نساء يفشين الأسرار الزوجية في طوابير الرقية الجماعية
شياطين تسيطر على أجسادهن فتصيبها بالسقم، جن يعبثون بأغراضهن ويحولون حياتهن إلى جحيم، فيمنعونهن من مباشرة شؤونهن الدينية والعملية.. هو جزء من المعتقدات التي تسيطر على تفكير بعض المرضى لتتحول جلسة الرقية الجماعية وهي أحدث ابتكارات الرقاة من جلسة للعلاج إلى كشف لأسرار البيوت والأشخاص على المباشر، وضرب بالأيدي والعصي. وهو ما وقفنا عليه في إحدى الجلسات التي بدأت هادئة لتتحول بعد دقائق إلى فيلم رعب.
استشرت ظاهرة الرقية الشرعية الجماعية في المجتمع بشكل كبير حيث بات غالبية الرقاة يفضلون القيام بها لجلب أكبر عدد من المرضى خصوصا النساء، فمثل هذه الجلسات لا يشترط فيها حضور المحرم وهو ما علمناه عندما توجهنا إلى أحد المحلات المختصة في بيع العسل والأعشاب، وقد كنا نعلم مسبقا أن صاحبها قد خصص خلفية المحل للرقية الشرعية وقسم اليوم، فالفترة الصباحية للنساء حتى موعد صلاة الظهر، أما فترة ما بعد صلاة العصر وحتى صلاة المغرب فهي مخصصة للرجال.
الأعراس أول مصدر لسحر النساء
وصلنا المحل في حدود الساعة التاسعة والنصف صباحا، فكان الازدحام شديدا حتى بعض السيدات خرجن ليجلسن على الرصيف المجاور للمحل لينتظرن دورهن، في حين فضلت أخريات الوقوف داخله حتى أصبحت درجة الحرارة لا تطاق، خصوصا أن التهوية شبه منعدمة فيه، فاستغللنا الفرصة للاستماع إلى بعض الأحاديث النسوية التي كانت تدور في القاعة. إحداهن راحت تحكي عن تجربتها مع الرقية، فقد وضع لشقيقتها الكبرى في زفافها سحر وبدل من أن تدوس عليه العروس داست عليه هي، لتتحول حياتها إلى جحيم حقيقي ومعاناة فساقها تؤلمها بشدة ولم ينفع معها لا الدواء ولا الأعشاب ولا حتى الرقية.
ترشحت في المحليات فأصابتها عين
في حين، كانت إحداهن تتحدث مع صديقتها عن غيرة بيت أهل زوجها منها عندما شاهدوا صورتها في قائمة المرشحين للمحليات، فبدؤوا يحرضون زوجها ضدها ويطلبون منه التحرك ويختلقون لها المشاكل، لذا فضلت القدوم إلى الراقي حتى تبعد شر أعين الحاسدين عنها، وفي كل مرة كانت تتعالى أصوات النساء وأحاديثهن كان يطرق الراقي الباب أو يخرج رأسه طالبا منهن التزام الصمت وعدم التشويش عليه.
متبرجات يبحثن عن الرقية بالماكياج
ونحن نتأمل وجوه الحاضرات منهن من كانت محجبة وأخرى متبرجة دون خمار بل جلبته معها في حقيبة يدها حتى تضعه على رأسها عند دخولها إلى الشيخ، في الوقت الذي كان فيه بعضهن يضعن الماكياج وكأن الأمر لا يتعلق بجلسة رقية بل بمناسبة خاصة أو حفل. وفي تلك الأثناء كانت تتعالى صرخات النساء داخل القاعة الأخرى لتخرجنا من عالم التأمل وتعيدنا إلى مسلسل الرعب الذي ينتظرنا.
وبعد مرور فترة من الزمن قرابة الساعة خرجت النسوة وعلى وجوه بعضهن دموع وأخريات مبتسمات، فيما بقيت إحداهن تشكو آلاما في يدها للشيخ. ليحين موعد رقية الماء وزيت الزيتون والعسل فكانت كل واحدة منهن تدني مجموعة مكونة من 6 قارورات مياه معدنية وقارورة زيت الزيتون، ويمنحن للراقي ما استطعن من مال. فحسب ما علمنا من الحاضرات، أن السعر غير محدد وكل واحدة تعطيه حسب إمكانياتها وهناك من لا يعطينه شيئا.
رقية الضيوف بالعطر والعصير
وما هي إلا دقائق حتى دخلت القاعة سيدة مسرعة تحمل معها ثلاث علب عصير بأذواق مختلفة وقارورة ماء وسلمت على الراقي، ثم راح يستفسرها عن وضعيتها ليتضح من خلال حديثهما وجود سابق معرفة بينهما أو أنها إحدى زبوناته الوفيات، استرقنا السمع إلى حديثهما لنكتشف أن الحديث يدور حول زوار قادمين إليها في تلك الأمسية وأرادت رقية العصير، وبعد تلاوة بضع آيات والنفخ قدم لها القارورات وطلب منها رش عتبة المنزل بالماء وملابسها التي سترتديها به أيضا حتى لا تصاب بمكروه.
لتعلق إحدى السيدات جازمة بأن الأمر مرتبط بخطبة فهناك بعض الرقاة لا يمانعون في رقية العصير، الماء، العطر، الكحل، الحناء.. فكل شيء قابل للرقية بالنسبة إليهم، لتضيف: لكن هذا الشيخ لا يحب. لست أدري كيف وافق على طلبها ليعود بعدها ويواصل رقية الزيت والماء، وكان يطلب من كل واحدة شربه ودهن جبهتها وكف يدها ورجليها بالزيت فقط وليس استخدامه كدهن لسائر جسدها مثلما تعود الرقاة على قوله.
