-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع
رحل قبل تحقيق أحلامه

نور الشريف كما عرفته وقرأته‬

بوعلام رمضاني
  • 2013
  • 0
نور الشريف كما عرفته وقرأته‬

نقديا‮ ‬يكتب عن الممثل الموهوب استنادا لمستوى الأداء في‮ ‬علاقته بالنوع السينمائي‮ ‬أو المسرحي‮ ‬الذي‮ ‬يجسده،‮ ‬والموهبة لا تدرس،‮ ‬لكنها تصقل وتوظف وتستنطق وهنا‮ ‬يدخل المخرج على الخط لتحقيق ذلك‮.‬

انطلاقا من هذا المعطى البديهي‮ ‬لا‮ ‬يتجرأ أي‮ ‬ناقد عاقل على التشكيك في‮ ‬موهبة الراحل نور الشريف الذي‮ ‬ترك خلفه عشرات الأدوار الخالدة العاكسة لموهبة متعددة الأوجه،‮ ‬وهي‮ ‬الأدوار الذي‮ ‬مكنته من حفر اسمه بأحرف من نور لن‮ ‬ينطفئ مع مرور الأيام والشهور والأعوام‮. ‬المشاهد الذي‮ ‬تابع مشوار نور‮ ‬يعرف أنه مثل قيم الأصالة والصدق والتفرد والتنوع على أيدي‮ ‬مخرجين خرجوا من رحم المعيش المصري‮ ‬المشرع على قضايا سياسية وتاريخية واجتماعية مفصلية؛ ولعل تمثيله تحت إدارة عاطف الطيب ويوسف شاهين‮ ‬يكفي‮ ‬وحده لـتأكيد صحة موهبة ممثل عربي‮ ‬فذ،‮ ‬فضاء التركة الفنية لا‮ ‬يتوقف كما‮ ‬يعتقد الملايين من المشاهدين العرب عند موهبته التمثيلية،‮ ‬وهم المشاهدون الذين سيحزنون أكثر على رحيله حينما‮ ‬يدركون أن الرجل كان أكثر من ممثل موهوب ويصب في‮ ‬خانة الشخصيات الفنية والفكرية والسياسية والأخلاقية‮ ‬غير العادية خلافا لممثلين مصريين انفردوا بموهبة تمثيلية كبيرة،‮ ‬لكنهم مثلوا أدوار الإسفاف سينمائيا ومسرحيا وكانوا صغارا أمامه بكل المعايير‮. ‬كان الراحل مثقفا كبيرا وصاحب توجه قومي‮ ‬بقي‮ ‬مؤمنا به من خلال مثله الأعلى جمال عبد الناصر وقارئا نهما ومولعا بالأدب والتاريخ والسير الذاتية لكبار الشخصيات ومتجذرا في‮ ‬الذاكرة الشعبية وتقمصه للكثير من الأدوار العاكسة لهذه الحقائق خير دليل على صحة على ما نقول ويكفي‮ ‬ذكر أفلام‮ “‬سواق الأتوبيس‮” ‬و”حدوتة مصرية‮” ‬و”ابن رشد‮” ‬و”هارون الرشيد‮” ‬و”عمر بن عبد العزيز‮” ‬و”عمارة‮ ‬يعقوبيان‮” ‬لتلمس مواقفه وتوجهه،‮ ‬رحل قبل تحقيق حلم تقمص شخصيات أخرى أقرب إلى ولعه بعطر وعبق التاريخ العربي‮ ‬والإسلامي‮ ‬المستنير وبنبض الشارع الخلاق وبإيمانه بقيم العدل والتسامح والتراث وبالفكر والأدب‮. ‬

