نصف قرن من الالتفاف على تقرير المصير لن يُسقط حق الشعب الصحراوي
منذ أن دخل النزاع في الصحراء الغربية مساره الأممي، ظل مبدأ تقرير المصير حاضرًا في الجهود الدولية، باعتباره أساس التسوية. فقد قامت خطة التسوية التي وافق عليها المغرب وجبهة البوليساريو على وقف إطلاق النار، مقابل تنظيم استفتاء لتقرير مصير الشعب الصحراوي تحت إشراف الأمم المتحدة. وارتبط قرار مجلس الأمن رقم 658 لعام 1990 بقبول الطرفين مخطط التسوية، قبل إنشاء بعثة الأمم المتحدة للاستفتاء في الصحراء الغربية «المينورسو» عام 1991.
غير أن السنوات مرت، والاستفتاء الذي كان يُفترض أن يشكل مدخلًا لإنهاء النزاع ظل مؤجلًا، فيما بقي الشعب الصحراوي محرومًا من ممارسة حقه في اختيار مستقبله بحرية. ومع استمرار هذا التعطيل، تزايدت محاولات الالتفاف على جوهر المسار الأممي، من خلال تسويق مقترحات سياسية تسعى إلى استبدال تقرير المصير بحلول لا تتيح للشعب الصحراوي التعبير الحر عن إرادته.
وتظل الصحراء الغربية، المصنفة منذ عام 1963 ضمن الأقاليم غير المتمتعة بالحكم الذاتي، خاضعة لإطار تصفية الاستعمار الذي تؤكده قرارات الأمم المتحدة، وفي مقدمتها القرار 1514 الصادر عن الجمعية العامة عام 1960، بشأن منح الاستقلال للبلدان والشعوب المستعمرة. ويؤكد هذا الإطار أن تحديد مستقبل الأقاليم المعنية يجب أن يستند إلى إرادة شعوبها. كما أن الرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية الصادر عام 1975 لم يثبت وجود روابط سيادة إقليمية تلغي مبدأ تقرير المصير.
إن حق الشعب الصحراوي في تقرير مصيره ليس ورقة تفاوضية تُستخدم وفقًا للمصالح السياسية، ولا امتيازًا يمكن منحه أو حجبه بحسب موازين القوى، بل حق أصيل تكفله مبادئ ميثاق الأمم المتحدة وقرارات الشرعية الدولية. ويخطئ من ينتظر من مجلس الأمن الدولي أن ينهي القضية بقرار يفرض الحكم الذاتي خيارًا وحيدًا أو يكرّسه أمرًا واقعًا يتجاوز حق الشعب الصحراوي في تقرير مصيره بنفسه. فمجلس الأمن يعمل ضمن إطار ميثاق الأمم المتحدة ومبادئ القانون الدولي، ولا يمكن أن يكون تجاوز هذا الحق أساسًا لتسوية سياسية مستدامة.
وعلى الرغم من أن العالم يعيش مرحلة دولية شديدة التعقيد، فإن فرض حل يتجاوز إرادة الشعب الصحراوي لا يعالج جذور النزاع، بل يعمّق أسبابه ويضعف فرص التوصل إلى تسوية تحظى بالشرعية والقبول.
ويواصل الاحتلال المغربي الاعتماد على الدعاية السياسية والإعلامية وترويج الأخبار المضللة لتسويق أطروحاته، بينما يظل جوهر القضية مرتبطًا بحق شعب في تقرير مصيره وإنهاء وضع إقليم لم يستكمل مسار تصفية الاستعمار فيه. وفي هذا السياق، فإن حديث «بولس» مؤخرًا عن عدم وجود حل قريب، وعن استمرار التواصل مع جبهة البوليساريو، لا يسمح بالتعامل مع الحكم الذاتي المغربي باعتباره نتيجة نهائية محسومة، بل يؤكد أن المسار لا يزال مفتوحًا.