نساء يرقين دون وجود محرم
بعد طول انتظار جاء دورنا لدخول القاعة والحقيقة سيطر علينا شعور بالخوف والقلق وكأننا نساق إلى الموت فالجلسة تتم دون حضور “محرم” بالرغم من ضرورة وجوده في تلك اللحظة، لكن الراقي راح يبرر الأمر بالأمان ووجود عدد كبير من النساء يغني عن دخوله وهو يكون حاضرا في الحالات فقط التي يكون فيها الراقي منفردا بالمريضة، ووجوده رفقة سيدات أجنبيات سيزعجهن وغيرها من المبررات التي لا يمكن على عاقل تصديقها، وعند تمسكنا بالمحرم وفقا لتعاليم الشريعة الإسلامية سمح لمحرمنا بالدخول والانتظار عند الباب وليس مرافقتنا إلى قاعة الرقية.
إفشاء أسرار الزوجية أمام العوام شرط
دخلنا القاعة وهي في حقيقة الأمر لا تشبه القاعة في شيء بل هي مساحة ضيقة جدا “خلفية المحل” وضع بداخلها 5 كراسي تم صفها طوليا، جلست كل امرأة على مقعد ثم طلب منا إطفاء الهواتف النقالة أو وضعها على وضعية الصامت. فيما جلس الراقي على كرسي آخر على الجانب وبدأ يسأل كل واحدة منا عما تعانيه من أمراض، وبدأت الأولى تحكي حكايتها فهي متزوجة منذ 5 سنوات، وفي كل مرة تحمل فيها تفقد جنينها بعدما تشاهد حلما لضباع تتهجم عليها وتنهش جسدها، وفي اليوم الموالي تجهض وقد قصدت جميع الرقاة لكن دون جدوى. سألها الراقي كم من مرة حملت فردت ثلاثا. وفي أي شهر أجهضت؟ ردت الأولى والثانية في الشهر الرابع أما الثالث ففي الثامن. ليصمت فترة وينتقل إلى التي أمامها فبدأت تتحدث عن شعرها الأسود الطويل الذي كان ظاهرا للعيان من تحت الخمار الذي كانت تضعه بشكل عشوائي لكونها غير محجبة فقد أصيب شعرها بالعين وبدأ بالتساقط.
أما السيدة الثالثة فأخبرته عن ضربات جن تجدها في جسدها في شكل علامات زرقاء على الرجلين والفخذين في كل ليلة، بالرغم من قراءتها القرآن واستعانتها بالصلاة ليستفسرها الراقي إن كانت قد زارت أحد الأطباء، فردت بالنفي ليطلب منها زيارة الطبيب للقيام بتحاليل، فقد يكون الأمر متعلقا بأحد مشاكل الدم.
لتزيد دهشتنا في المريضة الرابعة التي تتعطل أمورها باستمرار ما جعلها تعتقد معاناتها من التابعة و”التعطيلة”، فقد تقدمت في السن ولم تتزوج ولم تتمكن من الحصول على عمل وحتى ملف السكن الذي قدمه والدها تعطل والأمر نفسه بالنسبة إلى إخوتها وأخواتها ذكورا وإناثا على حد سواء، أما نحن فاكتفينا بحجة العين فقد وجدنا ما يحدث أمامنا غير منطقي فكيف لأشخاص لا يعرفون بعضهم البعض يتحدثون في أسرارهم ومشاكلهم الشخصية علانية دون أدنى خجل أو حرج.
صراخ وبكاء وعويل والمريضات نفسيا أكثر الزائرات
بعد الإنصات إلى جميع المشاكل طلب منا الراقي إغماض أعيننا ثم شرع في قراءة القرآن أوائل البقرة ثم آيات السحر والعين والمس فقد كان يقرأ رقية جماعية تخص العديد من الحالات، لتشرع بعدها السيدة التي تجهض في كل مرة بالصراخ والضرب بيديها ورجليها، وبعدها بقليل بدأت التي تعاني من “التعطيلة” في التجشؤ بصوت مرتفع، بينما شرعت صاحبة الشعر الأسود في البكاء بصوت مرتفع أقرب إلى النحيب، والراقي يواصل قراءة القرآن والأصوات ترتفع، ليتناول بعدها كوبا ويضعه على بطن السيدة التي تجهض ويشرع في قراءة القرآن ثم يحركه من بطنها حتى فمها، لتفتح بعدها فمها وكأنها تهم بالاستفراغ والشيخ يردد: اخرج يا شيطان يا عدو الله لتصرخ بعدها ثم تفقد وعيها لدقائق وتستعيد عافيتها.
وبعدها راح يستفسر من كل حالة عما شعرت به خلال تلاوة القرآن، فهناك من أحست بضغط على عينيها وأخرى بتنميل في يديها فكان في كل مرة يمد لها يد المساعدة، وبعدها قرأ على مسامعنا بعض الأدعية وطلب منا عدم الجزع أو الخوف والالتزام بالورد اليومي وقراءة الأذكار لنخرج ونقدم له قارورتي ماء ليرقيهما لنا، ثم استفسرناه عن سبب عدم لجوئه إلى الضرب فأكد لنا أن غالبية الحالات نفسية والضرب لا يعالجها، وهناك بعض المريضات اللواتي يشعرن بالتحسن عند زيارتهن الراقي فهن لسن مصابات بأي مرض عضوي، فإحدى السيدات تقصده كل شهر لرقيتها وهي تخبره عن ارتياحها نفسيا بعد هذه الجلسات. لنغادر بعدها القاعة بعدما ازدادت أعداد المريضات توافدا.