الرأي

نُكسَر ولن نُعصَر

عمار يزلي
  • 1105
  • 1

خلافا لما يبدو ظاهريا، وكظاهرة سوسيو – ثقافية، فإن صفة العنف المتصلة بالانسان الجزائري، إنما هي ظاهرة لصيقة، أي مفروضة من خارج النسق الاجتماعي الثقافي لبنية التكوين النفسي – اجتماعي وللبنية الثقافية الدينية الجزائرية التي تشكلت عبر الأزمنة. وعليه، فإن ظاهرة “المقاومة – العنف”، إنما هي وليدة العنف المضاد المتمثل عادة في الاحتلال والاستيطان القهري، العسكري والاقتصادي والثقافي.

هذه الصفة التي تُلصق بالجزائري بشكل خاص، إنما هي تفسيرٌ سلوكي قاصر؛ فلقد لاحظنا من خلال تتبعنا لمختلف أطوار المقاومات الجزائرية المسلحة أو المطلبية أو الرمزية، في ما أسميناه بـ”المقاومة – العنف” و”المقاومة – الحوار” و”المقاومة الرمزية” وأشكال الرفض والمقاطعة التي تدخل ضمن هذا الشكل الأخير، أن الجزائري رجلٌ مسالم، وقد يأخذ موقفَه وسلوكه الأخلاقي هذا من السلوك الإسلامي الذي يلزم بمسالمة المسالم ومحاربة المحارِب، وأحسن نموذج لهذا التفسير هو:

– موقف أولاد سيدي الشيخ من الاحتلال، بدءا من موقف خليفة الصحراء، السي حمزة، وإنتهاء بثورة سي سليمان وما يُسمى بثورة أولاد سيدي الشيخ، والتي هي عبارة عن سلسلة ثورات، لا ثورة واحدة.

– موقف الأمير عبد القادر من مختلف القادة العسكرييين والإداريين الفرنسيين، وتحبيذه للحوار، ولجوئه إلى الثورة المسلحة عندما لم ينفع أسلوب الحوار.

– موقف أنصار الحركات المطلبية، المتمثلة في جماعة النخبة، بدءا من حركة الأمير خالد وانتهاء بتجذير الموقف المطلبي بعد حوادث 8 ماي 1945، ثم ثورة التحرير.

– إن المقاومة الثقافية، كانت في كل الأحوال المقاومة الدائمة الحضور، المؤطرة لكل أشكال المقاومات المسلحة الشعبية، العفوية منها والمنظمة، الفردية والجماعية، ويأتي الدين الإسلامي على رأس كل المقاومات الثقافية، وهذا للاعتبارات التالية:

– أن الروح الإسلامية المتجذرة في كيان الانسان الجزائري على مرّ 14 قرنا من الزمن، قد طبع وصقل الذات الجزائرية بطابع إسلامي حضاري، بمختلف المذاهب الدينية والحركات الاسلامية السياسية من الخوارج إلى المرابطين والموحدين والأدارسة، الذين طبعوا في جزء كبير المجتمعَ الجزائري بطابعهم الديني – المذهبي لاسيما فيما يتعلق بالزوايا والحركة الطُّرقية فيما بعد.

– بقاء الانتماء القومي الإسلامي والعربي يشكِّل عنصرا دائما وأساسيا للهوية الجزائرية، ولم يكن بروز مفهوم الوطنية، منفصلا في أي وقت من الأوقات عن القومية الإسلامية. وحتى بعد ظهور القومية العربية، كانت القومية الإسلامية تطغى على الأولى، بل إن الفكر القومي لدى الجزائريين، لم يكن في أي وقت من الأوقات يتجسَّد إلا في هذه الثنائية: العروبة والإسلام. يتجلى ذلك من خلال موقف الجزائريين من الأتراك منذ عهد الحماية وإنتهاءً بموقف الجزائريين من الحرب العالمية الأولى وما بعدها. كما يتجسد من خلال الموقف الجزائري منذ عهد البايات.

ثم يأتي موقف جمعية العلماء وحزب الشعب، ليؤكد هذا الشعور الهوياتي ويجعل منه أحد الأسُس واللبنات الأساسية لصياغة مفهوم الهوية الجزائرية.

أسلوب المقاومة الدائم ضد الدخيل والمحتل، كان وسيبقى عنوانا جزائريا بامتياز طبقا لما قاله شاعرُنا الجزائري القبائلي “موح أومحند” (1845- 1906): “نُكسَر، ولن نُعصَر”. القبائلي “سي موح أومحند” لم يؤجل المقاومة الرمزية إثر قمع انتفاضة الشيخ الحداد سنة 1872 وهذا منذ أول هجوم فرنسي على منطقة القبائل سنة 1857 إلى غاية 12 نوفمبر 1882 تاريخ أول يوم من القرن الرابع عشر الهجري، الذي يشكل لدى الفكر الشعبي تاريخا مصيريا وإشكاليا كونه يمثل “النهاية المحتومة” حسب المقولة الشعبية المعروفة “القرن الربعطاش مافيه فتاش”.

مقالات ذات صلة