-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

نفحات الإسراء والمعراج في زمن التيه!

سلطان بركاني
  • 468
  • 0
نفحات الإسراء والمعراج في زمن التيه!

يعيش العالم الإسلامي في هذه الأيام الأخيرة من شهر رجب نفحات الذكرى الخمسين بعد الأربعمائة والألف لحدث من أهمّ أحداث السيرة النبويّة العطرة… معجزة الإسراء والمعراج الخالدة، التي أكرم الله -جلّ وعلا- بها خاتم النبيين، وعلّم بها صفوة خلقه وأمّته معه دروسا تكتب بتبر الذّهب وماء العيون… والأمّة المسلمة، خاصّة في هذا الزّمان الذي تعيش فيه سنوات عصيبة ذلّت فيها وهانت أيما هوان؛ في أمسّ الحاجة لأن تستلهم دروس الإسراء والمعراج لتقف على أسباب الخروج من الذلّ والهوان إلى العزّة والرّفعة والتّمكين.
إنّنا في أمسّ الحاجة لأن نقف مع “الإسراء والمعراج” بقلوبنا وأرواحنا ونحن نرقب واقع الأمّة في هذه الأيام التي استعلى فيها الكفر وقال بعض الكافرين بلسان حالهم قولة فرعون بلسان مقاله: “أنا ربّكم الأعلى”، وباع فيها كثير من المسلمين دينهم وأمّتهم بعرض من الدّنيا ومدّوا بحبال الودّ للكافرين خوفا وطمعا!
هذه الأيام التي عربدت فيها أمريكا وعلت في الأرض علوا كبيرا، وقال رئيسها بكلّ جرأة وتحدّ: ((من أشدّ منّا قوة))، وراح يعلن في كلّ مرّة عن اسم الدولة التي يفكّر في احتلالها! كلّ هذا والمسلمون الذين ائتمنهم الله على الأرض وعلى رسالة السّماء خائفون خانعون يتوجّسون خيفة أن تشير إليهم أصبع “ترامب” بالتهديد! ما استطاعوا حتّى أن يدفعوا الظّلم عن إخوانهم في الأرض المباركة، بل قد فعلوا بإخوانهم في فلسطين ما فعلته قريش بالنبيّ –صلّى الله عليه وآله وسلّم- وصحبه حينما حاصرتهم ومنعت عنهم المؤونة والطّعام… وليت بعض المسلمين اكتفوا بالمساهمة في حصار إخوانهم وقلوبهم كارهة، لكنّهم مع ذلك انشغلوا عن إخوانهم بالغناء والطّرب واللّهو واللّعب! الاحتلال الصهيونيّ ينقض كلّ عهوده ويعربد في سماء غزّة وأرضها وأطفال غزّة يبكون جوعا ويموتون بردا، والأمّة منشغلة بمهرجانات الرقص وبمهاترات كأس أفريقيا وخصوماتها ونقاشاتها التافهة! بدل أن يقاطع المسلمون أعداءهم الذين يقتلون إخوانهم ويدنّسون أقصاهم، إذْ بهم يعادي بعضهم بعضا لأجل كرة ولأجل هدف ولأجل حَكم!
معلوم في السيرة النبويّة أنّ رحلة الإسراء والمعراج كان الغرض الأساس منها تسلية النبيّ –صلّى الله عليه وسلّم- والمؤمنين معه، بعد الذي كابدوه في السّنوات التي سبقت المعجزة الخالدة، بدءًا من حصار المسلمين في شعب أبي طالب 3 سنوات، وليس انتهاءً بوفاة أبي طالب وأم المؤمنين خديجة ورفض أهل الطائف مؤازرة الدعوة وأذيتهم للنبيّ –عليه الصلاة والسّلام-… وكأنّ الرحلة المباركة -في ذلك الوقت بالذات- تُربت على قلوب المؤمنين بأنّهم إن حرموا مدد الأرض فإنّ مدد السّماء آت ولن ينقطع، وإن كذّبهم وآذاهم شرار الخلق في الأرض، فإنّ خيار الخلق في السماوات من ملائكة ونبيين يدعون الله لهم… وهكذا لمّا أغلقت أبواب الأرض ودروبها في وجه النبيّ –صلى الـله عليه وسلم- وكذّبه أهلها إلا من رحم