نواب يتحرّكون لتجريم الاستعمار والتصدّي للحركى والأقدام السوداء
لم تشفع “الشراكة الاستثنائية” التي أرسيت في عام 2012 بين الجزائر وفرنسا، للعلاقات الثنائية بالحفاظ على استقرارها، بل ما انفكت تتعرض لمطبات وأزمات، كتلك التي تعيشها هذه الأيام، في أعقاب زيارة الوزير الأول الفرنسي، مانويل فالس، إلى الجزائر.
فلمَ تتكرر الاستفزازات الفرنسية تجاه الجزائر حتى في الوقت الذي تكون فيه العلاقات مستقرة؟ وهل بات من الضروري مراجعة العلاقات الثنائية بشكل يعيد لها التوازن؟ وهل أصبحت الفرصة مواتية لإعادة بعث مقترح مشروع قانون تجريم الاستعمار الفرنسي؟ هذه الأسئلة وأخرى سيجيب عنها “الملف السياسي” لهذا العدد .
المشروع الموؤود يعود إلى الواجهة مدعوما باستفزازات باريس
هل حانت فرصة تجريم ممارسات الاستعمار الفرنسي؟

أعادت الاستفزازات الفرنسية المتكررة ضد الجزائر ورموزها، النقاش مجددا حول ضرورة إعادة النظر في العلاقات الثنائية. فالاحترام المتبادل غائب تماما عن الجانب السياسي، أما الاختلال في المصالح فيبقى السمة البارزة على مستوى البعد الاقتصادي .
وجاءت الحملة الفرنسية الأخيرة التي وزّعت فيها الأدوار بإحكام واستهدفت بعض رموز الدولة، لتؤكد أن الطرف الفرنسي لا يريد للعلاقات الثنائية أن تقطع أشواطا، والسبب افتعاله المشاكل واختلاقها من العدم.
واللافت في الأمر هو أن العلاقات الجزائرية الفرنسية عادة ما تتوتّر عندما يكون اليمين ماسكا بمقاليد الحكم في باريس، كما حصل في عهد الرئيس الفرنسي السابق، نيكولا ساركوزي. أما اليوم، فالأزمة جاءت في وقت يهيمن فيه اليسار على السلطة التنفيذية ممثلة في شخص فرانسوا هولاند، ما يدفع إلى التساؤل عن صدقية الاعتقاد الشائع عن هذا التيار لدى شريحة من السياسيين في الجزائر.
فعادة ما يُقدّم اليسار الفرنسي على أنه متحرر من العقدة الاستعمارية وقد تجاوز كابوس نهاية حلم “الجزائر الفرنسية”، على عكس اليمين، غير أن “الخرجة” الأخيرة للوزير الأول (الفرنسي) مانويل فالس، بعد عودته من زيارته إلى الجزائر، بيّنت أن الفرنسيين سواء المتشبّعين منهم بالإيديولوجية اليمينية أم بالتوجّهات اليسارية، لا يختلفون كثيرا عندما يتعلق الأمر بالجزائر، التي يبدو أنها قد سكنت “لا شعورهم” وإلى الأبد، وفق ما يقول علماء النفس.
وإلى حد اليوم، لا تزال التساؤلات قائمة حول خلفيات المشاكل المختلقة من قبل الفرنسيين، إن كان الأمر يتعلق بابتزاز هدفه الحصول على امتيازات ومغانم سياسية أو اقتصادية، أم مجرد استفزاز لإشباع رغبة نفسية هدفها الانتقام من مستعمرة الأمس، التي مرّغت كرامة مستعمرتها السابقة في التراب.
ولطالما تحدث رؤساء فرنسيون منهم ساركوزي ومن بعده هولاند، عن طيّ صفحة الماضي وتجاوز عُقده والتوجّه نحو المستقبل، ولئن استجاب الجزائريون لهذا الانشغال، ووأدوا مقترح مشروع قانون تجريم الاستعمار رغم الاحتضان السياسي الذي حظي به، إلا أن الفرنسيين هم أول من تحاشى العمل بهذا التوجّه رغم أنه جاء من عندهم.
