جواهر
الظاهرة في انتشار في ظل ارتفاع العنوسة وعزوف الشباب عن الزواج

نساء يخطبن لأنفسهن وعائلات تبحث عن أزواج لبناتها

الشروق أونلاين
  • 7421
  • 25
الأرشيف

الشابة معجبة بك وتريدك زوجا على الحلال، فما رأيك؟؟ أنت رجل صالح وأجدك مناسبا لابنتي.. هذه العبارات وأخرى صارت تتردد مؤخرا وكثيرا على أسماع بعض الرجال، الذين يتفاجؤون بمرسول يقصدهم، ويطلب يدهم لنساء معجبات بهم، أو بوالد يخطبهم لبناته. والظاهرة، وإن لم تكن جديدة على ديننا الإسلامي، لكنها ليست بمألوفة في مجتمعنا.. فظاهرة العنوسة التي لم تسلم منها كثير من العائلات وبطالة الشباب. وغيرها كثير من الأسباب، قلبت معادلة الزواج، وجعلت أمر الظفر بزوج في الحلال مبتغى بانتهاج جميع السبل المؤدية إلى ذلك.

لم تستسلم كثير من الفتيات لواقع بقائهن دون زواج، ولم تكبح أخريات مشاعر الإعجاب تجاه الطرف الثاني، فيما لم تضيع كثير من العائلات فرصة الظفر بعريس وجدوه مناسبا لبناتهم، فتجرؤوا على خطبة الرجال… وكثير من ” المخطوبين” يوافقون ودون تردد على هذا النوع من الزواج، خاصة إذا كانوا سيصاهرون عائلات مناسبة. فيما تجرأت أخريات أكثر، وأقدمن على عرض أنفسهن للزواج بمواقع التواصل الاجتماعي وبمواقع الزواج، ومنهن من تضع حتى صورتها، وتصف أدق تفاصيل جسدها، وهي الظاهرة التي يستنكرها الأئمة ويحذرون من انعكاساتها السلبية على الفتاة نفسها.

 

عائلات تطلب من رقاة إيجاد عرسان لبناتهن

وفي هذا الصّدد، أكد لنا أئمة ومرشدات دينية، حقيقة وجود هذه الظاهرة، ساردين علينا الكثير من قصص الزواج الناجحة التي تمت بهذه الطريقة… الشيخ محيي الدين، محفِّظ قرآن، وراق يقطن بالضاحية الغربية للعاصمة، من كثرة البيوت التي قصدها للرقية، وبعدما كسب ثقة أصحابها، لم يتردد هؤلاء في طلب مساعدته لإيجاد عريس مناسب لبناتهم، حيث أكد لنا مساهمته في تزويج عشرات الفتيات وبطلب من آبائهن. وبحسب قوله: “كثير من حالات الرقية التي قمت بها، تخص فتيات مصابات بمس أو عين أو سحر أخّر زواجهن، ولأنني أشاهد وبأم عيني الحالة المأساوية التي تعيشها العائلة بعد تعطل زواج بناتها، فأسهم في الخير بأن أعرض عليهم المساعدة في تزويج بناتهم، أو هم من يطلبون ذلك… وكثيرات وجدت لهن عرسانا مناسبين، غالبيتهم من الشباب حفظة القرآن، أو من آخرين أعرفهم”.

 

صاحب مقهى يخطب شغّيله لابنته

ويؤكد الراقي أن كثيرا من الآباء كسروا طابو التحفظ في الزواج مؤخرا، وصاروا لا يتحرجون في البحث عن عريس لبناتهم، وحكى لنا قصة صديق له يملك مقهى بالعاصمة. فالأخير، يشغِّل ومنذ سنوات شابا ينحدر من ولاية بشار ويبيتُ بالمقهى، والعامل له أخلاق حسنة ومعروف بأمانته وصدقه، ولذلك لم يتحرّج صاحب المقهى من عرض ابنته على الشاب ليتزوجها، والأخير لم يتردد في القبول، ويقول الراقي إنهما يعيشان حياة هانئة بعدما رزقا بأولاد.

 

شابة تطلب وساطة مرشدة دينية لتخطب لها شابا أعجبها

وكما تؤكد مرشدات دينيات تحدثنا معهن في الموضوع، أن ظاهرة خطبة المرأة لنفسها، صارت منتشرة مؤخرا في مجتمعنا… وبحسب “م. جليلة”، مرشدة دينية بأحد مساجد العاصمة، فكثير من الفتيات اللواتي يقصدن المسجد سواء للصلاة أم حفظ القرآن، يطلبن منها إيجاد عريس لهن، أو يحددن لها رجلا سبق لهن رؤيته بالمسجد أو بالحي، وبحسب قول جليلة “في إحدى المرات وبصلاة التراويح، تقدمت مني شابة في الثلاثين من عمرها، سبق أن تعرفت عليها بالمسجد، وسألتني عن شاب يتردد كثيرا على المسجد، وأخبرتني بأنها تصادفه يوميا، لكنه لا ينظر إليها أبدا، وعندما سألتْ عنه عرفتْ أنه أعزب يعيش مع عائلته في بيت متواضع، ويملك طاولة لبيع الخضر في السوق…”، الشابة طلبت من المرشدة جسّ نبض الشاب، فإن كان ينوي الزواج، فهي تعرض نفسها عليه كزوجة، وستساعده في تأمين حياته المستقبلية باعتبارها موظفة ولديها مسكن.

