نهب الخزينة
في اليوم التاسع من رمضان، كان علي أن أصلي الفجر لأول مرة في المسجد..أنا الذي لم أصلّه حتى في البيت! السبب هو أني لم أمض الليلة في بيتي بل في بيت من استضافنا أمس، والذي أقسم أن أبيت إلى يوم الغد! فقد أخذت معي زوجتي وكل أبنائي إلا رقية وحدهوم، اللتين فضلتا الذهاب إلى بيت خالهما.
مضيفنا لفطور أمس، كان من المعارف وليس من العائلة، صديق عملت معه في التعليم قبل أن أخرج في تقاعد مسبق بسبب الهايزيمر المبكر عندي! فقد كنت أعيد الدرس الواحد ثلاث مرات ظنا مني بأني أدرّسه للتلاميذ لأول مرة! لا أصدق قول التلاميذ بأن هذا الدرس مر علينا، فكنت أقول لهم: “النملة تجرّ الجمل”؟ شكون اللي يجر؟ الجار وإلا المجرور؟ فيجيبوني: المجرور.. فأعيد لهم درس الجار والمجرور والجار ذي القربى والجار الجنب والصاحب بالجنب! بعدها قررت الإدارة إحالتي على معاش مسبق.. وهذا قبل عامين فقط.. رجل طيب لا يزال في التعليم، حاج قبل عام ويسكن بجوار المسجد!
لأول مرة أصلي الفجر، وفي المسجد “أون بليس”! فرحت بهذه الخطوة، فأنا في الأخير، لستُ عاصيا ولا ناكرا ولا فاسدا، وإنما هو قلة الوعي والشغل الشاغل بدون شغل! ثم إن النوم يغلبني عند الفجر حتى لو كنت سهرانا طيلة الليل..عيوني تكون مفتوحة، قد هااااك، ولما يقترب الفجر، تغمض فجأة ويطيح عليها ثقل كجبل الزبربر!
صلينا الفجر وعدنا إلى البيت، وبعد شروق الشمس، كنت آخذ الحافلة وأعود إلى البيت على بُعد نحو ساعة لأجد البيت مفتوحا ولا أحد في البيت.. هل أنا أو أحد غيري من تركه مفتوحا قبل الخروج؟ لكني أنا من خرج الأخير وأغلقت البيبان كلها، والمفاتيح معي، دخلت، فإذا بالمفاجأة والفظاعة: داري سُرقت! الدار نهبت! المنزل مشى، الدار راحت! الخزينة مشات! ورحت أضرب رجلي برأسي: هل رأيتم أحدا في سني تصل رجله إلى رأسه؟ كنت أركل نفسي من الخلف.. بالطالون، فأضرب بها مؤخرة جسمي، ثم بركبتي، أضرب بها منخاري، وبناتي وزوجتي تسمع أصواتهم في أعالي السماوات والأرض: الجنرال يبكي! وبصوتها الخشن كصوت جحش “تجحش” بالبكاء: هههااابردي بردي… هابردي.. على داري ستارت عاري! هااابردي وسردي! الدار مشات؟.. الذهب نتاعي مشى!
وهنا انتبهت واستدرت لها قائلا: واش راكي تقولي؟ ذهبك مشى؟ علاه كان عندك شي ذهب!؟ قالت لي بدون أن توجه لي الكلام مباشرة وهي لا تزال تطوح وتولول على ميت لها يسموه الذهب: ويلي ويلي على السلسة والمنقوش.. ويلي ويلي على المسيبعة والكارافاش.. ويلي ويلي على الحزامة ولبزيم.. ويلي ويلي على الخواتم والمسايس.. ويلي ويلي على البراصلي والقورميت!
كل هذا وأنا أسمع، فمي مفتوح يسيل منه لعابٌ كقط مات بالسم!.. استمع إلى تباريحها واستغاثاتها ونواحها وأتساءل: أين كانت هذه المخلوقة تدس كل هذه المخلوقات في بيت هذا المخنوق؟ أين كانت؟ ومنذ متى وهي تدسّ عليّ هذه الثروة؟ أكيد هي من نهبت خزينة الداي في 1830، أو على الأقل هي من استولت على ذهب وأموال التضامن الوطني في 62! بنت الكلب واش كانت دايرة؟ وأنا حاسبها ما تسعاش غير عباءتها ومناقش “فالسو” ومسايس وخاتم لم تعد تلبسه بسبب ضخامة أيديها وأصابعها وعنقها وصدرها الذي تكرّش حتى عاد بلا رقبة! الكرش وصلت إلى العنق وذهب الصدر البلبالي.. يبلبل! فلا عنق بقي ولا أيادي ولا أصابع! المكلوبة من أين جاءت بكل هذه الثروة.. وأنا نحسب كل يوم الدورو من دبره؟ الدينار نحسبه مئة دينار!
تركتها تولول وتندب وتحندب واتجهت مباشرة رفقة بناتي ومن كان حاضرا، كل إلى مكان لتفقد الأشياء المختلسة!