الرأي

نشوة القوة الإسرائيلية وهشاشة التحالفات العسكرية في الخليج

بقلم: توفيق هامل
  • 904
  • 0

الهجوم الإسرائيلي الذي استهدف الدوحة، بزعم ملاحقة قيادات من حركة حماس، لم يكن مجرد عملية عسكرية عابرة، بل شكل تطورًا نوعيًا وخطيرًا في مسار الصراع، إذ اعتبرته قطر انتهاكًا صارخًا لسيادتها وتعديًا على القانون الدولي وعلى القواعد التي تنظم العلاقات بين الدول.

هذا الهجوم يوضح بجلاء نشوة القوة التي تسيطر على العقل الاستراتيجي الإسرائيلي، والشعور بالإفلات من العقاب، والوهم الراسخ بقدرة القوة العسكرية على إعادة تشكيل موازين المنطقة. لكنه في الوقت ذاته كشف عجز الحلفاء الموجودين على الأراضي القطرية، الذين يملكون قواعد عسكرية ضخمة، عن القيام بأي دور دفاعي أو ردعي، الأمر الذي يطرح سؤالًا محوريًا: ما الجدوى من هذه القواعد وما معنى أن تحمل قطر صفة “الحليف الرئيسي من خارج الحلف” إذا تُركت وحدها في لحظة عدوان مباشر، وهو ما يكشف هشاشة التحالفات غير المتكافئة وغلبة حسابات المصالح والقوة على قيم السيادة والشرعية الدولية.

أحدثت الضربة الإسرائيلية التي استهدفت مواقع سكنية في العاصمة القطرية الدوحة، بحجة وجود أعضاء من المكتب السياسي لحركة حماس، صدمة قوية في المنطقة وأثارت موجة واسعة من التنديد. هذا الهجوم مثّل لحظة مفصلية، إذ لأول مرة تُنقل العمليات العسكرية الإسرائيلية إلى قلب عاصمة خليجية آمنة، بعيدًا عن مسرح العمليات التقليدي في فلسطين ولبنان وسوريا. بالنسبة للدوحة، كان الأمر اعتداءً مباشرًا على سيادتها وتهديدًا لأمن مواطنيها والمقيمين على أرضها، وهو ما عبرت عنه وزارة الخارجية ببيان شديد اللهجة. أما على المستوى الإقليمي والدولي، فقد فتح هذا الهجوم بابًا واسعًا للتساؤل حول مدى التزام الحلفاء الغربيين والخليجيين بالدفاع عن دولة تستضيف أهم القواعد العسكرية لهم.

وراء هذا التصعيد تقف نشوة القوة الإسرائيلية، التي تغذيها المظلة السياسية والعسكرية الغربية، وعلى رأسها الولايات المتحدة. هذه النشوة جعلت إسرائيل تتصرف وكأنها فوق كل قانون، وسمحت لها بالتحرك في فضاءات جديدة لم تجرؤ سابقًا على استهدافها. بهذا السلوك، تبعث تل أبيب برسالة واضحة مفادها أنها قادرة على فرض قواعد اللعبة في الشرق الأوسط عبر القوة وحدها، دون أدنى اعتبار للقانون الدولي أو لسيادة الدول. وهنا تبرز معضلة أساسية: إذا كانت القواعد الأجنبية الضخمة المنتشرة في قطر لم تمنع العدوان ولم تردع المعتدي، فما وظيفتها الحقيقية إذن، وما قيمة التحالفات التي تقوم على وعود لا تتحقق عند لحظة الاختبار.

عمل إسرائيلي خطير وغير مسبوق

إعلان الجيش الإسرائيلي استهداف قيادة حماس في الدوحة يمثل خطوة بالغة الخطورة تكشف نزعة الهروب إلى الأمام التي تميز السلوك العسكري والسياسي الإسرائيلي. هذا الهجوم لا يمكن قراءته كعملية محدودة، بل هو توسيع متعمد لدائرة الصراع ليشمل أراضي دولة ذات سيادة تتمتع باعتراف دولي كامل، وتلعب دور الوسيط في أكثر من ملف إقليمي. بهذا التصعيد، وضعت إسرائيل أمن الدبلوماسيين، والمؤسسات الدولية، ومئات الآلاف من العمال والمقيمين في قطر على المحك.