والمرشدة استعانت بإمام المسجد، الذي عرض الأمر على الشاب، والأخير بعد تردد في القبول، وافق على الأمر بعد رؤيته للشابة وإعجابه بها.

ولكن تؤكد محدثتنا، أن بعض الرجال وهم قلة “لا يحترمون المرأة التي تعرض عليهم الزواج، كما يتخوفون من عروض الزواج التي تأتيهم من رجال يخطبونهم لبناتهم” وتخوفهم– حسبها- يكمن في تعرضهم “للمعايرة من الفتاة وأهلها مستقبلا، وبخاصة إذا ساعدوه مادِّيا”.

 

أستاذة جامعية عرضت الزواج على زميلها فرفض!

والفتيات اللواتي يتجرأن على خطبة الرجال، غالبيتهن موظفات أو يملكن مساكن، فعندما يعجبن بشباب ليس بمقدورهم الزواج لظروف مادية، يعرضن عليهم الارتباط… كوثر، شابة في 36 من عمرها، أستاذة جامعية بالعاصمة، تعيش مع والدتها في منزل كبير بعد وفاة الوالد. وكوثر، بحسب ما سردته لنا صديقة، أرسلت زميلة لها لتعرض فكرة الزواج على زميل لهما في الجامعة، قادم من ولاية غربية، يقيم بفندق لغلاء تكاليف الإيجار. وبحسب قول محدثتنا “ذكرت له الصفات المميزة لكوثر وخلقها العالي، ثم عرضت عليه فكرة الزواج بها والإقامة معها في مسكنها”، لكن الشاب اعتذر، مؤكدا لها أنه لن يتزوج إلا من الفتاة التي يختارها قلبه، أما كوثر فيراها أختا لا أكثر.

 

أعجبت بأستاذها فأرسلت إليه رسائل غرامية باسم مجهول

قصة أخرى، لسيدة من ولاية داخلية، متزوجة الآن، وهي أم لأطفال، فبحسب حكايتها التي تعود إلى سنوات خلت، كانت معجبة كثيرا بأستاذ الاجتماعيات في جامعة بوزريعة عندما كانت طالبة في السنة الأخيرة، رغم أنه يكبرها بـ25 سنة كاملة، وبحسب تعبيرها “كان صارما جدا مع الطلبة، لم نشاهد ضحكته أبدا، ولا يخالط أحدا، وربما هذه الشخصية تعجبني..”، ولتوصل محدثتنا إعجابها إلى الأستاذ، دأبت يوميا على وضع رسائل غرامية مجهولة بخزانته الموجودة في قاعة الأساتذة دون أن يلمحها أحد، وفي الرسالة العاشرة، دونت له رقم هاتفها، وبدأ التواصل بينهما، تقول صاحبة الحكاية: “التقيته لأكثر من مرتين في مقهى قريب من الجامعة، وأثناءها اكتشفت أنه لا يفكر في الارتباط بعد طلاقه من زوجته، أو هكذا بدا لي، كما لمست سوء نية في أفكاره، فلربما كان يجدني فتاة منحلة، رغم أنني محجبة ومعروفة بأخلاقي، فقطعت اتصالي معه، وتزوجت مباشرة بعد تخرجي من رجل قصد منزلنا خاطبا دون سابق معرفة به”.

 

رئيس جمعية إصلاح ذات البيْن الخيرية محمد الأمين ناصري:

تهاتفني كثير من الموظفات باحثات عن زوج مناسب

ويؤكد رئيس جمعية إصلاح ذات البين الخيرية لولاية الجزائر، محمد الأمين ناصري لـ “الشروق”، أن ظاهرة خطبة الرجال موجودة في ديننا الإسلامي، وهي ظاهرة “نبيلة”، فأمنا خديجة رضي الله عها خطبت النبي الكريم محمدا صلى الله عليه وسلم لنفسها، ولكن الظاهرة التي كانت قليلة في سنوات خلت، ظهرت إلى العلن مؤخرا، بسبب ارتفاع نسبة العنوسة- بحسب تفسيره-، ليؤكد لنا أنه هو شخصيا أسهم في تزويج كثير من الفتيات بهذه الطريقة، وبحسب قوله “تلقيت العديد من الاتصالات بوزارة الشؤون الدينية من شابات يسألن عن حكم خطبتهن لرجل يردنه زوجا”، فأؤكد لهن جواز الأمر، ولكن بشروط.