وهكذا وقفنا على استفزازات جديدة ميّزها مساعي تمجيد ممارسات “الحركى” بمشروع قانون لا يزال قيد الدراسة قدمه 85 نائبا فرنسيا، مثلما سبق للبرلمان الفرنسي أن تبنّى قانون تمجيد الاستعمار (23 فيفري 2005)، وهو القانون الذي أدخل العلاقات الجزائرية الفرنسية يومها الثلاجة وقضى على معاهدة الصداقة التي كان يجري التحضير للتوقيع عليها.
واليوم تبدو الفرصة أكثر من مناسبة للرد على الاستفزازات الرسمية وغير الرسمية الفرنسية، بإعادة بعث مقترح مشروع قانون تجريم الاستعمار، الذي اعتلاه الغبار في أدراج مكتب رئيس المجلس السابق عبد العزيز زياري، خاصة بعدما تبيّن زيف التبريرات التي ساقتها الحكومة حينها.
ويمكن إيجاز إمكانية نجاح المشروع القانوني في حالة بعثه مجددا في المتغيّرات الراهنة، وفي مقدمتها إعطاء الدستور المعدل في فيفري المنصرم، صلاحيات أوسع للنواب في المبادرة بالتشريع، وتوسيع هذه الصلاحيات لتشمل الغرفة العليا للبرلمان، وتمكين النواب من إخطار المجلس الدستوري.
كما أنه من شأن الاستياء الذي خلفته الاستفزازات الفرنسية الأخيرة تجاه الجزائر، أن يدفع الجهاز التنفيذي إلى رفع يده عن الجهاز التشريعي بخصوص هذه القضية والسماح بسن قانون يجرم ممارسات الماضي الاستعماري لفرنسا بما يجعله ورقة بيد الحكومة، لا سيما أن المقترح يأتي أيضا في وقت يطبخ فيه مشروع آخر في فرنسا لتمجيد ممارسات الحركى.
الأمين العام للمنظمة الوطنية لأبناء الشهداء الطيب الهواري
ننتظر اعتذار فرنسا الرسمية وعلى الحكومة التحرك لتجريم الاستعمار
ما تقيمك للعلاقات الجزائرية- الفرنسية؟ وإلام ترجعون الأزمة أو التوتر المندلع بين البلدين في الآونة الأخيرة وخلفيات الهجمة الفرنسية على الجزائر في نظركم؟
حقيقة، التصرفات التي قامت بها فرنسا الرسمية هذه المرة، تدل على حقد دفين وضغينة لا يزال يكنها المستعمر الذي يرفض بل يحاول أن يتناسى أنه يتعامل مع جزائر مستقلة ضحت بمليون ونصف مليون من الشهداء من أبنائها لتحرير البلاد. ونحن كنا قد عبرنا كمنظمة عن استنكارنا لهذه الهجمة، خاصة العمل الطائش الصادر من الوزير الأول الفرنسي، مانويل فالس، لكن الظاهر أن فرنسا تحمل حلما استدماريا جديدا، ولم ترتق إلى مستوى التعاون والصداقة الذي عبرت عنه الجزائر، فرغم الامتيازات الممنوحة لرجال الأعمال الفرنسيين إلا أن الساسة الفرنسيين يتعاملون بازدواجية مع الجزائر، بل كمستعمر جديد وصل حد التدخل في الشؤون الداخلية والمساس برمز من رموز الدولة، ممثلا في شخص الرئيس. وهذا الأمر يدفعنا إلى التفكير مجددا في إعادة النظر في العلاقات الثنائية. وأعتقد أن الخلفيات لا تحتاج إلى الكثير من التفكير، وهي أن اللوبي الاستعماري والحركى لا يزالون يحاولون الضغط على الجزائر أملا في تحقيق حلم موؤود.
فرنسا مجّدت الاستعمار سنة 2005 واليوم هي بصدد سن مشروع قانون جديد لتمجيد الحركى، ألا ترى ضرورة في أن يقوم البرلمان الجزائري بإعادة بعث قانون تجريم الاستعمار الفرنسي المجمد حاليا؟
نوافق تماما هذا الطرح فالوقت ثمين جدا ومناسب للرد على فرنسا الرسمية، ويجب استغلال الفرصة من أجل سن قانون جديد خاص بتجريم الاستعمار الفرنسي، لأن المسؤولين الفرنسيين يكيلون بمكيالين مع الجزائر التي يجب عليها أن ترد بالمثل، والمنظمة كانت صاحبة المبادرة سنة 1991، ولا تزال تطالب بضرورة سن هذا القانون ومحاكمة مجرمي الحرب وتعويض ضحايا الثورة الجزائرية.