الله، أراد الله -جلّ وعلا- أن يعلي قدر النبيّ الخاتم ويواسيه ويؤنسه؛ فأسرى به من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، وهناك في المسجد الأقصى جمع له النبيّين والمرسلين، فصلّى بهم إماما. كذّبته قريش فواساه الله بخيرة خلقه أنبيائه ورسله. وأغلقت دونه أبواب الأرض ففتح الله له أبواب السّماوات السّبع ورفعه إلى أعلى ملكوته، إلى مقام لم يبلغه أحد من خلق الله قبله ولا بعده… وهذه سنّة الله في إكرام أوليائه وإعزاز عباده الصّالحين، يتنكّر لهم أهل الأرض بالإعراض والأذى والأكاذيب والفرى، فيفتح الله لهم الفتوح في ملكوته العلى؛ ملائكة تستغفر وتدعو، وأبواب من الجنّة تفتح، ورضوان من الله أكبر… نحن في هذه الأيام نرى ما يحلّ بصفوة أمّتنا في غزّة من قتل وتشريد وما ينزل بهم من عواصف وأمطار وبرد، فنعجب لذلك ونقول بلسان الحال والمقال: كيف يحصل معهم كلّ هذا وهم صفوة الأمّة في هذا الزّمان؟ ولا ندري كم من الحفاوة والعطايا تكتب لهم في السّماوات. وربّما كثير منهم يقولون عندما ترتقي أرواحهم: “يا ليت أمّتنا تعلم بما غفر لنا ربّنا وجعلنا من المكرمين”!
كانت رحلة الإسراء من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، في رسالة واضحة وخالدة، مفادها أنّ الأمّة سيمكّن لها وتظلّ مهيبة الجانب ما دامت مكانة المسجدين محفوظة، وما دام الرباط بينهما وثيقا ومتينا… وإذا كان المسجد الحرام يرمز إلى قبلة الأمّة وعبوديتها لله، فإنّ المسجد الأقصى يرمز إلى هويتها ووجهتها وإلى عزّها وعاقبة أمرها… وعلى ذلك فلا يصحّ أن تهتمّ الأمّة بقبلة الصّلاة وتعمر المسجد الحرام وتنسى قبلة التّمكين وتتنكّر للمسجد الأقصى فتتركه نهبا للصهاينة! وإذا كان هذا المسجد الأقصى هو قبلة المسلمين الأولى، فإنّه سيكون مهوى أفئدتها في آخر الزّمان وهي ترنو لاستعادة أمجادها، وتتابع خطى الطائفة المنصورة التي تظلّ صامدة حتى ينزل مجد الأمّة الأخير في الأرض المباركة.
كان من الممكن أن تكون رحلة المعراج إلى السماوات العلا من المسجد الحرام إلى سدرة المنتهى، ولكنّ العليّ الأعلى قضى بحكمته أن تكون من المسجد الأقصى إلى ملكوت لم يبلغه من قبل ملك مقرّب ولا نبيّ مرسل… ولعلّ في هذا إشارة إلى أنّ رسالة النبيّ محمّد –صلّى الله عليه وسلّم- متمّمة لرسالات الأنبياء قبله، وأنّ الإسلام هو السّند المتّصل الذي درج عليه كلّ الأنبياء، وأنّ أفضلية الرسالة الخاتمة لا تعني أنّ حملتها سيتنكّرون لرسالات الأنبياء السابقين، إنّما تعني أنّ دورهم هو أن ينفوا عنها ما ألصقه بها المحرّفون والمبدّلون؛ فالمسلمون أولى بموسى –عليه السّلام- من اليهود، وبعيسى –عليه السّلام- من النّصارى. وعلى ذلك، فلو كان لأتباع موسى حقّ في الأرض المباركة فهو حقّهم حينما كانوا مسلمين كما كان كليم الله حنيفا مسلما، أمَا وقد خالفوا النبيّ المسلم، فالأرض المقدّسة حقّ للمسلمين أتباع محمّد وإبراهيم وموسى وعيسى. ((قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِين)).

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!