الرأي

نهاية العام الميلاديّ… وحديث عن التشبّه والتقليد! (2)

سلطان بركاني
  • 331
  • 0

ينظر اليهود والنصارى إلى “الدّين” على أنّه زواجر وأغلال تقيّد الحرية وتمنع من تلبية شهوات النفس! لذلك زهدوا فيه ولم يعطوه إلا فضول الأوقات… وهكذا أصبحت حال كثير منّا -نحن المسلمين- حين أصبحنا نتعامل مع الدّين كأنّه مطلب زائد في حياتنا، لا نحمل همّه: انتصر أم تراجع، حُكّم وطبّق أم عطّل وجمّد! ولا نعطيه إلا ما فضل من أوقات دنيانا، ولا نكاد نخدمه بشيء من جهودنا وأموالنا!

لا نهتمّ بتعلّم شرائع ديننا ومعرفة أحكامه، ولا نتحمّس كثيرا لإحياء شعائره، ونستثقل سماع الخطب والدّروس ونتجنب متابعة مقاطع الوعظ والتعليم، ونتهرّب من تعلّم حدود الدين متذرّعين بكثرة الخلاف وتعدد المذاهب! والحق أننا نتهرّب من تعلمها لأنها تحول بيننا وبين متعة أنفسنا بالشهوات…. أنسانا الشّيطان وأنستنا الدّنيا والأنفس الأمّارة بالسّوء أنّ حمل همّ الدّين وتعلّم أحكامه وخدمته، شرف ورفعة للعبد، وأنّ حدود الله إنّما شرعت لنبقى بشرا ولا ننحدر إلى درك الأنعام، ولأجل ألا تعمينا غشاوة الشهوات عن الدار الباقية، ولا تحجبنا عن خدمة ديننا!

مشكلةٌ عويصة أنّ كثيرا منّا يخسرون معركتهم مع أنفسهم في الحدّ الأدنى من التديّن، في المحافظة على الصلوات الخمس في أوقاتها، وختم القرآن كلّ شهر، وإخراج الزّكاة في وقتها، وصوم رمضان عن المحرّمات قبل صومه عن الطيّبات، والحرص على لقمة الحلال والحذر من لقمة الحرام، وبرّ الوالدين وصلة الأرحام وإحسان الجوار وترك الظّلم، وغضّ البصر وكفّ اللّسان وتحصين الفرج… هذا الحدّ الأدنى عجزنا عنه، كيف بفريضة نصرة الله ورسوله ونصرة الدّين ونصرة الحقّ؟ كيف بفريضة العمل لدين الله، وفريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟ كيف بفريضة الوقوف في وجه الظّلم والفساد وتحمّل كلّ أذى في سبيل ذلك؟ الله -تبارك تعالى- أمرنا بالصلاة والصيام والزكاة والحجّ، لكن ليس هذا هو فقط الدّين! الدّين معركة حامية الوطيس يخوضها العبد لأجل دينه تستغرق عمره وتحرمه النّوم في كثير من الأحيان وتجعله يزهد في كثير من الكماليات والشهوات… المؤسف أنّ كثيرا منّا قد ولّوا عن هذه المعركة الأدبار، لحساب تديّن هامشيّ انتقائيّ!

اليهود والنصارى خذلوا دينهم، وقالوا ما لله لله وما لقيصر لقيصر، وتولّوا عن أنبيائهم فلم ينصروهم؛ فاليهود خذلوا موسى –عليه السلام- فقالوا: ((فاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ))، وخذلوا كثيرا من الأنبياء بعده، بل حاربوهم وقتلوا بعضهم… والنصارى تركوا نبيّ الله عيسى -عليه السّلام- ليقتل، ولولا أنّ الله نجّاه ورفعه إليه لكان مصيره الصلب حتى الموت… هكذا فعل اليهود والنصارى بأنبيائهم، وهو ما يفعله كثير من المسلمين الآن مع العلماء الربانيين والمصلحين الصابرين، قالوا لهم: واجهوا وحدكم الواقع، فنحن مشغولون بدنيانا، وقفوا وحدكم في وجه الفساد، فنحن لا نريد أن تمسّ دنيانا أو ينقص شيء من حظوظنا منها!

اليهود والنصارى تحايلوا على دينهم وشرائعهم واستباحوا كثيرا من المحرّمات، وكذلك فعل كثير من المسلمين الذين تحايلوا على الربا وتفننوا فيه وبنوا له مؤسسات ترعاه وتغري به وتروّج له وتذلّل سبله وتهوّن الإقبال عليه، وتساهلوا مع الزّنا وتركوا الطرق الموصلة إليه سالكة…. وحتى بعض المهلكات التي يحاصرها اليهود والنصارى في مجتمعاتهم، كالظلم والسرقة والغشّ والرّشوة والمحاباة؛ سرت بين المسلمين وأصبحت واقعا لا ينكره إلا القليل منهم!

اليهود والنّصارى استباحوا الفجور وعبّدوا الطّرق الموصلة إليه، فأشاعوا التبرّج والاختلاط وجعلوا للفساد عيدا سمّوه عيد الحبّ، وزيّنوا العلاقات خارج إطار الزّواج وجعلوها من لوازم الحرية ومن حقوق المرأة التي لا دخل للوالدين ولا للمجتمع فيها! وهكذا فعل بعض المسلمين الذين زيّن لهم شياطين الإنس والجنّ التبرّج والاختلاط والعلاقات خارج إطار الزّواج في المسلسلات والأفلام، وأصبح التبرّج واقعا مألوفا في أمّة يأمر كتابها بالحجاب والستر والاحتشام في آيات محكمة صريحة! ووجد بين المسلمين من يحتفل بعيد الحبّ ومن يبرّر للعلاقات خارج إطار الزّواج بأنّها ضرورية للتعارف والتآلف! ومن يبرّر للاختلاط في الملاعب والمسابح بأنّه عادي ولا شيء فيه! وشيئا فشيئا حتى فجعت الأمّة بمهرجانات للغناء والرقص الماجن لا تكاد تنتهي في بلد مسلم حتى تنطلق في بلد مسلم آخر!

مقالات ذات صلة