الرأي

نظرية التحزب بين المعارضين والمؤيدين (الجزء الأول)

خير الدين هني
  • 269
  • 0

جاء لفظ الحزب مذكورا في غير ما آية في القرآن الكريم، كقوله تعالى: “كل حزب بما لديهم فرحون”، وقوله: “استحوذ عليهم الشيطان فأنساهم ذكر الله أولئك حزب الشيطان”، وقوله: “ألا إن حزب الله هم المفلحون”، وقوله: “ثم بعثناهم لنعلم أي الحزبين أحصى لما لبثوا أمدا”، وقوله: “وثمود وقوم لوط وأصحاب الأيكة أولئك الأحزاب”.
من هذه النصوص القرآنية الكريمة، نستشفّ أن لفظة “حزب” لم تأت هنا على معنى واحد، وإنما دلت على معان كثيرة، وإن كانت تلتقي في مجموعها على معنى الاجتماع والتكتل، فكل طائفة أو جماعة اجتمعت على هوى واحد، تقاطعت فيه أفكارهم ومبادئهم ومصالحهم وأيديولوجياتهم، تسمى حزبا.
ويدل المفهوم الاصطلاحي، لكلمة الحزب عند فقهاء القانون، على اعتناق مجموعة بشرية لمذهب سياسي، يسعى إلى الوصول إلى السلطة السياسية، لتنفيذ برنامجها “أما مفهوم الحزب في المعنى اللغوي؛ فيطلق على الجماعة والطائفة والفرقة والعصبة والرهط والزمرة”.
ويرى الدكتور إبراهيم عبد العزيز شيحان في كتابه “النظم السياسية والقانون الدستوري، ص 468″ أن الحزب لا يخرج عن كونه تنظيما أو حشدا من الأفراد، يشتركون في المبادئ ويلتقون حول أهداف ومصالح معينة، يسعون إلى تحقيقها عن طريق الوصول إلى السلطة، والمشاركة في مسئوليات الحكم، كل ذلك في الحدود المشروعة والمرسومة قانونا”.
وعند الرجوع إلى النصوص القرآنية الكريمة، لتحليل معنى كلمة الحزب؛ لا نجد لها أصلا يدل على مفهوم الكلمة السياسي، إذ إن المفهوم الاصطلاحي للكلمة، الذي يعني الممارسة السياسية، كأداة للوصول إلى السلطة، غير وارد البتة في القرآن الكريم؛ لأن هذا المفهوم من إنتاج الديمقراطية الحديثة، وهو بضاعة مستورَدة من الغرب كسائر النظريات الوضعية والسلع الاستهلاكية، وهذا ما أدى إلى احتدام الخلاف بين التنظيمات الإحيائية بشتى فرقهم، إذ يرى التيار المتشدِّد منهم أن الكلمة بمفهومها السياسي، هي من توابع الديمقراطية التي تلغي مبدأ الحاكمية لله، وتجعل القاعدة التشريعية في منشئها وأصولها وفروعها، إلى السيادة الشعبية عن طريق التمثيل النيابي.
فضلا عن أن التحزب السياسي، يناقض مبدأ التشريع الإسلامي، الذي يسعى في مقاصده الأولى إلى وحدة الأمة وتماسكها، ويحققه نظام الخلافة بأبعاده السياسية والتشريعية، وهو الأمر الذي يتعين على المسلمين العمل به والحرص على إقامته، حسب ما يذهب إليه أصحاب هذا الرأي. وتقسيم الأمة -حسب هذا الرأي- إلى كيانات سياسية (حزبية) متناحرة؛ يتنافى مع أهداف السياسة الشرعية ومقاصدها الوحدوية، إذ إن نظام الأحزاب لا يزيد الأمة إلا انقساما وتشرذما، وصراعا على المناصب والمصالح والنفوذ؛ مثلما هو واقع في عالمنا العربي والإسلامي اليوم، ضمن الدولة العربية القُطرية، فأضعفت قوتهم ووحدتهم، وضمن ما شوهد في التجربة السياسية، التي مُنحت للمتحزبين من الإسلاميين بممارسة الحكم في بعض الدول العربية، فوقعت بينهم خصومات ومشاحنات ومنازعات، بسبب الاختلاف في برامجهم الحزبية.
وهم يقولون: إذا كان مبدأ الحاكمية لله، قد تقرر في قوله تعالى: “إنِ الحُكْمُ إلاَّ للهِ”، فينتج عن ذلك قاعدة أصولية، تجعل الشريعة الإسلامية المصدر الوحيد للتشريع ضمن دولة الخلافة؛ مما يجعل العمل الحزبي وفق النظرية الديمقراطية، غير صالح كآلية للحكم في النظام الإسلامي؛ مهما كانت الدواعي والمبررات.
وبما أن المعنى الاصطلاحي لكلمة “الحزب”؛ إنما يقصد به التنافس على وضع برامج سياسية متباينة؛ تكون قاعدتها التشريعية القوانين الوضعية، ما يجعل انخراط الجماعات الإسلامية تحت تكتلات حزبية غير جائز شرعا؛ لأنه سيوقع بينهم العداوة والبغضاء والشحناء.
على نحو ما أثبته الواقع في التجارب العربية، حينما تبارى زعماء الأحزاب الإسلامية ومناضلوهم، على تبادل السباب والشتائم، ورمي بعضهم البعض بالكفر والخيانة والعمالة، وتقديم فروض الولاء والطاعة لقوى معادية للإسلام تحارب الإسلام ورموزه، كاللغة العربية والمظاهر الدينية من أجل منافع سياسية فحسب.