على الصعيد القانوني، يشكل هذا الفعل خرقًا واضحًا لميثاق الأمم المتحدة، الذي يحظر استخدام القوة ضد سلامة الأراضي والسيادة الوطنية للدول، كما يمثل انتهاكًا لمبادئ القانون الدولي الإنساني التي تجرم استهداف المدنيين والأعيان المدنية. إن توجيه ضربة في قلب الدوحة، بعيدًا عن مسرح العمليات، هو فعل يمكن اعتباره عدوانًا وفق التعريف القانوني المعتمد للجمعية العامة للأمم المتحدة.

على المستوى السياسي، الهجوم يقوض الجهود الرامية إلى التوصل لوقف إطلاق النار، خصوصًا وأنه استهدف اجتماعًا تفاوضيًا كان يهدف إلى مناقشة مبادرة سياسية، الأمر الذي يعكس استخفاف إسرائيل بكل مسار دبلوماسي واعتقادها أن القوة وحدها تكفي لفرض حلولها.

أما على المستوى الأخلاقي، فاللجوء إلى أسلوب الاغتيالات السياسية في بلد مضيف لمفاوضات يعكس انحدارًا خطيرًا نحو منطق تصفية الخصوم، ويطرح أسئلة حول شرعية أي عملية سلام مستقبلية إذا كان المفاوض مهددًا بالاستهداف في أي وقت.

وعلى المستوى العسكري، فإن الهجوم يوسع رقعة التوتر نحو الخليج، ويكشف إيمانًا إسرائيليًا واهمًا بأن امتلاك التفوق العسكري كافٍ لتغيير قواعد اللعبة، وهو وهم سبق أن جرّبت إسرائيل نتائجه في لبنان وغزة، حيث فشلت القوة المفرطة في تحقيق نصر سياسي أو أمني دائم.

الموقف الحازم لدولة قطر

جاء رد قطر قويًا وحازمًا، إذ وصفت وزارة الخارجية ما جرى بأنه “اعتداء إجرامي” و”تهديد خطير” للأمن الوطني ولسلامة المواطنين والمقيمين، مؤكدة أن الدوحة لن تسمح بأي مساس بسيادتها. هذا الموقف لم يكن مفاجئًا، فهو ينسجم مع السياسة القطرية التي تبنت منذ سنوات دعم القضية الفلسطينية سياسيًا وماليًا، حيث قدمت قطر مليارات الدولارات لدعم البنية التحتية والخدمات الأساسية في قطاع غزة، فضلًا عن رعايتها لمفاوضات تهدئة متعددة.

سياسيًا، أكد الرد القطري أن الدوحة ليست مجرد طرف محايد بل فاعل إقليمي يحاول لعب دور الوسيط النزيه، وهو الدور الذي أرادت إسرائيل تقويضه عبر الضربة، وكأنها تقول إن أي وساطة لا تمر عبر شروطها محكوم عليها بالإفشال بالقوة.

قانونيًا، وضعت قطر الهجوم في إطار الانتهاك الصارخ لسيادة الدول وللقوانين الدولية، وهو ما يفتح أمامها خيار التصعيد الدبلوماسي في المحافل الدولية، سواء عبر الأمم المتحدة أو المحاكم الدولية.

أخلاقيًا، تبنت قطر خطابًا يستند إلى قيم إنسانية عامة، معتبرة أن الاعتداء لا يهدد فقط دولة بعينها بل يعرض النظام الدولي برمته للخطر، لأنه يفتح الباب أمام سابقة خطيرة بتجاوز سيادة الدول الصغيرة أو المتوسطة من قبل قوة عسكرية متفوقة.

أما عسكريًا، فقد أثار الموقف القطري تساؤلات عميقة حول جدوى استضافة أكبر قاعدة عسكرية أميركية في المنطقة (قاعدة العديد)، وكذلك القواعد البريطانية والتركية، إذا كان العدوان يمكن أن يقع دون أي ردع أو حماية. هنا يطرح سؤال استراتيجي: ما معنى أن يكون قطر “حليفًا رئيسيًا من خارج الحلف” إذا تُركت تواجه التهديد وحدها.