لقد عرفت الراحل أول مرة في‮ ‬الجزائر عام‮ ‬1983‮ ‬حينما جاء مع النجمة ناديا لطفي‮ ‬متضامنا مع كفاح الشعب الفلسطيني‮ ‬على هامش حضور قادة منظمة التحرير وعلى رأسهم القائد الراحل‮ ‬ياسر عرفات،‮ ‬ويومها سعدت بمحاورته في‮ ‬فندق الأوراسي‮ ‬لجريدة الشعب بحضور الزميلة حضرية،‮ ‬المرأة الرقيقة والمهنية الجادة‮. ‬اليوم وبعد أكثر من ثلاثين سنة أشهد للتاريخ أنني‮ ‬أكتشفت مثقفا كبيرا‮ ‬يجيد الحديث عن التاريخ والسياسة والاجتماع،‮ ‬وسياسيا ناصريا،‮ ‬متشبعا بالفكر القومي‮ ‬ومؤمنا بوحدة عربية حتمية تضمن موقعا للعرب من منظور هضمه للرهانات الإيديولوجية العالمية‮. ‬تحدث الراحل‮ ‬يومها عن تجربته الخاصة مع المخرج الراحل الكبير‮ ‬يوسف شاهين بطريقة عكست العلاقة العضوية والحميمية والوظيفية التي‮ ‬ربطت الرجلين،‮ ‬وكان حديثه عن شاهين أقرب إلى التقديس،‮ ‬ومن‮ ‬يعرف التزام صاحب رائعة‮ “‬حدوتة مصرية‮” ‬يدرك حقيقة العمق الفكري‮ ‬الذي‮ ‬ميزهما خلافا لمخرجين وممثلين آخرين كثر‮. ‬قابلت الراحل للمرة الثانية في‮ ‬حي‮ ‬المهندسين بالقاهرة عام‮ ‬1987‮ ‬بمناسبة تغطيتي‮ ‬للمهرجان الدولي‮ ‬للمسرح التجريبي،‮ ‬ويومها أصر على استقبالي‮ ‬في‮ ‬بيته،‮ ‬وكعادته حينما‮ ‬يلتقي‮ ‬بالجزائريين لم‮ ‬يتردد في‮ ‬التعبير عن حبه للجزائر باعتبارها البلاد التي‮ ‬تبقى عبرة تاريخية للشعوب التواقة للحرية،‮ ‬وهي‮ ‬البلاد التي‮ ‬دعمها وآمن بها عبد الناصر ملهمه الفكري‮ ‬الأكبر،‮ ‬كان لقائي‮ ‬الثالث مع الراحل في‮ ‬باريس بعد هجرتي‮ ‬في‮ ‬التسعينيات،‮ ‬وإذا كنت قد نسيت التاريخ والمناسبة تحديدا،‮ ‬فإنني‮ ‬مازلت أتذكر أنه طلب مني‮ ‬خدمة شخصية عشية ذهابي‮ ‬إلى الجزائر،‮ ‬وتمثل طلبه في‮ ‬حاجته الملحة لرواية‮ “‬عابر سرير‮” ‬لأحلام مستغانمي‮ ‬الذي‮ ‬افتتن بها كما افتتن بنجيب محفوظ من قبل‮.‬

في‮ ‬المرة الأخيرة لم أتمكن من مقابلته عام‮ ‬2006‮ ‬بمناسبة الأسبوع الثقافي‮ ‬المصري‮ ‬في‮ ‬الجزائر بعد أن حددنا موعدا في‮ ‬فندق‮ “‬الماركور‮” ‬بمساعدة الصديق العزيز عبد الحق كرميش،‮ ‬ولم‮ ‬يتمكن‮ ‬يومها من المجيء بسبب البروفة المسرحية التي‮ ‬طالت في‮ ‬المسرح الوطني،‮ ‬للتاريخ،‮ ‬يمكنني‮ ‬القول أن الراحل‮  ‬الذي‮ ‬لم‮ ‬يشتهر شعبيا مثل عادل إمام الموهوب،‮ ‬سيبقى أهم شخصية فنية عرفتها مصر في‮ ‬العقود الثلاثة الأخيرة لتفرده بكوكتيل مواصفات أخلاقية ومبدئية وفكرية وشخصية وأدبية انعكست في‮ ‬أفلام ومسلسلات كان معظمها مرآة لقناعاته وفكره وأصالته،‮ ‬ولم‮ ‬يكن عدم صعوده الخشبة كثيرا أسوة بآخرين أمرا اعتباطيا،‮ ‬وكثيرة هي‮ ‬المسرحيات التي‮ ‬زادت من شهرة ممثلين‮ ‬غرقوا في‮ ‬الإسفاف وأساءوا للمسرح المصري‮ ‬والذي‮ ‬يخرج من معطف المخرج الكبير سعد أردش مثل الراحل نور لا‮ ‬يمكن أن‮ ‬يقبل الابتذال تكريسا لمقولة‮ “‬الجمهور عايز كده‮”.‬

أنا سعيد لأنني‮ ‬عرفت الراحل فنيا وشخصيا،‮ ‬وحزين لأنني‮ ‬لم أحضر جنازته ولم أزره قبل تدهور صحته لأسباب قاهرة فرضتها الغربة الغدارة‮. ‬

نور الراحل سيبقى‮ ‬يشع في‮ ‬نفوس كل من أحب الحاج متولي‮ ‬الذي‮ ‬أسعد كل الجزائريين‮. ‬