إذا كان أهل القرن الأول، من أعلام الصحابة والتابعين؛ قبلوا بهذا التنوع في أساليب الترشيح، وتزكية المرشَّحين للحكم تبعا للضرورة ومقتضيات الأحوال، فإننا نحن اليوم في ظل المتغيرات الدولية والإقليمية ومستحدثات العصر، يصبح من الواجب علينا الأخذ بهذه المرونة، التي أباحها الإسلام في الاختيار والتزكية وبناء شكل الدولة، وطريقة تنظيم إدارتها وهياكلها وأجهزتها واختيار رموزها وشاراتها، وفي الممارسة السياسية التي تظهر في شكل معارضة سياسية.

كما أنهم يقولون: إن التجربة الواقعية، كشفت أن الأحزاب الإسلامية التي قبلت بالعمل السياسي، وفق المنظور الحزبي الديمقراطي العلماني في العالم العربي؛ جعل المنخرطين في هذه الأحزاب، يحترفون الكذب والنفاق والغش والتدليس، لتغليط الناخبين أثناء الحملات الانتخابية، وما إن يصلوا إلى الحكم حتى ينقلبوا على أعقابهم، ويتحللوا من التزاماتهم التي قطعوها على أنفسهم في الحملات الانتخابية، وينخرطوا في لعبة المكاسب والمغانم والامتيازات التي تُمنح لهم، وهو عمل غير متوافق مع أهداف التشريع في النظام الإسلامي، حسب رأيهم.
على حين يرى الفريق الثاني من التيارات الوسطية، ممن قبلوا الانخراط في العمل السياسي وفق النظام الديمقراطي، بأن النظام الإسلامي يتميز بخاصية المرونة في العمل السياسي، وقد دل على ذلك ما شهده التاريخ السياسي للدولة الإسلامية، بعد النبي صلى الله عليه وسلم حيث عرفت عدة أساليب في اختيار الخلفاء، منها تزكية من هو أصلح وأكفأ وأقدم سابقة في الإسلام؛ مثلما فعله عمر مع أبي بكر الصديق – ض- في السقيفة، أو التعيين المباشر، كما فعله أبو بكر مع عمر بن الخطاب حينما حضرته الوفاة، أو ترشيح جماعة لاختيار خليفة يختارونه من بينهم، كالذي فعله عمر-بعد أن طُعن- مع الستة المتبقين من كبار الصحابة المبشرين بالجنة، أو تزكية الجماعة لمرشح واحد كما فعله أهل الحل والعقد من الصحابة مع علي بن أبي طالب، بعد اغتيل عثمان.
ثم تحولت الخلافة إلى مُلك وراثي في عهد معاوية بن أبي سفيان، الذي أسَّس الدولة الأموية بالقوة والإكراه والإغراء، ولم يعترض على ذلك من بقي من الصَّحابة والتابعين والعلماء وأهل الاجتهاد، ومعاوية نفسه من الصحابة، كان من كتبة الوحي في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا إذا استثنينا معارضة الحسين بن علي، وعبد الله بن الزبير ابن العوام على تولية يزيد بن أبي سفيان الخلافة لعدم كفايته الدينية والأخلاقية.
وإذا كان أهل القرن الأول، من أعلام الصحابة والتابعين؛ قبلوا بهذا التنوع في أساليب الترشيح، وتزكية المرشَّحين للحكم تبعا للضرورة ومقتضيات الأحوال، فإننا نحن اليوم في ظل المتغيرات الدولية والإقليمية ومستحدثات العصر، يصبح من الواجب علينا الأخذ بهذه المرونة، التي أباحها الإسلام في الاختيار والتزكية وبناء شكل الدولة، وطريقة تنظيم إدارتها وهياكلها وأجهزتها واختيار رموزها وشاراتها، وفي الممارسة السياسية التي تظهر في شكل معارضة سياسية.