حلفاء الدوحة بين الصمت والتناقضات

المفارقة الكبرى تكمن في موقف الحلفاء الذين يحتفظون بقواعد عسكرية ضخمة في قطر. فمن المفترض أن هذه القواعد وُجدت لحماية الدولة المضيفة وتعزيز أمنها، لكن الهجوم الإسرائيلي كشف هشاشة هذه المعادلة

الولايات المتحدة: تستضيف قاعدة العديد الجوية نحو ثلاثة عشر ألف جندي، وهي مقر القيادة الوسطى الأميركية، ومع ذلك اكتفت واشنطن ببيانات عامة دعت فيها إلى “ضبط النفس”. هذا الصمت يؤكد أن الأولوية الأميركية هي التحالف مع إسرائيل، حتى لو جاء ذلك على حساب أمن الحليف القطري. وهنا يبرز التناقض: إذا لم تمنع هذه القاعدة العملاقة عدوانًا مباشرًا، فما فائدتها؟ وما قيمة صفة “الحليف الرئيسي من خارج الحلف” التي منحت لقطر منذ سنوات، إذا لم تتجسد في التزام فعلي بحمايتها.

المملكة المتحدة: تمتلك بريطانيا وجودًا عسكريًا معتبرًا عبر قاعدة السيلية وسرب مشترك مع القوات القطرية، لكنها التزمت الصمت هي الأخرى. هذا الموقف يكشف أن الوعود البريطانية بحماية الاستقرار في الخليج تظل أقرب إلى الخطاب الدبلوماسي منها إلى الالتزام العملي.

تركيا: رغم أن أنقرة أدانت الهجوم بوضوح عبر تصريحات رسمية، فإن قدرتها على التحرك تبقى محدودة بسبب حساباتها الإقليمية وعلاقاتها المتقلبة مع تل أبيب. وجود خمسة آلاف جندي تركي في الدوحة لم يغير من الواقع شيئًا، وظل الموقف أقرب إلى التضامن السياسي منه إلى الفعل العسكري.

الخلاصة أن الوجود العسكري الأجنبي لم يمنع العدوان، بل كشف أن هذه القواعد أداة نفوذ واستعراض أكثر مما هي ضمانة أمنية. ومن ثم يتعين التساؤل: إذا كان الحليف الرئيسي من خارج الحلف يظل وحيدًا في مواجهة العدوان، فما معنى هذا التحالف أصلًا.

الهجوم الإسرائيلي على الدوحة حدث مفصلي ستكون له تداعيات بعيدة المدى. فقد تجاوزت إسرائيل الخطوط الحمراء باستهدافها عاصمة خليجية ذات سيادة، وأرسلت رسالة مفادها أن قوتها العسكرية تسمح لها بفرض إرادتها أينما شاءت. لكن هذا التصرف يعكس في العمق نشوة القوة والشعور الزائف بالقدرة على رسم مصير المنطقة بالقوة الغاشمة، وهو ما أثبت التاريخ فشله في لبنان وغزة وسيناء.

تداعيات هذا الحدث متعددة

قانونيًا، يشكل عدوانًا صريحًا يستوجب تحركًا أمام المحاكم الدولية وفي مجلس الأمن.

سياسيًا، يضعف أدوار الوساطة ويكشف هشاشة التحالفات غير المتكافئة.

أخلاقيًا، يرسخ خطورة تطبيع الاغتيالات والحروب الاستباقية كوسيلة مشروعة في العلاقات الدولية.

عسكريًا، يوسع نطاق الصراع ليشمل منطقة الخليج، ويطرح سؤالًا وجوديًا حول جدوى القواعد الأجنبية التي لم تُستخدم لردع العدوان.

الأخطر أن الأزمة أظهرت بجلاء أن صفة “الحليف الرئيسي من خارج الحلف”، التي مُنحت لقطر بوصفها امتيازًا سياسيًا واستراتيجيًا، ما هي إلا تسمية شكلية لا تصمد أمام الواقع. فإذا تُركت الدوحة وحيدة في لحظة عدوان مباشر، فإن هذا يضعف مصداقية الولايات المتحدة وحلفائها ويؤكد أن النظام الدولي لا تحكمه القوانين ولا المبادئ، بل موازين القوة والمصالح. وهكذا، فإن رسالة إسرائيل لم تقتصر على قطر بل طالت المنطقة بأسرها: الشرق الأوسط يُعاد تشكيله بمنطق القوة، فيما القانون والسيادة يظلان شعارات مؤجلة أمام حسابات السلاح والنفوذ.

مقالات ذات صلة