن طريق رفع عدد الندوات (على الأقل ندوة في كل فصل)، تحت إشراف مفتشي الإدارة، مع الحرص على التجديد في طرق تقديم الندوات بغية تحقيق مخرجاتها.
5- منح الأولوية لاستغلال القوائم الاحتياطية لبعض الرتب (مشرف تربية خاصة) لسد العجز المسجل من جهة، وتفادي تكاليف زائدة لتنظيم مسابقة أخرى.
ومن خلال ما سبق، أرى أن الندوة الوطنية لمديري المؤسسات التربوية بوهران تؤكد صراحة أن القطاع يعيش حركية فكرية مهمة تعكس وعيا متزايدا بضرورة الإصلاح، غير أن التحدي الحقيقي يبقى في تحويل هذه الديناميكية إلى آليات تنفيذ قابلة للقياس والتطبيق داخل المدرسة الجزائرية.
فنجاح الإصلاح التربوي لا يقاس بثراء النقاش، بل بمدى انعكاسه على القسم، الأستاذ، والمدير، والتلميذ، ومن ثمّ، على جودة التعليم.

مقالات ذات صلة