ننسى بسرعة!
بضعة أيام، كانت كافية لتنسينا خيبة الإخفاق في الحصول على تنظيم نهائيات كأس أمم إفريقيا 2017، مثلما نسينا قبلها حادثة مقتل إيبوسي، وواقعة مدرجات ملعب 5 جويلية التي أودت بحياة مناصرين اثنين، ونسينا الإخفاق التاريخي لمنتخب كرة اليد في بطولة العالم الأخيرة، وفي إخفاقات أخرى في محطات رياضية أخرى مختلفة.
الأمر يتعلق كذلك بنسيان فضائح نهب ورشوة وإخفاقات سياسية ودبلوماسية واقتصادية، وجرائم قتل واختطاف واغتصاب وانتحار شهدتها الجزائر وتعرف انتشاراً واسعا في أوساط المجتمع الذي صار يتقبلها ويتعايش معها، في وقت تكتفي الدولة بالإدانة والتضامن وتشكيل لجان تحقيق لا تصل إلى أي نتيجة!
قد يقول بعضهم إن الكوارث والمصائب تحدث في كل المجتمعات، ولكن الكل يعلم بأن حكومات تلك البلدان تعاملت معها بوعي وصرامة، واستخلصت منها الدروس والعبر وصححت ما يجب تصحيحه، وعدالتها تحركت وقامت بدورها بمتابعة ومعاقبة الفاعلين، ولكن عدالتنا وباقي مؤسسات الجمهورية بقيت تتفرج على كل المهازل التي حدثت، وشعبنا أنهكته الهموم وفقد ثقته في الجميع، ونسي بدوره الأرواح التي أزهقت والأموال التي سرقت والإخفاقات التي سجلت في كل المجالات، وطغت عليه الأنانية ولم يعد يفكر سوى في مصالحه الضيقة وقضاء حاجياته اليومية!
المجتمع الجزائري لم يعد يشبه المجتمعات الأخرى التي تؤثر وتتأثر وتصنع مصيرها بنفسها، الأفراد والجماعات والجمعيات والمنظمات أصاب بعضها الخمول، وسكن بعضها الآخر هاجس الخوف، في حين تُخيّم اللامبالاة على كثير من أبناء هذا الشعب إلى درجة تثير الدهشة والحيرة!
دروس كثيرة كان يمكن استخلاصها وفضائح كبيرة كان يمكن تجنبها أو التخفيف من حدتها؛ لكننا نسينا أخطاءنا وهفواتنا فصرنا نكررها كل مرة عن وعي أو عن غير وعي، غير قادرين على تجنبها على الرغم من إمكانية ذلك، بل ولا نقدر حتى على مجرد التنديد بها!
السلطة بدورها صارت تنسى أخطاءها وإخفاقاتها بسرعة، أو تتعمد نسيانها لأنها لا ترغب ولا تقدر على الوقوف عندها لتصحيحها والاستفادة منها أو معاقبة أصحابها، لكن السلطة نفسها لا تنسى ممارسة التحايل على الشعب والإقصاء والتضييق على كل من يختلف معها وكل من تشم فيه رائحة الرجولة والغيرة على الوطن!
وسائل الإعلام العالمية تقوم بدورها عندما تخفق حكوماتها وعندما تنتهك الحرمات ويختطف الأطفال، وتفضح المرتشين والمجرمين، لكن بعض إعلامنا يتستر عليهم، ويتواطأ معهم أحياناً، وينسى أو يتناسى بدوره كل الفضائح التي شهدتها مختلف القطاعات، ولا يقوم بدوره في الإعلام والتوعية للقراء والمشاهدين، ولا يمارس دوره في الرقابة والتحقيق والمتابعة لمختلف الأخطاء والممارسات التي تتكرر كل مرة!
ربما المشكلة ليست في النسيان بل في كثرة الفضائح والذكريات والمحطات السلبية، ولكن الأكيد أن النسيان صار مرضًا مزمنًا ومعديًا يعاني منه الجزائريون بكل أطيافهم وتوجهاتهم، وسينسون قريبًا الفضيحة الجديدة لصفقة طائرات الهليكوبتر مع الشركة الإيطالية، وما تسرب عن فضيحة سونلغاز مع الشركة الأمريكية “جنرال إلكتريك”، مثلما نسوا فضائح أموال الدعم الفلاحي وسوناطراك والطريق السيار والميترو، وكل القضايا التي أساءت للجزائر شعبًا وحكومةً، وصرنا نتعايش معها وكأنها مصير محتوم!