فمحاولة الظفر برجل من طرف امرأة، يقول ناصري “حبذا لو تتم بطريقة غير مباشرة، لتحافظ المرأة على احترامها وكرامتها، فتبعث مرسولا يتصف بالحكمة والذكاء ليجس النبض، فيقول للرجل مثلا: ما رأيك في فلانة، لماذا لا تتزوج فلانة فهي نعم الزوجة، لا أن يواجهه المرسول أو هي مباشرة بالقول: فلانة أرسلتني إليك لأنها معجبة بك وتريدك زوجا، أو أنا معجبة بك..”.

فيما تعتبر فئة المطلقات والأرامل، من بين من يقبلن على هذا السلوك، لامتلاك غالبيتهن مساكن، أو لمعاناتهن من مشاكل داخل أسرهن، فيحاولن الزواج بأي طريقة، ولو بخطبة رجل. وفي هذا الصّدد، أكد لنا ناصري أن أرملة تعيش لوحدها بمسكن منفرد بولاية البليدة، اتصلت به مؤخرا تطلب البحث عن رجل مناسب ليتزوجها ويقيم في مسكنها، “وأنا أتولى الأمر..” يقول.

فيما غالبية الاتصالات التي ترده في الموضوع، من نساء موظفات وبينهن حتى إطارات دولة وطبيبات، وحسبه “غالبية الموظفات يؤخرن أمر زواجهن لانشغالهن بالعمل أو لوضعهن شروطا للزواج، وبعد تعدِّيهن سن الثلاثين أو الأربعين، يبدأن بالبحث عن الرجل المناسب وعن طريق الوساطات”.

فيما استنكر محدثنا ظاهرة عرض بعض الشابات أنفسهن على مواقع التواصل الاجتماعي إلى العموم، و”الأمر غير جائز وحرام” حسب تأكيده، لأن انعكاساته خطيرة جدا، قد تصل حدّ التلاعب أو التشهير بالفتاة وعائلتها.

 

جمعية حورية للمرأة عتيقة حريشان:

بعض الرجال يشهرون بالمرأة التي “خطبتهم” ويهينون كرامتها

إلى ذلك، اعتبرت رئيس جمعية حورية للمرأة، عتيقة حريشان، أن خطبة المرأة لنفسها ليست عيبا أو حراما، خاصة إذا تمّت في أطر محترمة وشرعية، تحافظ على حياء المرأة وخصوصيتها، مضيفة: “لم لا إذا رأت امرأة رجلا مناسبا، أن ترسل إليه أهل الصلاح من الأقارب أو الأصدقاء، لجس نبضه”. وذكرت محدثتنا قصة صديقتها التي كانت معجبة بأستاذ، وكانت تشعر بإعجابه بها، لكنه لم يصارحها، فتدخلت محدثتنا وجمعتهما، وهما الآن زوجان سعيدان، مؤكدة أن كثيرا من النساء يقصدنها طالبات منها البحث لهن عن رجل مناسب للزواج.

ومع ذلك، ترى حريشان أن هذا الموضوع حساس جدا في مجتمعنا، وحسبها “بعض الأشخاص يصفون المرأة التي تخطب لنفسها، بقليلة الحياة والمنحلة أخلاقيا، والبعض يصفها– بالبايرة- التي لم تجد زوجا”، ولهذا، لابد من أن يتميز “مرسول الزواج” بالحكمة وأن يكون شخصا ذا ثقة ويخاف الله، حتى لا ينشر سِرّ المرأة التي وكّلته بالمهمة، كما أن الرجل الذي عينته المرأة للزواج لابد من أن يكون محترما، حتى لا يشهر بالمرأة لاحقا في الحي أو بمكان العمل أو حتى عبر مواقع التواصل الاجتماعي، ويتفاخر بالقول: “فلانة، عرضت علي الزواج… ولم أقبل”، وهو ما جعلها تتأسف، لأن مجتمعنا المسلم بات يدقق في تفاصيل تافهة، تاركا الأمور المفيدة، وبحسبها “قديما، كانت لدينا ثقافة تزويج العزاب من الجنسين، أما الآن فالجميع يتخوّف من التوسّط في الزواج، إما حسدا أو خوفا من حدوث مشاكل بين الطرفيْن مستقبلا، فيحمّل هو المسؤولية”.

ولأهمية الموضوع، أكدت محدثتنا أن جمعيته تضع اللمسات الأخيرة لإنجاح مشروع لتزويج الأشخاص، يسهر عليه أهل الخير من مختصين وأئمة ومصلحين، خاصة بعدما لمست رغبة كثير في الزواج على اختلاف مستوياتهم الثقافية، لكنهم لم يجدوا من يأخذ بأيديهم، ويلاقيهم مع “وْلاد وبنات الفاميليا “. لتختم بالقول: “المساهمة في تزويج الشباب تقضي على ظاهرة التأخر في الزواج بمجتمعنا وتجنبنا آفات اجتماعية خطيرة جدا، أهمها إنجاب الأطفال غير الشرعيين والانحراف وحتى الحرقة”.

مقالات ذات صلة