“نزلاء الحراش” خاتمة لمشروع روائي ودَين تجاه الحراك
يستعيد الحبيب السايح، في آخر أعماله، “نزلاء الحراش”، الصادر عن منشورات ضمة جزءا من الأحداث التي عاشتها الجزائر، خلال السنوات الثلاث الأخيرة، انطلاقا من حراك 22 فيفري وما تلاه بعد من أحداث، منها قيادة شخصيات لها وزنها إلى سجن الحراش، الذي تحوّل في لحظة إلى “إقامة فاخرة” لوزراء ومستشارين ورجال أعمال وغيرهم.
التقديس لا يخدم الثورة وعلى النخبة أن تراجع نفسها
الرواية، وإن كانت تتحدث عن جزائر بداية الألفية، لكنها تفتح نافذة على جزائر زمن الإرهاب وجزائر حرب التحرير، بما يؤكد أن التاريخ سلسلة أحداث مترابطة يؤثر بعضها في بعض. يتحدث الحبيب السايح في هذا الحوار عن خياراته السردية والجمالية في رواية “نزلاء الحراش”، كما يتحدث في ذات الحوار عن مشروعه السردي في الثلاثية التي بدأت بـ “من قتل اسعد المروري” وانتهت بـ “نزلاء الحراش” مرورا بـ “ما رواه الرئيس”.
– قارئ رواية “نزلاء الحراش”، سيقف حتما على بعض ما عاشته الجزائر خلال السنوات الثلاث الأخيرة من الحراك الشعبي إلى محاكمة شخصيات كان لها وزنها، لدرجة أنه سيجد الكثير من الشبه بين أبطالها وبين شخصيات عرفها في الواقع والكثير من الأحداث التي تحيل لحدوثها في الواقع.. ألا تعتقد أن كثرة الواقعية تقتل الرواية بما فيها من خيال؟
هذا ما رُمتُ للرواية أن تحدثه لدى القارئ: أن تسترجعه إلى فترة من تاريخه المعاصر الذي تكتبه آنيا الرواية ووسائل الإعلام ووسائط الاتصال والتواصل الأخرى. أنت تعرفين أن النسيان أصبح من المألوف والعادي والمبتذل. ولك أن تتخيلي إلى أي درجة هوى حراك 22 فيفري 2019.
أما التماثل بين شخصيات رواية “نزلاء الحراش” وبين الأشخاص في الواقع فيعود إلى التأويل؛ إلا ما ذكر في الرواية بالاسم الحقيقي. فقد يقع ذلك، كما تقولين عند القارئ الجزائري. أما القارئ العربي فلا يرى في شخصيات الرواية أي تماثل إلا ما قد يسقطه خياله على واقعه هو. أعتقد أن هناك في الرواية مسافة تقرب أو تبعد بين الواقعي وبين التخييلي. وهي تقرب أكثر في الرواية ذات الطابع السياسي. ولا مفر. الأمر يبدو جليا أكثر في السينما. أما عن كون “الواقعية تقتل الخيال” فإني أزعم أنه لا خيال إلا من واقع عياني أو استرجاعي. فصل “باروديا” في رواية “نزلاء الحراش” يحمل الإجابة عن علاقة التخييل بما هو واقعي.
قلت في تصريحات سابقة إن رواية “نزلاء الحراش” مشروع مختلف عن بقية كتاباتك.. فيم يكمن هذا الاختلاف؟
أؤكد هذا، وفضّلتُ لو أن النقد، في الجزائر، هو الذي يجيب. “نزلاء الحراش” هي خاتمة ذلك المشروع الذي اشتغلت عليه منذ 2011، اشتغالا ذا صلة بما هو سياسي واجتماعي وتاريخي من واقع الجزائر المعاصر، بلغة مختلفة عن لغتي في نصوصي السابقة، لاسيما من حيث بنية الجملة واقتصاد اللغة، وبتركيب مختلف لبنية النص، وبحمولة فكرية تقوم على المواجهة مع الصمت ومع الكذب ومع الظلم ومع اليأس. وكان من نتيجة المشروع هذه الثلاثية (من قتل أسعد المرّوري ـ ما رواه الرئيس ـ نزلاء الحراش).
اخترت في الرواية إسناد مهمة البطولة الأخلاقية والنقدية لصحفي وصحفية صارا في ما بعد كاتبين، ألا تعتقد أنك رهين نظرة جيلك الذي أسند مهمة الرسولية للمثقفين الذين أثبتوا بعد الحراك الشعبي أنهم خارج السياق تماما وأخذت منهم الريادة من مواقع أخرى؟
هناك خيارات تكون مؤلمة أحيانا يكون الروائي مجبرا على اتخاذها حين يغدو الواقع، مثل واقع الجزائر، متحوّلا ومتشظيا ومنذرا بالخطر؛ منها أن يُوجد لنفسه المنصةَ (أو الخشبة لأن الرواية هي مسرحية محكية) التي عليها يستدعي شخصيات نصه لتقول أفكاره. ولذا، عليه أن يسند الأدوار الأساسية (كما في السينما أيضا) إلى الشخصيات القادرة على التأثير في المتلقي.
ثم، وأنت الصحفية النزيهة والملتزمة كما تشهد على ذلك كتاباتك، ألا ترين أن خياري لشخصيتي “نبيلة وفيصل” هو إشادة وتنويه بما قدمته الصحافة الجزائرية من تضحيات؟
أعتقد أن هناك مسافة كبيرة جدا بيني وبين أصدقاء كتاب من جيلي في ما يتعلق بتوظيف “المثقف” في أعمالي. النقد هو الذي أيضا يمكنه أن يثبت ذلك. كان للمثقفين في “الحراك” فرصة عظيمة سانحة لهم أن يتورطوا فيه بالكتابة.