إن تحويل القضية الصحراوية إلى ملف تفاوضي يُدار خلف الأبواب المغلقة، بعيدًا عن مبدأ تقرير المصير، يمثل التفافًا على الأساس الذي قامت عليه العملية السياسية منذ بدايتها. فالحل لا يكون بفرض تصورات جاهزة على الشعب الصحراوي، ولا بتسويق الأمر الواقع بديلًا عن الشرعية الدولية، وإنما بتمكينه من ممارسة حقه غير القابل للتصرف في اختيار مستقبله.
ويكشف الواقع الميداني التناقض بين الخطاب السياسي المغربي والوقائع في الأراضي المحتلة من الصحراء الغربية، حيث يستمر القمع واعتقال المناضلين والنشطاء الصحراويين. ومن بينهم معتقلو مجموعة أكديم إزيك الذين يخوضون إضرابًا مفتوحًا عن الطعام منذ ما يزيد على 20 يومًا، في قضية تستدعي اهتمامًا دوليًا عاجلًا وضمان احترام حقوقهم.
ويواصل الشعب الصحراوي الدفاع عن قضيته رغم تعقيدات الواقع الإقليمي والدولي، جامعًا بين الصمود والعمل السياسي والدبلوماسي والإيمان بحقه في الحرية والاستقلال. فعلى الرغم من الظروف الصعبة التي فرضها اللجوء وقسوة الطبيعة في مخيمات العزة والكرامة، استطاع الصحراويون بناء مؤسسات وطنية وهياكل اجتماعية ونظام تعليمي والحفاظ على هويتهم الوطنية.
لقد أثبتت التجربة الصحراوية أن مرور الزمن لا يلغي الحقوق، وأن تأجيل الاستفتاء لا يحوّل الحرمان من تقرير المصير إلى وضع قانوني نهائي. فالإرادة الشعبية لا تُمحى بالدعاية، والحقوق التي تستند إلى مبادئ القانون الدولي لا تسقط لمجرد تعثر المسار السياسي. لذلك يجب أن يظل حق الشعب الصحراوي في تقرير المصير والاستقلال أساس أي تسوية سياسية.
فالشعب الصحراوي لا يطالب بأن تمنحه قوة أجنبية الحرية، ولا بأن يقرر الآخرون مستقبله نيابة عنه؛ إنما يطالب بأن تُتاح له الفرصة ليعبّر عن إرادته بنفسه، بحرية كاملة ومن دون إكراه أو ضغوط، من خلال استفتاء عادل ونزيه تشرف عليه الأمم المتحدة وتُحترم نتائجه. ولا يجوز أن يصبح الشعب الصحراوي استثناءً من حق الشعوب في اختيار مستقبلها، أو أن تتحول تعقيدات السياسة الدولية إلى ذريعة لتأجيل حقه إلى أجل غير مسمى.
إن مسؤولية المجتمع الدولي تشمل الحفاظ على الأسس القانونية التي قام عليها المسار الأممي، وتمكين الشعب الصحراوي من ممارسة حقه في تقرير المصير والاستقلال؛ ففرض حل لا يعبّر عن إرادته لا ينهي النزاع، بل قد يعمّق الأزمة.
إن حق الشعب الصحراوي في تقرير المصير لا يسقط بالتقادم، ولا يمكن طمسه بالتزييف أو إلغاؤه بالمناورات السياسية. والحل الحقيقي ليس أن يُختار المستقبل للشعب الصحراوي، وإنما أن يُمكَّن الشعب الصحراوي من اختيار مستقبله بنفسه.
ذلك هو جوهر تقرير المصير، والطريق التي يمكن أن تمنح أي تسوية نهائية شرعيتها الحقيقية: أن تكون كلمة الشعب الصحراوي هي الكلمة الأخيرة في تحديد مصيره، وأن يتحول الاستفتاء الذي طال انتظاره من وعد أممي مؤجل إلى ممارسة فعلية لحق أصيل لا يقبل المساومة أو الإلغاء.