لكن الغريب أن البرلمان الفرنسي نشيط في هذه الملفات على وجه التحديد، لكن في بلادنا يبدو البرلمان وكأنه مستقيل تماما من ملف الذاكرة رغم حساسيتها؟
لا يجب أن توكل هذه المهمة إلى البرلمان الجزائري فقط لتشريع قانون جديد يجرّم الاستعمار الفرنسي بل يجب أن تتحول لتصبح قضية وطنية بالنظر إلى أن ملف التاريخ والذاكرة ملك لكل الجزائريين، وليس لمجموعة بعينها أو عبارة عن برنامج حزبي بل يجب أن يكون ضمن مخطط عمل الحكومة.
لكن الدستور الجديد يركز في أحد بنوده على ضرورة حماية الذاكرة وحق النواب في التشريع وللغرفتين، المجلس الشعبي الوطني ومجلس الأمة، فلم لا تزال هذه القضية غائبة عن النقاش السياسي؟
أكيد، علينا أن نضع في أذهاننا أن الذاكرة خط أحمر، خاصة أن الدستور الجديد يؤكد على أهمية حمايتها، لكن بالنسبة إلى قانون تجريم الاستعمار، أعتقد أنه لا بد أن تكون هناك إرادة حقيقة لطرحه، وهنا أستغل الفرصة لأطالب الحكومة بالإسراع في سن قانون يجرم الاستعمار الفرنسي.
هل تتوقعون عودة مياه العلاقات الجزائرية الفرنسية إلى مجاريها، وأن ما يحدث هذه الأيام مجرد سحابة صيف عابرة؟
لا أعتقد، لأن فرنسا مصرة على حملتها ضد الجزائر، ففي كل مرة تبادر بسن قوانين لتمجيد الاستعمار والترويج لورقة الحركى، وعلى الجزائر ألا تسكت عن هذا التمادي، وعلى الغيورين على بلادهم كذلك الرد، خاصة المتعاملين الاقتصاديين وأرباب العمل إلى غاية اعتذار باريس رسميا بعد مساسها بمقومات الدولة الجزائرية وبرموزها.
عفوا.. هل تقصدون مقاطعة المنتجات الفرنسية مثلا؟
قد يكون ذلك صعبا لكن بطريقة أصح إعادة تقييم الشراكة الاقتصادية بالنظر إلى أن الجزائر تتعامل مع فرنسا من باب تطوير العلاقات والصداقة لكن يبدو أن لباريس حسابات أخرى.
النائب موسى عبدي صاحب المشروع الموؤود
تبريرات الحكومة لرفض قانون تجريم الاستعمار واهية وسنبعثه مجددا

مرحلة صعبة تمر بها العلاقات الجزائرية الفرنسية (الفرنسيون هم من تسبب فيها)، ألا تفكر في إعادة بعث مشروعك لتجريم الاستعمار؟ وهل ترى أن الفرصة مناسبة في ظل هذه المتغيرات؟
العلاقات الجزائرية الفرنسية تمر دائما بمخاضات كظاهرة المد والجزر البحري، أما العلاقات فأعتقد أنها ستبقى متوترة بسبب عدم الاستقرار السياسي الفرنسي بين يمين متطرف ويسار غيّر قليلا في توجهات سياسته مع الجزائر لكنهما وجهان لعملة واحدة فيما يتعلق بالذاكرة.
ولذلك وبالنظر إلى المستجدات الجديدة، فإننا نحن مجموعة من النواب نفكّر جديا في إعادة بعث مشروع قانون تجريم الاستعمار من جديد، في ضوء الخلفية السياسية والمؤامرة الفرنسية للمساس برموز السيادة الوطنية، لذلك فالفرصة مناسبة جدا لذلك.
فرنسا مجدت الاستعمار بقانون وهي الآن بصدد تمجيد الحركى بقانون آخر، ماذا يجب على الجزائر فعله؟
فرنسا دأبت على مناورات سياسية فيما يتعلق بالذاكرة، خاصة المعمّرين والأقدام السوداء والحركى، ومهاجمة جبهة التحرير وقضية تيبحيرين، وهي مجموعة آليات تاريخية توظفها باريس للضغط على الجزائر وتقفز بذلك على ذاكرة الشعب مجانا، ولذلك فما تقوم به هو محاولات فرنسية لمقايضة تاريخية.