ولكن يبدو أنهم أضاعوها لأسباب لست أنا من يحصيها. شخصيا، حصرت همي، خلال الحراك، حول سؤال واحد: ماذا سأقول؟ وكان ذلك مرهقا لي.
كنت سأظل ما بقي من حياتي أشعر بالخجل وبالفشل، وكأني مَدين لغيري، لو لم أُجب عن سؤالي بعملين سرديين هما “ما رواه الرئيس” و”نزلاء الحراش”. اليوم، أعتقد أني خلصت ديني تجاه الحراك.
قبل هذه الرواية في “ما رواه الرئيس” وجهت نقدا للحراك الشعبي قبل النخبة ورموز النظام.. هل تعتقد أن جزءا من أخطاء الدولة الوطنية ناتج عن عدم قراءة المسارات بمسافة وحسّ نقدي؟
تماما. إنما هو التردد والانتظار والحسابات الضيّقة وأحيانا التزعم وأحيانا أخرى النزعة الانتقامية، هذا كله تسبب في أعطاب “النخبة”، التي كان من المفروض هي التي تقود الحراك بوعي بالرهانات ومن المسؤولية ومن النقد الفكري ومن الكتابة في المعترك ومن النشر؛ أي إثارة حوار سياسي ثقافي فلسفي واجتماعي؛ مع إدراك للعوائق التي كانت منصوبة أمامها .
على بعد المسافة الزمنية الآن، أقول، بلا خجل، إن “النخبة” كانت تمشي في المسيرات في الخلف بدل أن تكون هي في الأمام. ومن كان في الأمام؟ لنا أن نتذكر فحسب بعض الشعارات التي كانت ترفعها الحشود. في “ما رواه الرئيس” إجابة لا أقدّر درجة حمولتها على ما سميته أنت أخطاء الدولة الوطنية؛ وذلك من خلال اعترافات “الرئيس” في ما يرويه.
أعطيك مثلا عن حرب التحرير كمسار من مسارات تاريخنا. إلى اليوم لا يزال ينظر إليها، بتكريس مبرمج، على أنها مقدسة لا يطالها نقد. وهو أمر يضر بمنجزها العظيم أكثر مما يفيده مع هذا الجيل والأجيال اللاحقة. وبرغم ذلك التكريس فإن هناك شيئا من النقد يظهر من حين لآخر، خاصة ما تعلق بمذكرات بعض الشخصيات الفاعلة في حرب التحرير.
ما لم نعتمد النقد كفعل بناء، يرينا أخطاءنا ويكشف عن حماقاتنا، لن نتقدم إلى الغايات التي نحلم بها.
“نزلاء الحراش” تحدثت عن مرحلة العشرية السوداء وبعض طابوهاتها وما انجرّ عنها من طبقة الأثرياء الجدد عن فشل المنظومة الاجتماعية بما فيها مؤسسة الزواج، وهروب نبيلة من الالتزام به عن بارونات الفساد، عن مجاهدي الخطوات الأخيرة، عن التهريب، عن الاقتصاد الريعي.. لماذا أنت حانق لهذه الدرجة لا يوجد شيء إيجابي مثلا؟
لماذا أنا حانق؟ أنا كنت طفلا خلال حرب التحرير وذاكرتي لا تزال تحتفظ بصور من الظلم الذي عشته تحت وطأة الاحتلال الفرنسي. وفي مراحل التأميمات الكبرى (1966-1973) صرت شابا متحفزا للتغيير. ومع دخولي الجامعة انخرطت بما أملكه من حلم في برنامج التغيير المقترح ـ وأنا شخصيا أعد نفسي ثمرة منه إذ لولاه ما دخلت جامعة ولا صرت ما أنا عليه اليوم ـ ولكن بمجرد موت (؟) صاحب البرنامج تهاوى كل شيء ودخلت الجزائر ثلاث مراحل أنهكتها: مرحلة تفكيك الاقتصاد الموجه والممركز. مرحلة المحنة الوطنية. ومرحلة سيطرة الأوليغارشيا. وكلها مراحل ضربت في العمق المثل التي تضمنتها مواثيق الثورة. فكيف لا أحنق؟ كيف لا أغضب؟ كيف لا أسخط وأصرخ؟ إني لا أملك لهذا سوى كلماتي. كلماتي هي سلاحي في مواجهة آثار الخيبة القاهرة.
بعد ثلاثية “من قتل أسعد المروري”، “ما رواه الرئيس” و”نزلاء الحراش”.. هل انتهيت من التسجيل لأن قارئها يستنتج أنها مختلفة تماما عن أعمالك السابقة؟
يبدو أني بـ”الثلاثية” أنهيت مرحلة من مسار كتابتي. ولو أن هناك خيوطا ستظل عالقة بما سبق من كتابتي وما قد يلحق، لأن الكاتب، كما قيل، لا يكتب سوى نصّ واحد يفرعه إلى أجزاء بحسب ما يفرضه عليه واقعه وما يُلزمه به ضميره وما تسمح به ظروفه النفسية وتتيحه له هوامش الحرية وإكراهات النشر، لأن لدور النشر اليوم، خطوط تحرير شأنها شأن الصحافة، لا يمكن تجاوز بعض ألوانها، بفعل الرقابة القبلية أو البعدية، وبفعل تقييد حركة تنقل الكتاب.
هل يفكر الأستاذ السايح في عمل جديد أو مشروع جديد؟
أكيد، ماذا أفعل غير أن أكتب، فإما الكتابة أو جنون الفراغ أو عزلة التصوّف. أتمنى أن يتاح لي مزيد من العافية، لأنه لا كتابة خارج العافية، كي أنجز المشروع الجديد.