الجزائر
الويل للمصطافين في طريق سطيف وبجاية

نفق خراطة نقطة سوداء.. ولا حل في الأفق

سمير مخربش
  • 5464
  • 3
ح.م

دخلت السياحة فترتها المركزة عند الذين اختاروا ولايتي بجاية وجيجل لكن كالعادة لن يجدوا بساطا أحمر مفروشا عبر الطريق الرابط سطيف وبجاية بل عليهم أن يستعدوا للعذاب مع الازدحام المروري وظلمة نفق الموت بخراطة الذي يعني بداية فيلم رعب يحبس الأنفاس.

ذروة السياحة في هذه المنطقة بدأت تتشكل بعد انتهاء منافسة كأس إفريقيا والإعلان عن نتائج البكالوريا، وهما العاملان اللذان عطلا العائلات عن الاستجمام والتنقل إلى البحر. هنا الطريق الوطني رقم 9 ذاك المسلك الذي لا يزال قطعة من العذاب تربط بين ولايتي سطيف وبجاية لا شيء تغير ولا جديد يذكر، فعند المخرج الشمالي لبلدية سطيف وبالضبط بحي فرماتو يبدأ الازدحام واختلاط الشاحنات بالسيارات السياحية وهنا الفوضى تزداد مع باعة الخضر المنتشرين على حافة الطريق والذين أصبحوا يشكلون خطرا على المارة وأصحاب المركبات، لأن التوقف لشراء البطاطا يعني ركن المركبة بطريقة مفاجئة مع اختيار المواقع بطريق عشوائية وخلق جو من الازدحام الذي يعني حادث مرور مرتقبا في أي لحظة.

بين عموشة وتيزي نبشار المشهد مشابه ورغم تزايد الحركة لم يفكروا في إنجاز طرق اجتنابي وفضل المسؤولون حشر الناس في ممر واحد يقطع وسط المدينة بكلتا البلديتين، وبما أن الطريق باتجاه واحد فالنتيجة معروفة.

وأما المعبر الأسوأ والأخطر في الجزائر والمعذب لأصحاب السيارات فيكون عند مدخل ولاية بجاية التي ضرب عليها الحصار فلم تعرف من التنمية إلا الفتات، وعند الخروج من ولاية سطيف ودخول ولاية بجاية تحس بأنك نزلت درجة أودرجتين ومعنوياتك تتراجع تلقائيا، فعند تيزي نبشار الطريق مزدوج ينتهي عند حدود الولايتين وبعدها يحل الويل بكل معانيه فيبدأ المسلك الموحد قبل الوصول إلى بلدية خراطة المدينة التي تحمل اسمها والذي أصابت به الزوار كذلك، فرغم وجود طريق اجتنابي والجسر الكبير إلا أن الازدحام ينطلق مبكرا لتزداد الأوضاع سوءا عند دخول النفق الذي لا يزال كما هو مظلما إذا دخلته تتذكر أهوال يوم القيامة فتبقى تترقب البعث من تحت الأرض وتعتبر مثلما اعتدت على العبرة في المقابر، وتعلم أن الجبال في الجزائر ما خلقت كي تخترق لأن خرقها كارثة لزمت عدة جبال كجبل الوحش بقسنطينة الذي قطع الطريق السيار وانهار فوق رؤوس الناس، بينما جبل خراطة لم ينهر لكن وضعيته لا تفرق كثيرا عن الانهيار.

النفق أنجز سنة 1988، وهذه المنشأة أنجزت لتسمح يومها بمرور 10 آلاف مركبة يوميا كأقصى حد لكن اليوم العدد فاق 70 ألفا أو يزيد، ولذلك النفق لم يعد صالحا نظرا لتدهور وضعيته فأصبح يخنق الناس بين دفتين فلا تسأل عن المفر وقد تنجو بجلدك لكن لا ضامن لأعصابك، فمن فوقك ظلام ومن تحتك ظلام ونفس الحال عن يمينك وشمالك وحتى أضواء المركبات لا تفي بالغرض وكأنك في لعبة فيديو لسباق السيارات في الليل فلا ترى إلا بعض النقاط من الأضواء المتقطعة. والمنشأة معادية للبيئة لأن بها كتلة كبيرة من التلوث الناتجة عن دخان المركبات الذي اختنق هو الآخر داخل هذا النفق الفريد من نوعه والذي لم يعد يصلح إلا لتمثيل أفلام الرعب والأكشن خاصة مع انعدام الإنارة وزيادة الضغط والرطوبة وضعف التهوية.

والمثير للأعصاب أن القائمين على البلدية لم يكلفوا أنفسهم ولو بأشغال صيانة للنفق فلم يصلحوا الإنارة ولا أجهزة التهوية ولا قاموا بتنظيف سقف الغار وجدرانه التي اسودت من شدة التلوث فلا يمكنك أن تفرق بين حدي الطريق ولا تعرف حقوقك من حقوق الآخرين، وبما أن الرؤية أمامك لا تزيد عن مترين فاستعد للمفاجأة في أي لحظة. والويل كل الويل إذا وقع حادث مرور داخل النفق فذاك يعني أن اللعنة قد حلت بك ويومك ضاع ولن يبقى لك أمل في العيش وسترى الموت وظلمة القبر في كل زاوية وهو المشهد الذي تكرر أكثر من مرة وكاد الناس أن يدفنوا وهم أحياء.

والجديد هذا العام مع نفق خراطة أن رجال الدرك نصبوا كمينا لأصحاب المركبات، فكل من يقوم بعملية تجاوز داخل النفق يرصده دركي فوق الدراجة النارية مختف في الظلام فيلحق مباشرة بصاحب المخالفة وعادة لا يكون لوحده وعند الخروج من النفق يكون الحساب وأبسط شيء يفقد المعني رخصة السياقة، فأنت الذي حاولت الهروب من الاختناق والمغامرة بالسير في الجهة اليسرى وسط الظلام بعدما فقدت أعصابك ستختمها بفقدان رخصة السياقة ولم يعد لعطلتك أي طعم والكآبة ستحاصرك من كل جهة مثلما حاصرك النفق وقد تضطر إلى إلغاء الرحلة والندم على اليوم الذي راودتك فيه فكرة الاستجمام في هذه الجهة وستزداد قناعة بأن السياحة ليست في هذا البلد، وإذا انتهت متاعب النفق عليك أن تستعد للجزء الثاني مع مسلسل الشواطئ القذرة والفضلات التي تزاحم المصطافين وتلك حكاية أخرى.

مقالات ذات صلة