أما الرد الأساسي والمهم فأعتقد أنه العودة إلى طرح مشروع قانون تجريم الاستعمار، لأنه لا يتوقف عند قضايا الاعتذار والاعتراف، بل يتعدى ذلك إلى قضية المعمرين والأقدام السوداء، لأنه كان يمكن أن يصبح أرضية قانونية للدولة الجزائرية لمواجهة مطامع المعمرين والأقدام السوداء في استعادة ممتلكاتهم، وما يمكن أن يشكله ذلك من اختراق أمني وسياسي للبلاد وحتى تفكيك النسيج الاجتماعي من خلال إمكانية عودة اليهود المعمرين خصوصا.
التعديل الأخير للدستور جاء بصلاحيات جديدة على صعيد اقتراح القوانين الجديدة من طرف النواب، هل تعتبر أن هذا المعطى سيساعد على سن قوانين في هذا الاتجاه؟
نعم، هذا صحيح لأننا لما قدمنا مشروع قانون تجريم الاستعمار اصطدمنا حينها بثغرة قانونية، وهي عدم السماح للنواب بإخطار المجلس الدستوري، أما التعديل الدستوري فمنح لهم ذلك وأعطاهم هذا الحق، لذلك بعد إعادة بعث المشروع وفي حالة تم رفض المسعى مجددا فسنخطر المجلس الدستوري بذلك وسنقوم بذلك.
هل أنت مقتنع بالمبررات التي قدمت لكم سابقا لوأد مشروعك لتجريم الاستعمار؟
المبرر الذي قدمته الحكومة كان واهيا ومغالط تماما. وهو الذي يتعلق بعدم التطابق مع اتفاقيات إيفيان، لأن الذين اعتمدوا عليه لم يقدموا قراءة دقيقة لاتفاقيات إيفيان، كون المشروع لا يعالج فترة زمنية معينة بقدر ما يعالج حقبة استمرت 132 سنة، ويعالج ظاهرة عامة هي الاستعمار، في حين تنص اتفاقيات إيفيان على فترة محددة بـ 7 سنوات من 54 إلى 62.
أما النقطة الثانية فهي قولهم بعدم وجود مادة في قانون الإجراءات الجزائرية تجبرنا على متابعة فرنسا، لكن متابعة الاستعمار لا تكفلها القوانين العضوية للدول بل يكفلها القانون الدولي الإنساني واتفاقيات جنيف والمحاكم الجنائية.
والنقطة الثالثة المتعلقة بالسياسية الخارجية، صحيح أنها من صلاحيات رئيس الجمهورية، لكننا أردنا لذلك المشروع أن يكون ورقة سياسية بيد الرئيس والدولة الجزائرية للضغط والتفاوض مع فرنسا وقت ما تشاء.
وهناك نقطة أخرى، فالسياسة الخارجية الفرنسية من صلاحيات الرئيس لكن هذا لم يمنع البرلمان الفرنسي من التشريع في القضايا الخارجية كتمجيد الاستعمار وقريبا تمجيد الحركى.
هل تعرّضت لمضايقات سياسية أو تهميش جراء مقترحك لتجريم الاستعمار؟
على مستوى هرم السلطة لم أتعرض لأي مضايقات ولكن التهديد كان من طرف بعض العناصر داخل حزب جبهة التحرير نفسها، وعلى وجه الخصوص الأمين العام للمنظمة الوطنية لأبناء الشهداء الطيب الهواري، الذي هددني مرارا بأن هذا القانون لا يمكن تمريره وسعى للضغط على زياري وبلخادم لإجهاضه، بل وصل الأمر به إلى تهديدي أمام زملائي النواب وبدا وكأنه يتكلم لغة برنار كوشنير.
وما خلفية ذلك؟
في الحقيقة هو كان ينوي أن يقدم هو هذا المشروع باسمه وباسم المنظمة… أي بحثا عن الزعامة رغم أن قيادة الأفلان تبنّت المشروع في اللائحة السياسية لاجتماع المجلس الوطني في عهد عبد العزيز بلخادم.
وعموما، أقول إن المشروع لم يدفن ولم يجمد إنما كان هناك تريث من الجزائر نظرا إلى ظروف إقليمية. والفرصة مواتية الآن في ظل التصعيد الفرنسي.