والاختلاف في طريقة الاختيار والتزكية، وتسيير أمور الحكم في أجهزة إدارية وحكومية، وتعيين رجال الدولة أمرٌ داخلٌ في الطبيعة البشرية، وقد وُجد هذا الخلاف في عصر النبوة ذاته، إذ كان الصحابة يعترضون على بعض من يوليهم الرسول الإمارة والقيادة؛ مثلما حدث مع أسامة بن زيد، حين أمّره على كبار الصحابة، من المهاجرين والأنصار في غزوة إلى الشام، قبيل وفاته عليه الصلاة والسلام.
وكان جيش أسامة يرابط على مشارف المدينة، بمكان يسمى الجرف ورسول الله يُحتضر؛ فلما توفي أنفذ خليفته أبو بكر الصديق وصية النبي صلى الله عليه وسلم رغم تجدُّد اعتراض العديد من الصحابة عليه.
وكان منهج أبي ذر الغفاري في الحكم، في عهد عثمان بن عفان، يمثل أعلى صور المعارضة السياسية، إذ كان يعترض على سياسته المالية، بإيداع فوائض المال العامّ في بيت المال (الخزينة العمومية)، من غير إنفاقه على الفقراء والمحتاجين، فاعتبر ذلك منافيا لمقاصد الشريعة في الإنفاق، وكان يدعو إلى الإنفاق وعدم التخزين والاكتناز؛ لأن اكتناز المال، حسب ما فهمه من ظاهر القرآن الكريم، يتعارض مع المقاصد العليا في التشريع السياسي، ولم يدرك بسبب عدم التجربة، أن الدولة تحتاج إلى احتياط من الأموال، لإنفاقها عند الحاجة في الحروب، أو في الأزمات المالية والاقتصادية والاجتماعية.
وتواصلت المعارضة فيما بعد، عبر فترات من التاريخ الإسلامي الطويل في أشكال مختلفة؛ كمعارضة الحسين بن علي وعبد الله بن الزبير بن العوام، على طريقة استخلاف يزيد بن معاوية بن أبي سفيان على العهد له بالخلافة، وقد أدّت هذه المعارضة إلى فتن استعرت نارها في نشوب معارك طاحنة، بينهما وبين خلفاء بني أمية الذين حوّلوا الخلافة من نظام شوري إلى نظام وراثي، ثم معارضة الشيعة والخوارج وبقية الفرق التي دامت قرونا طويلة.
ورأيي في هذه المسألة الخلافية، أن مرونة التشريع السياسي الإسلامي -في تقديري- يمنح التيارات الإحيائية الحركية، هامشا كبيرا للتكيف مع ظروف العولمة السياسية، وانزواء الحدود الجغرافية وتشابك العلاقات الدولية والاقتصادية، وتأثيراتها على العالم كله، بما يتماشى مع حاجات الأمة الإسلامية في بناء دولة قوية، وذات نفوذ تساير التطورات السياسية والتنظيمية، بالقدر الذي يجعلها تساعدهم على بناء علاقات دولية متكافئة، ومتوازنة في إطار السيادة وأهداف التشريع.
وينبغي أن لا تنكفئ هذه التيارات على نفسها في دوائر مغلقة، تعيش على هامش من الحياة متّبعة سياسة الكرسي الشاغر؛ فاسحة المجال لغيرها من التنظيمات، تصول وتجول وتمرح وحدها في الساحة السياسية، وتقرر سياسة الأمة بما يروق لها، من غير اعتراض من جهات مؤهَّلة، علميا وفنيا وتقنيا وثقافيا وسياسيا.
الواجب الشرعي والأخلاقي والوطني، يوجب عليهم الانخراط في العمل السياسي، بأدوات العصر المباحة وآلياته المتاحة، والنظام الحزبي بمفهومه السياسي هو أهمّ هذه الأدوات، إذ إن الوصول إلى الحكم من أجل امتلاك أدوات الدولة؛ لتنفيذ البرامج والمخططات والمشاريع الهامة لا يتاح بغير هذه الوسيلة، استجابة لقوله تعالى: “فَمَنْ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ ولاَ عَادٍ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ” (البقرة:173).

مقالات ذات صلة