-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

نكاز وأحزاب العُكاز!

الشروق أونلاين
  • 1126
  • 0
نكاز وأحزاب العُكاز!

تمكّن مؤخرا المناضل السياسي، رشيد نكاز، من سرقة الأضواء الشعبية والإعلاميّة، فارضًا نفسه في الشارع، كظاهرة متفرّدة، فهو يصنع الحدث هذه الأيّام باحتضان الجماهير الشبابيّة والتفافها حوله أينما حطّ الرحال، حتّى شكّل عقدة واضحة لدى أحزاب عريقة، وبدل أن تستفيد من زخمه الاجتماعي الذي حرّك المياه الراكدة، راحت تسْخرُ من الرجل منتقصةً من حضوره الفعلي.
وإذا كان الجميع يتّفق، موالاة ومعارضة ومراقبين، على أنّ الشارع الجزائري قد تحرّك الجمعة الأخير في اتجاه المطالبة بالتغيير، فلا أحد ينكر أنّ الشرارة أوقدها نكّاز من مدينة خنشلة، ليكسر حاجز التردّد لدى الشباب، قبل أن تركب أحزابٌ سياسية موجة الاحتجاج.
يحدث ذلك، برغم أنّ رشيد نكّاز لن يتمكّن، حسب دستوريّين، من المرور بسلام نحو محطّة 18 أفريل، لموانع قانونيّة محسومة ليس مجال تفصيلها الآن.
ومن ثمة، فإنّ ما يهمّنا هو تفسير بروز ظاهرة نكّاز، ومنْ هم على شاكلته من الرموز الجديدة، وإلى أيّ مدى يمكن أن تسهم في تأطير الشارع، بل الدفع بمشروع الانتقال الديمقراطي الذي تتطلع الجزائر نحوه؟
يجب الاعتراف أوّلاً بأنّ نكّاز يتمدّد في مساحات الفراغ التي أفرزتها حالة التصحّر السياسي لبلادنا، منذ توقيف المسار الانتخابي مطلع 1992، لكن ذلك لا يكفي لتبرير القبول الشعبي الذي يحظى به، بل هو نتيجة منطقيّة لاستماتة الرجل في النضال منذ 2014، عندما خرج عن المألوف، مُصرّا على تبليغ رسالته بطريقة رمزيّة، فيها الكثير من الصبر والتحدّي والمثابرة، بل التضحية الكبيرة، ومثل هذا السلوك الميداني، هو في الأصل نهج الأحزاب السياسية المهيكلة، المنتشرة تنظيميّا واجتماعيّا في التمكين لمشروعها الإصلاحي.
وحينما آثرت تلك التشكيلات السياسيّة، على اختلاف مواقعها ومواقفها، مصالحها الخاصّة، وغرقت في مشاكلها الداخليّة، أو تآكلت تدريجيّا بفعل انسداد الآفاق نحو التغيير والتداول السلمي على الحكم، مثلما فشلت السلطة في تلبية طموحات المواطنين، كان من الطبيعي أن تفقد ثقتهم في قدرتها على الاستجابة لتطلعاتهم، ليبرز أمثال رشيد نكّاز، كمتنفّس يعبّر عن الذات الاجتماعية المكبوتة، لاسيما إذا أخذنا بعين الاعتبار أنموذج النجاح الفردي لهذا الشخص من وراء البحار، بصفته مغتربًا في فرنسا، ما جعله رمزًا للخلاص المنشود.
لكن تفوّق نكّاز على الأحزاب والسلطة في تجنيد الشارع، دون أن نغفل عن توفّر محفّزات الاحتجاج الكثيرة، فإنّ طريقة الرجل الشعبويّة والاستعراضيّة، على أهميتها وعفويتها وبساطتها المعبّرة عن التلاحم مع مختلف الفئات الاجتماعيّة، لن تكون أبدا بديلاً عن العمل الحزبي والمدني المنظّم، فهو الأسْلم والأدْوم في تأطير المجتمع، سواء لضبط الشارع وحمايته من الانزلاق نحو الفوضى أم لضمان فعاليّة نتائج الحراك المجتمعي.
وعليه، فإنّ نكّاز إذا لم يتحوّل إلى مشروع سياسي متكامل، برؤية واقعيّة للتغيير قابلة للتجسيد، من خلال عمل تنظيمي وبرنامج في الميدان، فإنه لا محالة سيكون مجرّد ظاهرة عابرة لن تستقرّ طويلاً، إذ تزول سريعًا بزوال أسبابها مع بداية الانفتاح الحقيقي.
كما أنّ على الأحزاب السياسيّة القائمة، معارضة وموالاة، أن تستفيد من دروس الشارع التي تجلّت في تحرّكات نكّاز منذ أربع سنوات، والبناء عليها في مرافقة التطلعات الشعبيّة، عوض أن تجعل من الرجل هدفا لها بدافع الغيرة النضاليّة أو الاحتماء الذاتي بمهاجمة الآخرين.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!