وداعا نور وتغمدك الله برحمته الواسعة‮.‬

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
  • نصرو الجزائري

    نصرك الله نصرا مبينا يا منصور

  • نصرو الجزائري

    بوركت يا اصيل وصدقت في كل كلمة

  • امازيغي حر

    الجزائر امازيغية منذ عهد شوشنق وماسينيسا ويوغرطة وستظل مفهوم؟

  • جزائري وافتخر

    صدقت يا غزاوي وانت اول من من حقه ان ينتفض ضد عروبة عبرية

  • بدون اسم

    الجمال ليس في الخلاعة

  • جزائري وافتخر

    انتم شوكة في حلق بلدكم وتطوره وتميزه وستظلون كذالك الى يوم الدين متمسكين بخزعبلات ما انزل الله بها من سلطان وجامعة عبرية ستظل تنخر الجسد الجزائري وتكبله بقيود ضاهرها القومية والاسلام وباطنها وباطنها النفاق والتخلف والفرقة

  • Retard

    و الله حتى يومنا هذا لم استطيع ان اتجرع شيئ في حياتي عندما اسمع على الافلام المصرية و الكل يعلم ان الافلام في كل الاوطان منها الجميلة او النجحة و منها المتوسطة و منها الهزيلة او الفشلة و لكن ليس هذا هو موضوعي بل اردة ان اعرف ما هو اسم الفليم المصري مصور في الجزائر في اعوام اواخر السبعينات و بدية الثمنينات و قد حضرة للقطات تصويره و كان فيه لقطات للقطار و رجال بلاباس عسكري و كذلك رجال الشرطة و كان حضر وجوه من الممثلين المصريين اعرفهم على الشاشة و اضن كان معهم عادل ايمام و كذلك نساء, لماذا لم يعرض

  • بدون اسم

    الجزائر مختلفة بثقافتها و بزخمها ؟؟ ، انت تريد ان تكون الجزائر بلا شخصية صح ، الجزائر عربية اسلامية حب من حب و كره من كره و ان كنت تريدها امازيغية فكنا بربر و عربنا الاسلام و الحمد لله و المنة ،انك تتخبط خبط عشواء و انك مريض و معقد من الانتماء الجزائري لها الاضيل ، و حتى الامازيغ فاصولهم عربية اتو من شبه الجزيرة العربية و اليمن ليس الا وما ينكر هذا الا معقد و مريض نفسيا ....

  • منصور الجزائري

    انت ايضا مثال لانسان الراقي والمحترم وماقلته بخصوص الجزائر ليت الجميع يفكر مثلك لكانت البلاد والعباد بالف خير وتطور

  • منصور الجزائري

    فنان محترم نشهد له انه لم يتطاول على شهداءنا ومقدساتنا واصولنا

  • أنيس أبو الليل

    الجزائر عربية منذ دخول الفاتح عقبة بن نافع مفهوم؟

  • بدون اسم

    كيف كيف ماكان والو

  • ابراهيم

    فنان جميل ربنا يرحمه برحمته الواسعة اللي زي نور الشريف واحمد زكي وعمر الشريف مابيتكرروش

  • وحيد

    انا افضل المسلسلات السورية

  • بدون اسم

    متعجبنيش الافلام المصرية مي نحترموا

  • امجد حوارنة

    سجل من اليوم فصاعدا لست عربيا ولايشرفني ان انتمي الى عروبة سمتها الجاهلية الاولى تغلي في العروق والدماء وشعارها انا وبعدي الطوفان

  • نصرو الجزائري

    وفي الاخير اترحم على الفنان المثقف والراقي والانساني نور الشريف وقد تحدثت عنه دونمعرفةشخصية ودونحسابات اواوحساسيات ولا منطلق قومي حيث لا اوؤمن بالقومية العربية ولا اراها تخدم بلدا بحجم الجزائر المختلفة كليا بثقافتها وزخمها بل اراها امة كي تحتاج للتفرد كي تبدع في كل المجالات بعيدا عن المعوقات والعقبات والحساسيات شرقية كانت ام غربية وينطبق عليها المثال التركي والصيني لكن للاسف لاحياة لمن تنادي واقول هذا الكلام بكل ثقة وكل احترام لشعوب العالم

  • نصرو الجزائري

    من يشاهد الدراما العالمية والتركية على وجه الخصوص وبتمعن وتمتع ودون خلفيات اوحساسيات سوف يدرك ان المنطقة العربية لم تقدم الا افكارا ضلت بعيدة عن التجسيد الحقيقي لمعنى التمثيل فهم يقدمون تحفا لن تموت تمثيلا واخراجا ونصا وموسيقى والعالم العربي يقدم محاولات يجتهد المتفرج لتصديقها واحيانا كثيرة دون جدوى حتى اننا لانستطيع تمييز الممثل بين دور واخر الا بعد جهد وهذا لايمنع ان لهم بعض النجاح ولوكان متواضعا وسط هذه الاعداد الهائلة من الادوار وحسب الاماكانات الهائلة والدعاية الضخمة والتسويق