الرأي

 نعمة الأمن ونقمة الظلم.. الدرس الأوكراني

محمد سليم قلالة
  • 1598
  • 0

عندما نُتابع مآسي الحرب الجارية اليوم في أوكرانيا، ونرى كيف أصبح ملايين الأفراد بلا مأوى مشردين في هذه الدولة أو تلك، ومنهم مَن فَقَد أحبَّاءَه تحت الأنقاض أو على جبهة القتال، تبدو لنا جليا مآسي الحروب، ونعرف كم هو خطير اتخاذ قرار إعلان الحرب، وتتجلى لنا بصورة أوضح كم هي نعمة الأمن التي كثيرا ما ننساها في غمرة البحث عن متطلبات الحياة.

بالفعل إن الأمن أهنأ عيش والعدل أقوى جيش كما قال أحد الحكماء. أي أن الأَولِّين لم يتركوا لنا شيئا نُضيفه لفهم طبيعة الحياة وأبعادها وعمقها.

ولو طَّبقنا هذا الميزان على أي من الصراعات لتجنبنا الكثير من المآسي والمحن. لو كانت القرارات التي اتخذها الغرب متوازنة أي عادلة وأخذت مصالح روسيا بعين الاعتبار لما احتاجت هذه الأخيرة لاستخدام قواتها العسكرية ضد جارتها إن لم نقل شقيقتها أوكرانيا. لو لم تسعَ الولايات المتحدة إلى جعل كفة ميزان الصراع تميل إلى صالحها باستمالة أوكرانيا للحلف الأطلسي لما أدى ذلك إلى نشوب هذه الحرب الطاحنة. أي أن غياب العدل كان مؤذنا بخراب العمار كما قال ابن خلدون… وها هو العمران يصاب بالخراب اليوم في أوكرانيا ومن حولها، وكذلك في فلسطين واليمن وليبيا وأفغانستان وفي أكثر من بقعة من بقاع العالم قبل أوكرانيا. كل ذلك نتيجة غياب العدل ورجحان كفة الظلم. فالحرب لم تكن لتنشب لو ساد العدل، والأمن لم يكن ليزول لو لم تنشب الحرب.

وفي هذا درسٌ كبير لنا، ينبغي الاستفادة منه اليوم وغدا. إننا نعيش اليوم نعمة الأمن بكل ما في الكلمة من معنى، وعلينا اعتباره أهنأ عيش بغضِّ النظر عن الصعوبات التي نعرف والنقائص التي نعيش، فقط هو العدل الذي ينبغي أن نحرص عليه لكي لا نحتاج ولا نضطر إلى إبراز أشكال القوة الأخرى التي نملك ومن بينها الحرب.

بكل تأكيد، هناك مَن لا يعجبه أن نوازن بين الأمن وامتلاك أسباب الدفاع عن أنفسنا من كل اعتداء، وهناك من يسعى إلى تغيير هذه المعادلة المتوازنة بأخرى أكثر اضطرابا حتى يعم الظلم وينتفي العدل ويسود الصراع وينكمش التعاون.. نعم، هناك من يسعى إلى أن تأخذ بلادنا هذه الوجهة مستثمرا في المشكلات المختلفة التي نعيش وفي النقائص التي نعرف في كافة القطاعات، إلا أن وعينا ينبغي أن يتجه باستمرار نحو المستقبل ونحو رؤية ما يحدث للآخرين وإن كانوا بعيدين عنا.

إننا بقدر ما نُدِّد بالظلم الممارس في حق الدول والشعوب من قبل القوى الغربية وعلى رأسها  الولايات المتحدة، ينبغي أن نستنكر أيضا ما ينتج عن قرارات الحرب. إنها المآسي الإنسانية حقا سواء أكانت في اليمن أو أوكرانيا أو غيرها. ينبغي ألا نُجزِّئ الصورة أو نَنظر إليها من زاويتين مختلفتين كما يفعل الغربيون في ثنائية مقيتة لا يأخذ بها إلا الظلمة مِمَّن لا يعتبرون الحرب على الفلسطينيين أو اليمنيين أو العراقيين أو السوريين أو غيرهم حربا، ولا يسعون إلى البحث عن حلول تعيد إلى هذه الشعوب الأمن كما يفعلوا اليوم مع الأوكرانيين، ولا يرفعوا شعار العدل للجميع وليس فقط لبني جلدتهم.

إن منطقنا هو الأسلم في كل الحالات، لا نُحبِّذ الحرب للجميع ولا نرضى الظلم للجميع، بل ونعتبر أن مشكلة الحرب هي مشكلة منطلقها ثنائية الرؤية الغربية وأساسها الظلم المسلط على الشعوب المقهورة ومحاولة فرض النموذج الواحد على العالم باسم نشر الحرية والديمقراطية، ولو كان في ذلك ظلم ما بعده ظلم… بل وتقويض كلي لميزان العدل.

مقالات ذات صلة